بغداد 23°C
دمشق 16°C
الأربعاء 21 أكتوبر 2020

معركة القريا: التنافس الروسي الإيراني يُصعّد التوتر في الجنوب السوري، و”رجال الكرامة” يتدخلون في الصراع


ستة عشر قتيلاً على الأقل، وثلاثة وستون جريحاً، سقطوا خلال المواجهات الدامية، التي جرت في التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي، بين مسلحين من محافظة #السويداء، و”اللواء الثامن” التابع للفيلق الخامس، المدعوم من #روسيا، على الحدود الإدارية بين محافظتي #درعا والسويداء. والسبب المعلن للاشتباكات كان الخلاف على أراضٍ زراعية، ما ينذر باشتعال حرب طائفية في الجنوب السوري.

وتعود بداية الخلاف إلى الخامس والعشرين من آذار/مارس الماضي، عندما اختطف مسلحون مجهولون مواطنين اثنين، ينحدران من ريف درعا، وتبين لاحقاً أن زعيم عصابة مسلحة، من بلدة #القريا، يقف وراء عملية الخطف. وتطورت الأحداث في اليوم التالي، مع تسلل ثلاثة مسلحين إلى القريا من مدينة #بصرى الشام، التي تحدّ البلدة من الجهة الغربية، وأطلاقهم النار على سيارة تقلّ ثلاثة مدنيين، ما أدى لمقتل المواطن “هشام شقير”، وإصابة آخرين بجروح. تبع ذلك انتشار كثيف لفصائل السويداء المسلحة، وصولاً إلى أطراف “بصرى”، حيث وقع بعض عناصرها بكمين محكم نصبه مقاتلو #الفيلق_الخامس، الذي يتزعمه “أحمد العودة”، ما أدى لمقتل سبعة أشخاص، وإصابة ستة أخرين بجروح، وأسر عدة مقاتلين، تمت تصفيتهم لاحقاً والتمثيل بجثثهم.

 

الجذر التاريخي للخلاف

يمكن إعادة جذر الخلاف بين بصرى والقريا إلى تاريخ أبعد من أحداث آذار/مارس الماضي، فقبل أكثر من سبعين عاماً قام شخص من بصرى بقتل أحد أبناء بلدة القريا من آل “شقير”، فكان الحل لوأد الفتنة تنازل اهل القاتل عن ثمانية وعشرين دونماً من الأرض لأهل القتيل، بناء على اقتراح “سلطان باشا الأطرش”، القائد العام للثورة السورية عام 1925، ووجهاء عشائر من درعا. لكن الذي حدث لاحقاً، بحسب الناشط “سامي العك” (اسم مستعار)، أن «ورثة القاتل، من أبناء مدينة بصرى، طالبوا بالأرض بشكل مفاجئ، وكان واضحاً خلال سنوات #الحرب_السورية أنهم يريدون استعادتها بأية وسيلة. وبعد سيطرة “العودة” على المنطقة بدعم روسي، عادت هذه القطعة الصغيرة من الأرض لتصبح مصدراً رئيسياً للفتنة، وسبباً مباشراً لاعتداء عناصر من مقاتلي الفيلق الخامس على المزارعين من أبناء القريا»، حسب تعبيره.

وأكد “العك”، في حديثه لموقع «الحل نت»، أنه «بعد أحداث الخامس والعشرين من آذار/مارس الدامية تدخلت #إيران وحزب الله اللبناني في الخلاف، فسلحا فصيل #الدفاع_الوطني، الموالي للحكومة السورية، بأسلحة حديثة. ومع ازدياد الخوف من تصاعد الفتنة، واندلاع حرب طائفية في الجنوب، قام بعض الناشطين المحليين، من حقوقيين ومهتمين بالشأن العام، بإعداد مذكرة مفصّلة، ووثائق خاصة بالقضية، ورفعها إلى #الأمم_المتحدة ووزارة الخارجية الألمانية، للضغط على الجانبين الروسي والأمريكي، ودفعهما للتدخل لنزع فتيل الخلاف، خاصة عندما أدركوا أن روسيا تماطل في الضغط على “العودة” للخروج من الأراضي التي احتلها، على مساحة أربعة كيلو متر من بلدة القريا».

