بغداد 23°C
دمشق 16°C
الأربعاء 21 أكتوبر 2020
من أراضي ريف حماة - صورة أرشيفية

بالمزاد العلني و”الإصلاح الزراعي”: الاستيلاء على أراضي النازحين السوريين في حماة


عندَ البحث في ملف مصادرة #الحكومة_السورية لأملاك المُهجّرين، يصبح الاصطدام بالتفاصيل الشائكة والغريبة أمراً وارداً، سواءٌ تعلق ذلك بالطريقة والإجراءات التي برّرت المصادرة، أو بالظواهر الاجتماعية التي أفرزتها.

وعلى سبيل المثال، فإنه وبمجرد سؤال مجموعة من نازحي ريف #حماة، المتواجدين حالياً في #إدلب عن الموضوع، فسوف يتكرر ذكرُ أسماء مثل “أبو لهب” و”بحبوح”!.

وبالتقصي والتعمّق أكثر سَنفهم أن تلك ليست سوى ألقاب لأبرز أثرياء الحرب في المنطقة، والذين اختفت أسماؤهم الحقيقية من التداول تدريجياً، وحلّت محلّها ألقابهم، بعد أن أصبحوا علامات فارقة في صناعة الثروة، على حساب مآسي أبناء مناطقهم، مستفيدين من الفرز السياسي بين موالٍ ومعارض، وما أنتجه من سلوكيات مَزَجت بين الثأر والكسب المادي.

 

مصادرة أملاك الغائب

وتتعدّد الجهات التي استفادت من تقاسم أراضي وممتلكات النازحين في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، بشكل خاص. فإلى جانب تجّار ومتعهّدين وقادة ميليشيات معروفين، مثل “مسعف نعسان المحمد” (المعروف لدى أبناء منطقته باسم “أبو لهب”)، و”حاتم أبو اللبن” (بحبوح)، فهناك شخصيات عسكرية وأطراف أخرى منتفعة، بينها عناصر من ميليشيا #فاطميون، التي تقاتل مع #القوات_النظامية، ولها حضورها في الريف الحموي.

ومنذ سيطرة الحكومة السورية على ما تبقى من ريف حماة، العام الماضي، وتقدمها نحو إدلب، بدأت سلسلة إجراءات لتوفير غطاء قانوني لعملية الاستيلاء على أملاك المهجّرين.

وانتشرت مؤخراً إعلانات عن مزادات، بإشراف وتنظيم أفرُع #حزب_البعث العربي الاشتراكي، وبالتنسيق مع اللجان الأمنية، بهدف استثمار أراضٍ تعود لـ”إرهابيين ومعارضين”، وذلك لصالح “هيئة دعم أسر الشهداء” (قتلى القوات النظامية).

وتشير مصادر محليّة في مدينة #مورك لموقع “الحل نت” إلى أنّ: «إدانة المُهجّر، ووصمهُ بالإرهاب، ليس ضرورياً دائماً لتبرير السطو على أرضه، إذ يكفي غياب المالك كي تتحول أملاكه إلى غنائم مقوننة».

وتُضيف المصادر أنّ «فرصة المستثمر بوضع يده على حصة أكبر ومحاصيل أفضل، مثل الفستق الحلبي، لتُدرّ له ملايين الليرات السورية، تصبح أكبر، كلما كانت علاقاته أقوى وأوسع مع الأفرع الأمنية، وكلما كان قادراً على توزيع الرشاوي للجهات المعنية. في حين تذهب بقية المكاسب للتجار والمستفيدين الأصغر والأقل حظوةً وقوة مالية».

 

العودة لقانون “الإصلاح الزراعي”

ويُعدّ جني المحاصيل الزراعية، عبر صيغة تعاقدية بين الفائز بالمزاد وبين الحكومة السورية، شكلاً من أشكال الاستيلاء على أملاك الغائبين، ومرحلة من مراحلها. وعلى أساسها يتمّ «منح مواسم الفستق والزيتون والقمح إلى متعهدين، هم أنفسهم زعماء وقادة ميليشيات». أي أنّ قرارات اللجنة الأمنية في حماة، في هذا السياق، ليست سوى «تقاسم للغنائم ضمن دوائر العسكر والأمن»، وفقاً لما ذكره المحامي “عبد الناصر حوشان”، من مدينة “كفر زيتا”، والمقيم حالياً في إدلب.

