بغداد 12°C
دمشق 11°C
الخميس 3 ديسمبر 2020

عناد ترامب في مواجهة اللامركزية الأميركية.. من المُنتصِر؟


يمكن لانتخابات الرئاسة الأميركية  والتي تجري كل أربعة أعوام، أن تكون فرصة لمن نشأ في بلدان عالم ثالثية لفكّ السحر عن أميركا والنظر إليها بعيداً عن الرؤية التي تقول إن ظاهر أميركا غير باطنها،  فغالبية شعوب هذا العالم آنف الذكر؛ تعتقد أن أميركا محكومة من ائتلافاتٍ سرية من ماسونيين ويهود وأجهزة أمن تعمل على تقوية الرجل الأبيض الهادف لسرقة أموال دول العالم الثالث وإذلال شعوبها.

لكن الانتخابات الأخيرة كانت استثنائية، الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأتباعه، هم من يؤمنون اليوم أن أميركا محكومة من جماعاتٍ خفية ولكنها عكس السرد المؤامراتي العربي، فالمتآمرين على ترامب يحاربون الرجل الأبيض وثقافته لدرجة تزويرهم للانتخابات التي ستُبعِد المرشح “الأبيض المسيحي القوي والفخور” عن البيت الأبيض.

قد لا يوافق ٧١ مليون ناخب/ة المصوتين لترامب على سرده المؤامراتي الذي يتهم فيه قوة غيبية بإغراق صناديق الاقتراع، فهم صوّتوا له كمرشح الحزب الجمهوري وليس كأتباع مطيعين له، لكن اليوم يوجد في أميركا نسبة كبيرة من البيض المسيحيين المؤمنين بوجود مؤامرة يهودية ليبرالية أفروأميركية تهدف لتجريد أميركا من ثقافتها المسيحية، وإرثها الإنجلوسكسوني، وتجريد البيض من ثروتهم عبر جباية ضرائب تُصرف عوائدها على المجتمعات التي لا تعمل.

وللمفارقة، فإن الشريحة الأكبر من مؤيدي ترامب المطيعين هي من الفقراء البيض قليلي التعليم، ولعل الجانب الأخطر في هذه الشريحة هي حبها للسلاح وتفاخرها باقتنائه واستخدامه ضد الحكومة المركزية إن لزم الأمر، وتصريحات بومبيو الأخيرة التي قال فيها إن فريق الخارجية يستعد لنقل السلطة لفريق ترامب الجديد، هو رسالة تلقّتها هذه المجموعات التي قد تحاول استخدام العنف لإبقاء ترامب في الرئاسة.

هذه المؤشّرات وإصرار ترامب على مواقفه، رغم عدم وجود أية إثباتات حقيقية على صحة ادعاءاته، دفعت محللين كُثر للتنبؤ بإمكانية حصول حرب أهلية في أميركا، فهل سيحصل ذلك؟>

رغم خطورة المرحلة ووجود استقطاب قوي، لكن اللامركزية الأميركية الشديدة والمؤسسات المتداخلة ستمنع بكل تأكيد قيام أيَّ حراكات خطيرة  حتى وإن كان ترامب يريد ذلك في الفترة التي لازال فيها رئيساً والتي ستنتهي في شهر كانون الثاني.

الاتحاد الأميركي المؤلّف من ولايات لها حاكمها ومجلسها التشريعي وشرطتها وجيشها، تتألف بدورها من محافظات لها حكوماتها المحلية وشرطتها، وهذه المحافظات تتألف من مدن مستقلة لها حكومتها وشرطتها ومدن تتبع لحكومة المحافظة.

فهذه اللامركزية وتعدد السلطات المحلية والفيدرالية ومراقبتها لبعضها البعض، ستمنع وقوع  أحداث شغب متوقّعة للإخلال بالعملية الديمقراطية الأميركية وستُحوّل ترامب لشخص مخالف للقانون يعتدي على ملكية عامة وهي البيت الأبيض.

أميركا ليست تركيا أو باكستان، أو دولة تحكمها عائلة، هي بلد مبني على تبادل السلطة ويتمتع بإرث طويل من الديمقراطية واللامركزية التي ستحمي البيت الأبيض من أيِّ معتدي عليه.

للأسف، اليوم يبدو رئيس هذا البلد مثل أيّ ديكتاتور في العالم الثالثي يتفنن في إظهار المؤامرات، لكن كل هذه الجعجعة لن تطحن ولن تُبقي رئيساً خسر الانتخابات في مكانٍ ليس له.


 


التعليقات