بغداد 22°C
دمشق 22°C
الثلاثاء 20 أكتوبر 2020
ازالة الركام من أمام إحدى كنائس الموصل. المصدر: AFP

الخوف من التطرف ما زال مسيطراً عليهم: مسيحيو الموصل متمسكون بخيار النزوح ويرفضون العودة


الجزيةُ أو الموت أو الرحيل، ثالوثُ فصل به تنظيم #داعش، صيف عام 2014، المسيحيين عن جذورهم الممتدة في عمق أرض مدينة #الموصل العراقية. وما زال هاجس التنظيم مسيطراً على نازحي المدينة من المسيحين، ويمنع غالبيتهم من العودة، حتى بعد مرور ما يقرب ثلاث سنوات على انتهاء حرب التحرير، وطرد داعش من المنطقة.

أربعون عائلةً مسيحية فقط اقتنعت بالعودة، بعد انتهاء المعارك منتصف 2017، وفرض سيطرة القوات العراقية على المدينة. أفراد هذه العوائل كانوا قد نزحوا صوب #إقليم_كردستان العراق، أو سلكوا طرق الهجرة إلى خارج البلاد.

هذا الحضور الضئيل للمسيحيين في المدينة لم يتح سوى لكنيسة واحدة فقط، هي “البشارة للسريان الكاثوليك”، العودة لمزاولة نشاطها الديني، مقابل ست وعشرين كنيسة أخرى، وأربعة أديرة، وست مدارس دينية، مدمرة أو مغلقة الأبواب.

 

حكومة ضعيفة

القس “رائد عمانوئيل عادل كلو”، مسؤول كنائس السريان الكاثوليك في الموصل، يعزو إحجام  المسيحيين عن العودة، لـ«العامل النفسي».

وقال، في حديثه لموقع «الحل نت»، إن «الاضطهاد، الذي مارستهُ الجماعات المسلحة المتشددة ضدهم، بدأ من ربيع عام 2003، أي بعد سقوط النظام العراقي السابق، فقد كان المسلحون المتطرفون يدخلون منازلهم، ويقتلون الرجال أمام أنظار أفراد عائلاتهم، ويختطفون آخرين، ولا يطلقون سراحهم إلا مقابل مبالغ مالية كبيرة».

ويضيف:«هذا أدى إلى تقلص أعداد المسيحيين في المدينة بالتدريج، من نحو خمسين ألف نسمة إلى حوالي خمسة آلاف، عندما سيطر داعش على الموصل في حزيران/يونيو 2014، وقسم كبير من مسيحيي المدينة هاجر إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية».

ووصف القس “كلو” الحكومة المركزية في #بغداد والحكومة المحلية بـ«الضعف»، ودعاهما إلى «توفير الأمن، لكي يشجعا المواطنين النازحين عموماً، وليس المسيحيين فقط، للعودة مجدداً».

“سامر الياس سعيد”، باحث مسيحي، أشار في حديثه لـ«الحل نت» لجملة من الأسباب التي تعرقل عودة المسيحيين، منها «افتقار مدينة الموصل للخدمات الأساسية، والتوقف شبه التام للحركة الاقتصادية».

ويعتقد بأن السبب الرئيسي يكمن في «غياب ثقة المسيحيين بجيرانهم، إذ أن كثيرين منهم تداولوا، عقب نزوحهم، قصصاً عن سلب ممتلكاتهم وإفراغ بيوتهم مما فيها، من قبل أشخاص يقطنون في ذات الحي أو المنطقة. فضلاً عن خشيتهم من عودة الأوضاع الأمنية إلى ما كانت عليه إبان وجود داعش، فيدفعون ثمناً باهظاً لعودتهم»، حسب تعبيره.

ويضيف: «لذا فهم يفضلون المناطق التي نزحوا أو هاجروا إليها على مدينتهم، التي كانوا يشكلون غالبية سكانها قبل عقود».

وكان العميد “ليث خليل الحمداني”، قائد شرطة محافظة #نينوى، قد أكد ما يدعم جانباً من هذا الزعم، بإعلانه في أيلول/سبتمبر المنصرم، «القبض على شخص في منطقة “باب الجديد” بالموصل، أخفى في منزله ثلاثة وثلاثين كتاباً أثرياً، تعود للديانة المسيحية، كان قد سرقها من كنيسة قريبة من منزلهِ».

