بغداد 12°C
دمشق 11°C
الخميس 3 ديسمبر 2020

مُهندسةٌ بريطانيّة تروي تفاصيل حياتها في سوريا


«لا أستطيعُ أن أتخيّل أنني سأعود إلى بلادي للاحتفال بأعياد الميلاد، فأنا أشعر بأن العمل الذي أفعله هنا ضروري من أجل الأشخاص الذين قدّموا الكثير من أجل الدفاع عن الإنسانية ضد تنظيم #داعش خلال السنوات السبع الماضية»، تقول “داني إليز” /33/ عاماً من مكان إقامتها في #روج_آفا شمال شرقي سوريا (مناطق تُديرها الإدارة الذاتية).

فقد انتقلت هذه المهندسة الكهربائية من #لندن إلى منطقة الحكم الذاتي، التي يديرها الأكراد، في شهر كانون الأول 2018 للقتال ضد فصائل المعارضة السورية التي هاجمت مناطق الأكراد بدعمٍ تركي، وقد بقيت هناك خلال فترة انتشار فيروس #كورونا.

اليوم، وإلى جانب تهديدات الغارات الجوية والقصف المدفعي ونيران الحرب، فإن فيروس كورونا هو عنصر إضافي يجب على “داني” أن تناضل ضده. فقد أودى هذا الفيروس حتى الآن بحياة 115 شخصاً في (روج آفا)، والتي تعادل بحجمها حجم سلوفاكيا، بالإضافة إلى وجود آلاف الحالات المصابة.

وكان نظام الرعاية الصحية في مناطق الإدارة الذاتية (روجآفا) قد تأثّر بشدة أساساً جراء الحرب، مع وجود عددٍ قليل من المستشفيات التي تعمل بشكلٍ كامل وبإمدادات محدودة جداً.

ويتسبب فيروس كورونا اليوم بفرض ضغوط أكبر على هذه الموارد بشكلٍ تدريجي. وفي الأسبوع الماضي، فُرِض الحظر الجزئي لمدة عشرة أيام في محاولة للحد من حالات الإصابة بالفيروس وتخفيف العبء على الكوادر الطبية.

وفي محاولةٍ منها للمساعدة في المجال الطبي، بدأت داني العمل في ورشة عمل في إحدى المستشفيات، حيث تعتبر مسؤولة عن صيانة الأدوات الكهربائية والطبية، لاسيما أجهزة التنفس الاصطناعي. ويمتد عملها عادة ما بين 14 و15 ساعة في اليوم، لكنها تقول أنها لا تمانع بالعمل أكثر لأن «العمل مُرضي للغاية».

وتعقيباً على ردود الأفعال تجاه فيروس كورونا في المكان الذي أطلقت عليه اسم «موطني الثاني»، تقول “داني”: «لسوء الحظ، لا يتّخذ الكثير من الناس ولا حتى العاملين في المجال الصحي إجراءات السلامة الوقائية الخاصة بفيروس كورونا وتهديداته على محمل الجد».

وتتابع متأسفةً: «حتى في القسم الفني للمستشفى الذي أعمل فيه، يجب علي أن أُنبّه زملائي بضرورة ارتداء الكمامات واستخدام معقمات الأيدي والالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي».

وتُضيف: «نتوقع بأن هناك حجر صحي آخر سوف يدخل قريباً حيز التنفيذ، إلا أن القيود المفروضة في المنطقة حتى الآن فضفاضة إلى حد ما. ففي الوقت الحالي، هناك ساعات عمل محدودة فيما يخص فتح المخازن، في حين أن الأسواق قد أغلقت، لكني وجدت في العديد من الحالات عدم الالتزام بهذه القواعد».

وبينما صار ارتداء الكمامات واتخاذ الإجراءات الأخرى أكثر شيوعاً ولو بشكلٍ بطيء، إلا أن الكثير من الأشخاص لا يتخذون الموضوع على محمل الجد.

وبغض النظر عن فيروس كورونا، فإن الشيء الوحيد الذي تسبّب بضغوطات رئيسية على نظام الرعاية الصحية في (روج آفا)، كان الاستيلاء على #محطة_علوك في منطقة #رأس_العين والتي كانت تضخّ المياه إلى كامل منطقة الحسكة وريفها،   ونهبها من قبل المرتزقة الإسلاميين المدعومين من #تركيا قبل نحو عام.

وترى “داني”، أن الاستهداف اليوم «موجّه ضد البنى التحتية الكهربائية، مع قطع المحطات الفرعية وخطوط التوزيع».

وتقول: «منطقة سري كانييه (رأس العين)، والتي كانت معظم مياهنا تأتي منها في فترة ما قبل الحرب، محتلة اليوم من قبل قوات الجيش التركي ومرتزقته، والتي طالبت بكميات غير واقعية من الكهرباء وبشكل متزايد بالإضافة إلى الدفع من أجل تزويد منطقتنا بالمياه، كنا محرومين من ضخ المياه العامة لنحو ستة أشهر، بما في ذلك أسبوع من شهر آب».

وتؤكد “داني” أن الوصول غير المنتظم لمياه الشرب والكهرباء «يجعل من مهمة رعاية المصابين بفيروس كورونا أكثر صعوبة، لكن ولحسن الحظ، فقد خفف مشروعٌ محلّي لتحويل نهر وإنشاء آبار كبيرة للمياه الجوفية بعضاً من هذه المصاعب».

بالتأكيد تبدو الشوارع المغبرة لمدينة الحسكة، والتي تسطع عليها أشعة الشمس الحارقة، بعيدة كل البعد عن مسقط رأس “داني” في لندن، إلا أن هذه الظروف القاسية لا تزعجها.

