بغداد 15°C
دمشق 9°C
الجمعة 4 ديسمبر 2020
حجمُ الدمار الذي لحق بمرفأ بيروت- وكالة أسوشيتدبرس AP

«إنها مافيا».. ما يدورُ في كواليسِ مِرفأ بيروت قد يُعيق إعادة إعماره 


تَستقطِبُ آثار انفجار #مرفأ_بيروت مزيداً من التنافس على السيطرة وجني الثمار، لكن هذه المرة من عملية إعادة الإعمار.

معادن ملتوية وسيارات مهشّمة ومخازن محطّمة: موقع الانفجار المدمر في مرفأ بيروت لا يزال يبدو مُروّعاً بعد مرور شهر. ويقوم #الجيش_اللبناني بتنظيف المنطقة منذ أسابيع، حيث يعمل على إزالة بقايا الملابس الممزقة والعطور والعديد من البضائع المستوردة الأخرى المتراكمة فوق بعضها، بمساعدة مختلف الشركاء الدوليين.

لكن وفي خضم موجة من الأنشطة الهادفة إلى تأمين المرفأ، يتساءل الكثيرون عن الذين سيعيدون بناء بنيته التحتية والأحياء المدمّرة التي تحيط به. فقد قدر تقرير للبنك الدولي الأضرار التي لحقت بقطاع النقل والمرفأ في لبنان بما يتراوح بين 580 و710 مليون دولار.

وكانت عدة دول قد أعربت بالفعل عن اهتمامها بإعادة الإعمار. وكانت #الكويت أول من تقدمت وأعلنت في 23  آب أغسطس الماضي بأنها ستعيد بناء صوامع الحبوب الضخمة المتضررة.

كذلك #فرنسا، التي أرسلت مئات الجنود للمساعدة في إزالة الأنقاض، والتي تولي اهتماماً خاصاً بلبنان. وقد عاد الرئيس #إيمانويل_ماكرون في أوائل شهر أيلول سبتمبر الجاري في زيارته الثانية لبيروت في غضون ثلاثة أسابيع، حيث حاول إجبار الأحزاب السياسية اللبنانية على الموافقة على إصلاحات حقيقية لرفع اقتصاد البلاد، الذي كان يعاني بالفعل من أسوأ أزمة في العالم، حتى قبل انفجار المرفأ.

وقال رئيس “ميديف”، أكبر اتحاد أرباب عمل في فرنسا، إن الشركات الفرنسية مستعدة للعمل إلى جانب اللبنانيين، لكنه لم يذكر أسماء. وبعد أيام، قال رئيس بويغ، إحدى أكبر شركات المقاولات في فرنسا، بحذر إنه «من السابق لأوانه معرفة ما يحدث بالضبط هناك».

ويعتقد الخبراء أن العامل المهم الذي يمكن أن يردع المستثمرين الأجانب، هو الأعمال الداخلية الفاسدة في مرفأ بيروت. وقد أوضحت عدة دول أنها لن تقدم تمويلاً مباشراً للحكومة اللبنانية، التي لا يرونها نزيهة مطلقاً.

«السؤال اليوم هو أي نوع من المرافئ يريد لبنان؟ من شأن وجود ميناء أكثر حداثة وشفافية أن يجني المزيد من الإيرادات الضريبية، لكن هذا من شأنه أن يُقوّض وجود ودور الأحزاب السياسية»، يقول مصدر مشارك في إعادة الإعمار بعد الانفجار في حديث لـ “ذا ناشيونال”.

وكما هو الحال بالنسبة للباحثين الآخرين الذين تمت مقابلتهم، يرى المصدر المذكور بأن المرفأ المتضرر هو «نموذج مصغر للفساد اللبناني الأوسع، فالأحزاب السياسية كلها تتدافع للتأثير في نظام إدارته المبهمة، الذي تم وضعه بعد الحرب الأهلية 1975-1990».

ولم يتغير الكثير منذ ذلك الحين، فأعضاء لجنة إدارة المرفأ “المؤقتة” في مناصبهم منذ 18 عاماً، وهم يعملون تحت إشراف وزارة الأشغال العامة، على الرغم من عدم تمكن هذه الوزارة من الوصول إلى دفاتر حسابات المرفأ. وعلى عكس المؤسسات العامة الأخرى الخاضعة لسيطرة الحكومة، لا يمكن أن يخضع المرفأ للتدقيق الكامل من قبل وزارة المالية.