الباحث “سعيد”، الذي كان يعمل مدرّساً جوالاً بين مدارس المسيحيين الست بالموصل، يؤكد أن تنظيم “داعش” «استولى على منزلهِ الكائن بالقرب من جامعة الموصل، بعد أيام من نزوحه مع عائلته صوب إقليم كردستان. وتم تحويله، في الثاني والعشرين من تموز/يوليو2014، إلى محكمة شرعية».

وما أن تمكنت القوات العراقية من طرد التنظيم من الموصل، «احتل المنزل عناصر من ميليشيا تتبع محافظاً سابقاً لنينوى»، ولم يتسلمه “سعيد”، الذي أرجعه الحنين للمدينة بعد تحريرها، إلا «مدمراً بعد أشهر».

 

 الميليشيات هي السبب

“حسام عبد الأحد”، من مسيحيي الموصل، جرّب العودة إلى المدينة مطلع عام 2018،  ومزاولة مهنته القديمة (ميكانيكي سيارات)، إلا أنه غادرها بعد ثلاثة أسابيع إلى مدينة #أربيل، التي أتى منها، بسبب مليشيات #الحشد_الشعبي، أو ما قال إنها «ميليشيات حلّت محل داعش، وتتحكم بكل شيء».

ويضيف، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن«الناس في الموصل يخافون عناصر هذه الميليشيات، الذين يستطيعون اعتقال أي شخص. كما أن لديهم مكاتب اقتصادية، تستولي على المشاريع الحكومية وعقارات الدولة، والمواطنون ليسوا بمأمن منهم».

الخلفية الطائفية لهذه الميليشيات، واللافتات والشعارات التي ترفعها على مركباتها ومقارها، تذكّر “عبد الأحد”، ومسيحيين آخرين غيره، بحقبة داعش ، وهم «لا يأمنون على أنفسهم وعائلاتهم  منها»، حسب تعبيره.

يتفق هذا مع مخاوف “لمياء أكرم”، المسيحية التي نزحت عن الموصل عام 2013، وتدير ورشة خياطة في أربيل، إذ أنها زارت المدينة ليوم واحد فقط، وكان ذلك من أجل مراجعة دائرة الأحوال المدنية. «شاهدتُ مسلحين في نقاط تفتيش غير تابعة للجيش أو الشرطة العراقية، لقد كنتً مرعوبة وأعدّ الدقائق من أجل إنجاز المعاملة والخروج من المدينة»، حسب قولها.

وتضيف في حديثها لموقع «الحل نت»: «لا أفكر أنا أو أي من أفراد أسرتي بالعودة، فمدينتنا الموصل لم تعد صالحة للعيش».

تشير مصادر مسيحية إلى أن أعداد المسيحيين في العراق تقلّصت من نصف مليون شخص قبل 2003، إلى ثلاثمئة ألف، بسبب التدهور الأمني ونشاط الفصائل المسلحة العقائدية، ومن ثم سيطرة تنظيم داعش، في حزيران/يونيو 2014، على أربع محافظات، هي نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالي.

ويتركز الوجود المسيحي في العراق حاليا في بلدات “قره قوش” و”كرمليس” و”برطلة” و”تلكيف” و”القوش” في نينوى، و ”عينكاوه” في أربيل بأقليم كردستان. وعدد كبير منهم في طريقه أو يخطط لمغادرة البلاد.

“سعد الله”، اسم مستعار لمواطن مسيجي من الموصل، لا يأبهُ لما يشاع عن وجود مخاطر في المدينة، التي كان من أوائل المسيحيين الذين عادوا إليها. يحمل كاميرته كل صباح ليجوب الشوارع والأزقة، مواصلاً مهنة التصوير التي مارسها لما يزيد عن أربعين سنة.

يوجه عدستهُ نحو نوارس أغراها بفتات الخبز على ضفة نهر دجلة، «الشيء الوحيد الذي أخشاهُ هو ابتعادي عن مدينتي مرة أخرى، سأواصل حياتي وأموت فيها»، حسبما قال لـ«الحل نت».


التعليقات