بغداد 14°C
دمشق 11°C
السبت 5 ديسمبر 2020
مدنيون يغادرون مدينة عفرين السورية في 14 آذار 2018 هرباً من العملية العسكرية التركية- PA Images

اعتداءاتٌ وتهجير واستيلاءٌ على الممتلكات.. كيف صارت “عفرين” جحيماً  للأكراد في سوريا؟


حوّلت الميليشيات المدعومة من تركيا الحياة في مدينة #عفرين السورية وريفها إلى خوفٍ دائم من التعذيب والخطف والموت.

«هددني بقتل ابنتي واغتصابي والتقاط الصور وتوزيعها على الجميع. ومن ثم أجبرني على مشاهدة التعذيب الوحشي للنساء الأخريات. لقد كان المشهد سيئاً للغاية لدرجة أنني مرضت بمجرد النظر إلى تلك النسوة»، تقول امرأة لم تذكر اسمها في مقطع فيديو تشرح بالتفصيل أسرها في عفرين، شمالي سوريا.

كانت عفرين ذات يوم، منطقة ذات أغلبيةٍ كردية، حيث تتمتع المرأة بحقوق أكثر من أي مكان آخر في سوريا، فقد حُظِر زواج القاصرات، وبات العنف المنزلي؛ جريمةً في هذه المدينة، قبل أن تحتلها تركيا ومرتزقتها. لقد كانت المدينة آمنة خلال معظم الحرب السورية وكانت ملاذاً يرحب بالجميع.

وتقول “شلير سيدو” 31 عاماً وهي من سكان عفرين سابقاً ومتطوعة مع الهلال الأحمر الكردي: «كان لدينا جوٌ حُر وديمقراطي، كان هناك مستوى منخفض للغاية من الجريمة. وكان من الرائع أن يتمتع مكان ما في سوريا بهذا النوع من الأمان. الجو هناك كان مثالياً وسلمياً للغاية».

لكن سرعان ما تغير كل شيء. فمنذ عام 2018، صارت عفرين تحت سيطرة الميليشيات المدعومة من تركيا والتي سيطرت على المدينة، بعد عملية استمرت شهرين لطرد القوات الكردية.

وبالنسبة للعديد من المدنيين في المدينة، بات الأمر يشبه العيش تحت الحصار. وفي آذار 2018، فرّت “شلير” وعائلتها من منزلهم، «لم تعد المدينة قادرة على الصمود تحت سيطرة الفصائل»، تقول الشابة الكردية.

مناخٌ من الخوف 

كشفت لجنةٌ تابعة للأمم المتحدة مؤخّراً عن أدلة كثيرة على أن «وضع المرأة الكردية محفوف بالمخاطر».

فقد وجدت لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن سوريا أدلة كثيرة على عمليات اغتصاب يومية وعنف جنسي وتحرش وتعذيب في النصف الأول من عام 2020. وتستشهد بأمثلةٍ مقلقة على الانتهاكات واستهداف المدنيين المختطفين في عفرين.

ويوثق تقرير اللجنة المذكورة اغتصاب 30 امرأة على الأقل في بلدة #تل_أبيض في شهر شباط وحده. «الفصائل ترتكب يومياً مئات وآلاف الانتهاكات، أقاربي هناك ويشهدون ذلك يومياً»، تقول “شلير” بنبرةٍ قلقة.

كما أظهر مقطع فيديو، نُشِر في وقتٍ سابق من هذا العام، نساء يتم اقتيادهن إلى زنزانة سرية ومزدحمة وغير قانونية. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن النسوة كن عراة عند العثور عليهن.

وتعكس هذه الفظائع ما حدث للسكان الأكراد على يد تنظيم #داعش، قبل بضع سنوات فقط في أجزاء من العراق وسوريا.

لكن هاتيك النسوة، لا يتعرضن للتعذيب على يد تنظيم إسلامي متشدد هذه المرة. إنهن تحت سيطرة الميليشيات المدعومة من تركيا، الدولة العضو في #حلف_الناتو وحليف الولايات المتحدة الأميركية.

وتقول “ميغان بوديت” مؤسسة (مشروع نساء عفرين المفقودات)، موضحةً: «هناك الآن مناخ سائد من الخوف من التعذيب، لدرجة أن النساء غير قادرات على مغادرة منازلهن، لأنهن لا يردن استهدافهن من قبل جماعة مسلحة».