ويشير “حوشان”، في حديثه لموقع «الحل نت»، إلى أنّ «المرحلة التأسيسية الأخطر والأهمّ في مخطط مصادرة الأراضي، والتي شكلت مظلة لكل العمليات المشابهة، تمثلت بقرارات صادرة عن القيادة القطرية لحزب البعث في سوريا عام 2019، تقوم بشرعنة نَهب ممتلكات المُهجّرين قسريّاً والمعارضين، وذلك عبر نزع ملكيّتها من أصحابها، استناداً إلى قانون الإصلاح الزراعي، الذي يتضمّن مواداً تنصّ على تجريد المالك أو المنتفع من أرضه، وإعادة توزيعها على آخرين في ظروف معينة».

ويوضح المحامي “حوشان” أنّ «الحكومة السورية تضع يدها على مساحات واسعة عبر هذا القانون، لتدير لاحقاً مسألة التمليك، وفق مبدأ “حق الانتفاع”».

وينصّ قانون الإصلاح الزراعي على «بقاء ملكية العقار للدولة، التي يحقّ لها حرمان المنتفعين، في حال إهمال الأرض أو تركها». وهو ما «استغلته الحكومة السورية حين اعتبرت النزوح ذريعة لتطبيق هذا البند»، كما يؤكد حوشان.

وانطلاقاً من ذلك، باتت جميع أراضي النازحين في ريف حماة الشمالي «مُلكاً للدولة السورية، لتصبح بذلك صاحبة الحق في توزيع جزء منها بصِيَغ مختلفة، بينها المزادات».

 

تقاسم الغنائم

وبالنسبة لقائمة المستفيدين من “إعادة التوزيع” والاستثمار، يلفت المحامي “عبد الناصر حوشان” إلى أنّ الأمور «لا تتم بشكل عشوائي، وإنما بناءً على خطة، فكل قِطاع (منطقة) يتبع لجهة تشرف عليه».

ويشرح حوشان أنّ «ريف حماة ينقسم إلى قطاعات تابعة للأمن العسكري، وأمن الدولة، والأمن السياسي، والمخابرات الجوية، والفرقة الرابعة». ويضيف أنّه «لكل جهة من هذه الجهات مندوباً يكون إما رئيس مفرزة أو ضابطاً مسؤولاً عن تنفيذ الخطة ومتابعتها، وما تستلزمه من تحصيل للأموال والحصص».

ولا تنحصر مكاسب تلك الجهات والميليشيات والمجموعات التابعة لها برَيع المواسم وضمان الأراضي، فهناك موارد أخرى يجري تحصيل عوائدها بشكل منظم، وبينها مثلاً «تعهدات تُعطي الحق للبعض بقطع أشجار الفستق والزيتون وبيعها حطباً، وتمنح آخرين غطاءً للقيام بسحب الحديد والسيراميك من أنقاض المدن والأبنية المدمرة، وبيعها أيضاً»، بحسب “حوشان”.

وبالنتيجة، تنظم كل تلك العلاقات والأشكال التعاقدية مسارات “تقاسم الغنائم” وتحريك الأموال في اقتصاد #الحرب_السورية.

وأمام هذا الواقع، لا يَملك المهجّرون في إدلب ومخيماتها إلا متابعة أخبار ضياع أرزاقهم، وتقليب قوائم حَصر “أراضي المعارضين” المسربة لهم من وقت لآخر، ليبحثوا فيها عن أسمائهم، وهم يتحسُّرون ويترقبون الإعلان عن مزاد جديد، قد يفوز به جار أو قريب كان في يوم من الأيام “ابن عمومة”، وأصبح عدوّاً وأسطورة في عالم الثراء.


التعليقات