ويقول مصدر في المرفأ مبرراً بأن رئيس الوزراء #رفيق_الحريري أراد وقت إنشائه أن يكون «بنية مرنة، لا عامة ولا خاصة»، لتسريع إعادة الإعمار بعد الحرب. ومنذ ذلك الحين، أعاقت الخلافات السياسية التغيير في هذا المرفأ.

من جهته، يرى “جوزيف خوري” الذي يعمل في المنطقة الحرة ببيروت لدى الامتياز اللبناني لشركة ECU Worldwide، وهي شركة شحن دولية، إن الوضع الراهن في مرفأ بيروت يناسب الأحزاب السياسية.

ويقول موضحاً: «المشكلة هي أنه إذا كان المرفأ تحت السيطرة المباشرة لوزارة معينة، فإن الحزب السياسي المسؤول عن تلك الوزارة سيسيطر على المرفأ كذلك. لكن هذا المرفأ كان حتى الآن تحت تأثير جميع الأحزاب السياسية، وليس حزباً واحداً فقط، لذلك لا أحد يريد أن تتولى وزارة واحدة إدارته».

«مرفأ بيروت مثل مغارة علي بابا. ليس هناك حزب سياسي واحد يريد تدقيقاً حقيقياً لما يحدث فيه، لأنه يمتلك حالياً فسحة ما لفعل ما يريد»، يضيف “خوري” الذي أكمل لتوها رسالة ماجستير في جامعة القديس يوسف في بيروت حول الموقع الإقليمي الاستراتيجي للمرفأ على مدى العقود الثلاثة الماضية.

لكن مع ذلك، فإن بعض الأحزاب متورطة أكثر من غيرها. ويقول مصدر مطلع على التحقيق في الانفجار إن #حركة_أمل الشيعية له التأثير الأكبر في مرفأ بيروت، حيث يشكل الشيعة 70 في المائة من الموظفين البالغ عددهم 3 آلاف موظف. وحركة أمل حليفة لـ #حزب_الله، أقوى جماعة شيعية في لبنان.

وتظهر أحدث الأرقام الصادرة عن المرفأ أن إيراداته في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020 بلغت 50 مليون دولار، بانخفاض 45٪ عن نفس الفترة من العام الماضي.

ويقول “خوري” محللاً: «أعتقد أن المرفأ أكثر ربحية من ذلك بكثير، لكن عدم وجود تدقيق يعني أنه لا توجد طريقة لمعرفة مقدار الإيراد الحقيقي”.

ويضيف مؤكداً بأن لا فرنسا ولا أية دولة أخرى أو شركة أجنبية سوف يستثمرون في هذا المرفأ بشكل كبير دون إصلاحات إدارية، حيث يقول: «أنا متأكد من أنهم يرغبون في حل لجنة الإدارة المؤقتة هذه. إنها موجودة فقط لمنع الأرقام الحقيقية للمرفأ من أن تكون معروفة للجميع».

ويمكن أن يزداد الاستثمار الفرنسي في المرفأ إذا تولّت فرنسا إدارة محطات الحاويات في بيروت. فعلى الرغم من أن عدة مصادر أشادت بكفاءة شركة (BCTC) Beirut Container Terminal Consortium الأنكليزية – اللبنانية، التي فازت بالعقد في عام 2005، فإنه لا تزال هناك أسئلة حول ربحيتها وهيكلها.

فمع انتهاء عقد BCTC، والذي كانت مدته 15 عاماً، في وقت مبكر من هذا العام، كان من المقرر طرح طلب عروض عام لعقد جديد. وفي ذلك الوقت، كانت أول شركة مهتمة هي المجموعة البحرية الفرنسية CMA CGM بالشراكة مع شركة MSC ومقرها في جنيف، تليها شركة غلفتينر (الإمارات) وهوتشيسون بورتس (هونج كونج) وتشاينا ميرشانتس بورت.

لكن “باسم القيسي” مدير المرفأ، قال إن طلب العروض «تأجّل ومن غير المرجح أن يتم طرحه حتى نهاية العام، لمنح المرفأ وقتاً للوقوف على قدميه». وقال مصدرٌ آخر بالمرفأ بأن طلب العروض تأجّل «لأن مكتب التفتيش المركزي اللبناني رفضه، وأن التغييرات جارية حالياً».

وقد أعلن المحققون بأن BCTC لا تستوفي مواصفات المشاركة في طلب العروض المذكور. وتظهر السجلات الرسمية أن BCTC تم تسجيلها عام 2004 برأس مال قدره 3 ملايين دولار، ويمثلها في لبنان أشخاص تربطهم علاقات وثيقة بالزعماء السياسيين.