وأطلقت “ميغان” الموقع في عام 2018 لتتبع حالات اختفاء النساء في المنطقة، كونه مصدر قلق كبير إلى جانب التعذيب.

فقد اختُطِفت 173 امرأة وفتاة منذ شهر كانون الثاني 2018. وأفادت التقارير أنه أُفرِج عن 64 منهن فقط، بينما لا يزال مصير 109 أخريات مجهولاً.

وتتحدث “ميغان” عن «حملة إرهابية كاملة ضد السكان الأكراد»، في الوقت الذي يتحدث فيه باحثون محليون آخرون في مجال حقوق الإنسان عن أكثر من 1500 حالة اختطاف. حيث توثّق “ميغان” فقط النساء اللاتي حصلت على كافة تفاصيل هوياتهن.

قريبون من البيت.. ولكن!

فرّ العديد من الأكراد من عفرين عام 2018، بمن فيهم “حسن حسن” 50 عاماً والذي وصف هروبهم قائلاً: «هربنا فقط ببعض الطعام والملابس على ظهورنا، تاركين وراءنا منزلنا، وألبومات الصور، والكتب، ولعب الأطفال، والأثاث، والأجهزة الكهربائية».

هربت عائلة “حسن” إلى قرية مجاورة وعاشت في كهف لمدة 45 يوماً. «كان هناك قصف يومي بطائرات F-16 وطائرات بدون طيار، التي تجوب السماء. لقد نجونا من الحصار بنعمة الله»، يقول “حسن” الذي يعيش الآن في #مخيم_شهبا الكئيب بالقرب من حلب مع نازحين آخرين، بمن فيهم “شلير” وأطفالها الثلاثة.

ترك “حسن” و”شلير” ورائهم نحو 200 ألف من سكان عفرين. أولئك الذين بقوا معرضون للتعذيب والاختطاف. وقد اختفى جميع أبناء عمومة “حسن” وأصدقائه وجيرانه. لكن حياتهم الجديدة لا تخلُ من المعاناة، حيث تقول شلير: «بالأمس لم نتمكن من النوم بسبب أصوات القصف العالية».

كما أن المنطقة التي يقع فيها المخيم كانت تحت سيطرة تنظيم داعش ذات يوم، حيث زرع جهاديو التنظيم مئات الألغام الأرضية. وشهدت “شلير” خسائر في الأرواح، وهي تمشي أمام الجثث يومياً. وتشرح قائلةً: «نتحمل هذا النوع من الحياة، لأننا نشعر بأننا قريبين جغرافياً من البيت».

منطقةٌ غير آمنة 

قبل عام من هذا الشهر، اجتاحت القوات التركية ومرتزقتها، المنطقة الكردية في سوريا، بداعي «القضاء على جميع عناصر حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب (YPG)».

ووصف الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” هذه المنطقة بأنها «منطقة آمنة» يبلغ عرضها 300 ميل على طول الحدود.

وتقول منظمة (هيومن رايتس ووتش) أن الواقع في “المنطقة الآمنة” هو أحد أشكال الرعب اليومي المترافق مع عمليات النهب والإعدام وإطلاق النار والتهجير القسري.

من جانبها تقول “سارة ليا ويتسن” مديرة قسم الشرق الأوسط في (هيومن رايتس ووتش): «توجد أدلة دامغة تُبرهن لماذا لن تكون المنطقة الآمنة المقترحة من قبل تركيا آمنة حقاً».

وتستشهد “ميغان” بأن انسحاب ترامب كان سبباً للعديد من التداعيات السياسية المحلية في الولايات المتحدة، ما جعل وسال الإعلام الغربية تقف وتنتبه إلى جرائم القتل بشكل أكبر بفضل راوية سياسية أمريكية جديدة إلى حدٍّ ما.

وكمثال على ذلك مقتل “هفرين خلف” وهي مهندسة مدنية وسياسية كردية سورية، التي تعرضت على يد “الثوار” المدعومين منن تركيا، للتعذيب والإعدام خلال عملية “نبع السلام” والاجتياح التركي لشمال شرق سوريا عام 2019.

التوسّع التركي 

“ميغان” قلقة جداً بشأن «السياسة التوسعية القومية في تركيا»، والتي تقول بأنها «تمتد إلى سوريا  وتشكل خطراً كبيراً على الأقليات العرقية والدينية، وطالما أنهم يسيطرون على أراضي في سوريا، فهناك احتمال  قائم بأنهم سوف يحاولون غزو واحتلال المزيد من الأراضي».