كما أنها تشعر بالراحة بمجرد التفكير بحقيقة أنها تناضل في سبيل قضية تؤمن بها، وهي التي انتقلت إلى روج آفا بعد أن سمعت عن مقتل “آنا كامبل” /26/ عاماً، على يد قوات الجيش التركي خلال هجومها على مدينة عفرين ربيع 2018.

فكما تفعل “داني الآن”، كانت “آنا” متطوعة بريطانية تقاتل الأتراك وتنظيم داعش في روج آفا إلى جانب الأكراد.

تقول: «لم أكن أعرفها، لكن كانت لدي صديقة مشتركة مع “آنا” وسمعت قصتها منها، وهؤلاء الذين عرفوها هنا كانوا أكثر من ألهمني عنها. لقد جعلتني أدرك أنه لم يكن هناك فقط رجال عسكريين سابقين يأتون للقتال، ولكن كذلك شابات من جميع أنحاء العالم أتين للمساهمة في جميع جوانب المجتمع».

وتتابع “داني” قائلةً: «لقد قرأت قدر استطاعتي عن روج آفا، التي تتمتع بالحكم الذاتي منذ 2012، بعد أن أقامت مجموعة من الأكراد نظاماً علمانياً شاملاً عرقياً وديمقراطياً من القاعدة إلى القمة. وعلى عكس باقي أنحاء سوريا، تحتل النساء صدارة الأشياء في روج آفا، مع حقوق متساوية في مكان العمل وحظر الاغتصاب».

وتُضيف: «تعرّفت على هذه الديمقراطية المتنوعة والمتعددة الأعراق التي بُنيت هنا من رماد احتلال تنظيم داعش الوحشي، وشعرت أنها نموذج لمجتمع مستقبلي تناول العديد من القضايا التي تؤثر على جميع البلدان اليوم، مثل تغير المناخ والإثراء الفاحش وعدم المساواة والعنصرية والتمييز على أساس الجنس. فأدركت بسرعة أنه شيء أريد المساهمة فيه شخصياً. وقد جئت إلى هنا للانضمام إلى ثورة النساء كجزء من مجموعة بيئية».

وفي تشرين الأول 2019، أي بعد عام تقريباً من وصول “داني” إلى روج آفا، اجتاح غزوٌ تركي آخر بشدة المنطقة، فتحول اهتمام “داني” بسرعة إلى المساعدة بأي طريقة ممكنة في المهام، بما في ذلك انتشال الجثث من تحت الأنقاض وتوزيع المساعدات.

وبصفتها مصورة ومخرجة أفلام، قدمت “داني” أيضاً لقطات لمحطات التلفزيون التي لم تتمكن من إيصال المراسلين إلى مناطق الاحتلال التركي الجديدة بسبب المخاطر. وقد نزح نحو 200 ألف سوري من شمال شرقي سوريا بسبب الغزو التركي الجديد للمنطقة، وكان معظم اللاجئين من النساء والأطفال.

وعلى الرغم من الظروف الصعبة للغاية التي تواجهها المنطقة، فقد صُدمت داني «بحس الجوار والتكاتف المجتمعي» الذي شهدته ولا تزال تشهده باستمرار.

حيث تقول: «يكاد يكون من المستحيل التجول في مدن في شمال شرقي سوريا دون أن تدعوك عائلة واحدة على الأقل لتناول الشاي أو على الأقل الدردشة والحصول على صورة جماعية، لقد كان الأشخاص الذين قابلتهم أثناء الحظر متحدين ومعنوياتهم عالية».

وتعيش هذه الشابة اللندنية حالياً في منزلٍ مشترك مع نساءٍ أخريات يعملن في نظام الرعاية الصحية.

وعندما سُئِلت “داني” عن شعور عائلتها حيال التواجد في منطقة حرب، أجابت: «عائلتي قلقة بشكل كبير بشأن سلامتي، لكنني في الوقت نفسه أشعر بالفخر لأنني أفعل شيئاً أؤمن به بشدة، وأستطيع أن أقدم خدمة ما لشعب اضطهد لقرون».

وقبل أن تنام، في انتظار يوم آخر من العمل مدته 15 ساعة مع خطر الضربات الجوية وإطلاق النار وفيروس كورونا، تنتهي “داني” بفكرة عن البلد الذي صارت تحبه.

فتقول: «أعتقد في كثير من الأحيان أن الناس ينظرون إلى سوريا على أنها مجرد دولة فاشلة، أو مستنقع، لكن شمال شرقي سوريا هو منارة لا تصدق للسلام والازدهار وسط حرب أهلية مستمرة منذ ما يقرب من عقد من الزمان».

«على الرغم من الدمار الكبير الذي خلّفه تنظيم داعش وراءه والاحتلال الوحشي الذي تمارسه تركيا ومرتزقتها من الأعضاء السابقين في جماعات مثل تنظيمي داعش والقاعدة، فقد تمكّن الأكراد والعرب والمسيحيون الآشوريون على حدٍ سواء من بناء مجتمع متماسك ومتعدد الثقافات. ويمثل هذا التفكير بصدق أنموذجاً للنظام السياسي والثقافي الذي يحتاج باقي البشر إلى اعتماده إذا أردنا التعامل مع الصعوبات الهائلة التي نواجهها في هذا القرن»، تضيف “داني”.

وتختتم حديثها بالقول: «إذا كان عليّ تلخيص روجافا بالطريقة التي يفعلها الناس هنا، فلا بد أن يكون: ژن، ژيان، آزادي. وتعني (المرأة، الحياة، الحرية باللغة الكردية). فهي أهم ثلاث ركائز لهذه الثورة».

 

المصدر: (The Telegraph)


 


التعليقات