وبحسب الموقع الخاص بوزارة العدل على الإنترنت، فإن المساهم الأكبر في BCTC هو Mersey Docks، وهي شركة بريطانية استحوذت عليها شركة Peel في عام 2005، وصفتها صحيفة Financial Times في ذلك الوقت بأنها «واحدة من أكبر الشركات العقارية الخاصة في المملكة المتحدة».

كما تظهر العديد من البيانات الصحفية للشركة المذكورة أن ذراعها الدولي، Portia Management Services، قد حل محل Mersey في إدارة BCTC. ويمتلك جون أوينز، العضو المنتدب لشركة بورتيا، حصة شخصية صغيرة في BCTC.

أما الشريك الرئيسي لـ BCTC، فهي الشركة اللبنانية International Port Management Beirut Holding، المسجلة عام 2008 برأس مال قدره 1.5 مليون دولار.

ولم يرد رئيسها التنفيذي “عمار كنعان” على طلب للتعليق من قبل “ذا ناشيونال” عبر تويتر. وتمتلك كذلك شركة اللوجستيات وإدارة الموانئ الأميركية أصغر حصة في BCTC.

وتظهر السجلات اللبنانية أن محامي شركة BCTC هو وزير الثقافة اللبناني الأسبق “ريمون عراجي” وهو عضو في حزب #تيار_المردة اللبناني المسيحي، وكان قد ترأس وزارة الأشغال العامة منذ عام 2016. ووصفت صحيفة L’Orient-Le Jour المحلية السيد “عراجي” في عام 2017 بأنه صديق طفولة لرئيس تيار المردة #سليمان_فرنجية.

من جهته، أحال “عراجي” أسئلة صحيفة “ذا ناشيونال” إلى زميله “غبرييل معلولي”، الذي قال إن «أرقام الشركة لم تكن علنية». وقد امتنعت “سارة حيدر”، مسؤولة BCTC، عن الإجابة على الأسئلة المرسلة إليها بالبريد الإلكتروني.

وتقول “لالا خليلي”، أستاذة السياسة الدولية في #جامعة_كوين_ماري بلندن، موضحةً: «من الصعب الحديث عن هيكل معظم الشركات المشغلة للمرافئ أو لمحطات الحاويات فيها، حيث يتم إنشاؤها عادة بطريقة تجعلها قليلة الشفافية لأي شخص يفحصها عن كثب».

وحتى قبل كارثة مرفأ بيروت، اهتمت عدة شركات بتشغيل محطة الحاويات فيه لأسباب مختلفة. وتقول البروفيسور “خليلي”: «إن شركة هتشيسون بورتس تريد مراكز شحن أصغر عبر البحر الأبيض المتوسط​​، في حين أن مجموعة CMA CGM الفرنسية لها علاقات قوية مع لبنان، حيث تديرها عائلة من أصول لبنانية وسورية».

وتضيف: «أما الشركات الصينية، فهي مهتمة بمرفأ بيروت بسبب تعقيدات الشحن من حيفا إلى الدول العربية، بسبب التوترات السياسية التاريخية (المقاطعة). وستقوم مجموعة Shanghai International Port Group بتشغيل #ميناء_حيفا لمدة 25 عاماً اعتباراً من عام 2021 ».

ويرى “خوري” بأن المرشح الأقوى هو مجموعة CMA CGM بسبب علاقاتها مع فرنسا ولبنان. وسيقرر اللبنانيون الآن ما إذا كانوا يفضلون أن يساعدهم الفرنسيون أم الصينيون.

من جهته، يقول المصدر المشارك في إعادة بناء المرفأ: «إذا رفض اللبنانيون الإصلاحات الفرنسية المقترحة، فيمكنهم اللجوء إلى الصينيين، الذين سيعيدون بناء المرفأ بثمن بخس وبسرعة، لكن دون رؤية. وسيكون هذا خسارة كبيرة».

ومع ذلك، يشكك المصدر المذكور في أن الصين ستستثمر بشكل كبير في لبنان، حيث يقول: «يحب اللبنانيون تهديد الأوروبيين بالقول إن بإمكانهم التوجه إلى الصينيين، الذين لا يطالبون بالإصلاحات في المقابل. لقد قالوا مراراً وتكراراً إن الصينيين يريدون الاستثمار في قطاع الكهرباء أو في مرفأ طرابلس، لكن الصينيين لم يتحركوا بعد. بالمقارنة مع دول أخرى مثل العراق وسوريا، فإن لبنان ببساطة صغير جدًا بالنسبة للصين».

 

المصدر: (The National)


 


التعليقات