وكشف تقرير صادر عن مركز (روج آفا) للمعلومات، بأن ما يزيد عن أربعين عضواً سابقاً من أعضاء تنظيم داعش يتمتعون بالحماية والتمويل التركيين، التي آوتهم في المناطق التي تحتلها في سوريا، وأنهم يعملون في عفرين.

وتقول “شلير” وهي مدرسة سابقة، إن «مدرستها التي كانت تأوي ما يزيد عن مائتي تلميذ، باتت اليوم مركزاً للاستخبارات التركية وأن صورة أردوغان مرفوعة وسط مدينة عفرين».

هذا يحدث لنا جميعاً 

إن مجرد ذكر تنظيم داعش، أمرٌ مثيرٌ للقلق خاصةً بالنسبة للنسوة الإيزيديات، الأقلية الدينية التي عانت من الإبادة الجماعية على يد هذا التنظيم المسلح.

وتقول “إيمي أوستن هولمز” وهي باحثة زائرة في مبادرة الشرق الأوسط في جامعة (هارفارد) وزميلة في مركز (ويلسون): «إن ما يقدر بنحو 90% من السكان الإيزيديين في مدينة عفرين تم طردهم من منازلهم». فكيف يمكن لهذه الجالية أن تعيش مع الكثير من الاضطهاد الذي تعرضت له على مرّ السنين؟

ويتحدث الدكتور “جان إلهان كيزيلهان” وهو طبيب نفسي كردي ألماني بارز يعمل مع الإيزيديين، عن الصدمة الجماعية التي يواجهها الإيزيديون، يقول: «لقد تأثرت الطائفة الإيزيدية بأكملها بشكل مباشر وغير مباشر بعمليات القتل التي تعرضت لها، لقد صارت جزءاً من هذه الصدمة الجماعية، وقد تتعرض للكوابيس وحالات اضطراب النوم والشعور بالعجز».

ويرى “كيزيلهان” أن هذا ما حصل في عفرين بالضبط. «المسلحون أيضاً يرتكبون جرائم الاغتصاب، إلا أنهم أيضاً يدمرون كرامة المجتمع، إنه هجوم على استيعابك للعالم، لكن السؤال هو كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا؟».

وقد وثّقت لجنة الأمم المتحدة بشكل مفصل أيضاً عمليات النهب والدمار التي تتعرض لها المواقع الدينية والأضرحة والمقابر ذات الأهمية الكبيرة في منطقة عفرين.

قليلٌ جداً ومتأخرٌ كثيراً 

أقرّ تقرير الأمم المتحدة بنتائج “ميغان” وبينما تبين “ميغان” امتنانها لذلك، توضح أيضاً بأنه «بمجرد أن سيطرت تلك المجموعات على المنطقة، بدؤوا بارتكاب الأعمال الوحشية ضد المدنيين. لذا أعتقد أنه قد فات الأوان».

من الصعب جداً على الصحفيين الوصول إلى هذه المنطقة، أما الذين يتحدثون من هناك، فهم يخاطرون بأرواحهم.

«الإعلام ممنوع في المنطقة، لذا عدد الانتهاكات المرتكبة كل يوم غير معروف بالنسبة للناس في عفرين، لقد اتخذ الناس قرار الموت في منازلهم بدلاً من الخروج لأنهم خائفون جداً» تقول “شلير”.

لذلك يجب أن يتم استخدام مثل هذه التقارير كأداة ضغط من قبل الأمم المتحدة لمعاقبة الدول التي ترتكب جرائم.

وحتى الآن، لم تصدر الولايات المتحدة أيّة عقوبات بحق الجماعات المسلحة المدعومة من قبل تركيا، كما أنها تسمح لهم بإجراء التغيير الديموغرافي في المناطق الكردية، في الوقت الذي فَقَدَ فيه الأكراد الكثير من أفراد عائلاتهم خلال قتالهم إلى جانب القوات الأميركية ضد تنظيم داعش.

«لا تهتم تركيا لشأن هذه الانتهاكات إذا ما حدثت، إنهم سعداء بأي شيء يجعل من حياة الأكراد جحيماً. لكنني أعتقد أنهم لا يحبون أن يتحدث الناس عنها عالمياً ويعيرون انتباهاً لذلك»، تؤكد “ميغان”.

 

المصدر: (openDemocracy)


 


التعليقات