وكان موقع «الحل نت» قد التقى أحد القياديين في مليشيا الدفاع الوطني، في الحادي عشر من آب/أغسطس الماضي، الذي أكد «تعاون #حزب_الله مع مليشيا “الدفاع”، استعداداً للمعركة القادمة مع الفيلق الخامس». وفي الفترة نفسها قام الفيلق الخامس بتخريج دفعة كبيرة من المقاتلين، وسط تهديدات علنية لأهالي السويداء، ما يعزز اتهام الناشطين لكل من روسيا وإيران بـ«إشعال جنوب سوريا، الذي يتصارعان عليه منذ العام 2016».

 

المعركة ودور “رجال الكرامة”

فجر التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر الماضي، تسلل عدد من أبناء بلدة القريا، يدعمهم عناصر من الدفاع الوطني، نحو الأرض المتنازع عليها في البلدة، وفتحوا النيران نحو حراس السواتر التابعين للواء الثامن في الفيلق الخامس، وطردوهم من الأرض، وتمركزوا فيها، بعد أن طلبوا (الفزعة) من حركة #رجال_الكرامة (أكبر فصائل السويداء المسلحة)، وبحسب “أبي تيمور”، من الجناح الإعلامي للحركة، فإن تدخل مقاتلي “رجال الكرامة” في المعركة جاء «مساندةً لأهالي القريا، للدفاع عن حقهم واستعادة الأراضي المحتلة، وليس بهدف الاعتداء على أحد، أو إشعال الفتنة مع أهل درعا».

ورد مسلحو الفيلق الخامس بقصف مناطق في القريا، وقرى “برد” و”المجيمر”، بالصورايخ الحرارية وقذائف الهاون، فسقط عدد من القتلى والجرحى. وأكدت مصادر متقاطعة «انسحاب عناصر الدفاع الوطني من المنطقة، بأسلحتهم وعتادهم الثقيل».

وبرز دور الشيخ “موفق طريف”، شيخ عقل الطائفة الدرزية في الأراضي الفلسطينية، في الأحداث، بعد تواصله مع وزارة الخارجية الروسية لوقف الأعمال القتالية بشكل فوري. يُذكر أن عدداً من المتابعين للشأن العام بالجنوب السوري يؤكدون ارتباط حركة “رجال الكرامة” بالشيخ “طريف”.

 

حرب التصريحات

«تابع الناشطون المدنيون عملهم بعد أيلول/سبتمبر الماضي، ورفعوا رسالة عاجلة إلى مكتب “ميخائيل بوغدانوف”، مسؤول الكرملن عن الشرق الأوسط». حسبما أكد المحامي “حسين بو حسون”، الذي أضاف، في تصريحاته لموقع «الحل نت»، أن «الخوف الأكبر أن تمتد المعارك نحو كامل الريف الغربي للسويداء، خاصة أن سكان المحافظة اشتروا أراضٍ كبيرة على طول الحدود مع محافظة درعا، ومنها ما كان يعتبره أهالي درعا مسلوباً منهم دون وجه حق، ويمكن أن يقوم بعضهم بالمطالبة بأرضه بعد عشرات السنين، كما حدث في “القريا”، فيتحول الموضوع إلى حرب طائفية وعشائرية، لا أحد يعرف أين ستنتهي، طالما تغذيها إيران وروسيا»، حسب قوله.

الاحتقان في السويداء بلغ ذروته عندما قام “أحمد العودة” بإلقاء خطاب دعا فيه أبناء السويداء لـ«نبذ الخلافات»، وحمّل «عصابات السويداء الإجرامية» كامل المسؤولية عن التوتر بين المحافظتين، متهماً إياها «بخطف المواطنين، وتهديد السلم الأهلي»، وكذلك أكد أن إيران «تحاول خلق فتنة بين السهل والجبل».

ورغم تأكيد “العودة” على التزامه «بحق الجيرة مع أهالي الجبل»، إلا أن خطابه لاقى ردود فعل غاضبة في السويداء، ما عزز الموقف المتأزم من جديد، وعرقل كل مبادرات التهدئة، التي دعا إليها مثقفون وناشطون من المحافظتين.

من جهته قام الأمير “لؤي الأطرش” بإلقاء خطاب شدد فيه على «الأخوّة والعيش المشترك بين السهل والجبل»، وهدد بالوقت نفسه “أحمد العودة” بشكل صريح، قائلاً إن «نهايته باتت قريبة، طالما يتطاول على الأرض والجوار»، وأضاف أن «أهالي السويداء لم يقولوا كلمتهم بعد»، حسب تعبيره. فما نهاية حرب التصريحات والتهديدات الصريحة والمبطّنة هذه؟


التعليقات