بغداد 13°C
دمشق 9°C
الثلاثاء 24 نوفمبر 2020
وليد المعلم

في ذكراها الخمسين: “الحركة التصحيحية” إذ تودّع وزير خارجيتها !


لم يحتفل السوريون كما يجب بالذكرى الخمسين “للحركة التصحيحية المجيدة !” على ما تصفها عبارة يحفظها الصغار والكبار، ذاك أن ذكرى وصول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى السلطة تزامنت هذا العام مع رحيل وزير الخارجية وليد المعلم.

شغل وليد المعلم منصب وزير الخارجية منذ عام 2006، خلفاً لوزير الخارجية السوري الأسبق فاروق الشرع المُغَيَّب منذ عام 2011، وكان المعلم ( المولود في #دمشق عام1941) التحق بوزارة الخارجية مع وصول رفاقه في حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة عام 1963، لكنَّ اسم الرجل لم يصعد إلا بعد تعيينه سفيراً #لسوريا في الولايات المتحدة الأميركية مطلع التسعينات، وهو الذي أشرف على التحضيرات الممهدة لمفاوضات السلام السورية الإسرائيلية، وبعد النتيجة الصفرية لهذه المفاوضات يبدو أن وليد المعلم أُعيد إلى #دمشق في عام 1999 “ليعاون” وزير الخارجية آنذاك فاروق الشرع، ويتسنم منصب معاون وزير الخارجية.

جوهر الدبلوماسية المنتفخة

عند توليه منصبه كوزير عام 2006 كانت المهمّة الأساسية أمام المعلم هي ترميم العلاقات الدبلوماسية العربية والدولية لحكومة #دمشق، التي كانت تعيش فترة من العزلة الدُّولية عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005، وفي هذا السياق أجرى المعلم سلسلة من الزيارات إلى عواصم عربية وعالمية، تزامنت أساساً مع تغيُّر في التعاطي العربي والدولي مع قضية اغتيال الحريري، عقب تغيير القيادات السياسية في كل من الولايات المتحدة (رحل بوش الابن وأتى أوباما) وفرنسا ( رحل جاك شيراك صديق الحريري الشخصي وأتى نيكولا ساركوزي) المعنيتين بشكل أساسي بهذا الملف وبالقرار الدولي 1559 الذي نص على خروج كافة القوى الأجنبية من #لبنان.

غير أن وليد المعلم سيعرفه السوريون بعد عام 2011 بردوده البليدة والبطيئة، والتي يعكس جزء منها تضخم الذات الذي يمكن أن يعيشه مسؤول في بلد صغير كسوريا يعتقد حكّامه أنه مركز السياسات العالمية، مستندين بهذا إلى سرديات فلكلورية سياحية عن أقدم عواصم التاريخ ومهد الحضارة وأرض الزراعة الأولى وغيرها من عبارات الفخر الأجوف.

هكذا صار وليد المعلم صاحب امتياز لمجموعة من عبارات لم يسبقه عليها أحد في الأعراف الدبلوماسية التي لا تخلو من المناكفات، فهو الذي أطلق لقب “المؤامرة الكونية” على المظاهرات الاحتجاجية التي عمّت البلاد عام 2011، متجاوزاً بهذا عبارات “المؤامرة الأمريكية الصهيونية” أو “المؤامرة الخليجية” التي سادت خطاب زملائه في الحكومة السورية.

خلال أحد المؤتمرات الصحفية وفي ردّه على أول العقوبات الأوروبية التي فرضت على حكومة #دمشق بسبب تعاملها العنيف مع الاحتجاجات في البلاد، لم يشعر المعلم بالقلق الذي يجب أن يشعر به رأس الدبلوماسية في البلاد عندما تواجه بلاده مثل هذه الأزمات، بل ردّ ببرود قائلاً: ” سنمسح #أوروبا عن الخريطة.” ثم أكمل أنه سيتوجه شرقاً إلى الهند والصين وبالتأكيد إيران.

عام 2012 وفي ردّه على مشاركة وفد الحكومة السورية في مؤتمر جنيف الأول قال المعلم ببساطة: “سنغرقهم بالتفاصيل.” وغرقت البلاد في الحرب بعدها، أما التفاصيل التي هدّد بها المعلم فيبدو أنها وإن نجحت في إغراق خصومه السياسيين وإشغالهم، لكنها لم تنفع لإنقاذه وإنقاذ الحكومة المأزومة التي يمثلها.

أما الرّدّ الأكثر تضخماً ونرجسية في سلسلة ردود وزير الخارجية السورية الراحل، فكان رده على أحد الصحفيين عندما سأله عن تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو تتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، يومها ردّ المعلم دون أن يرفَّ له جفن :” مين هاد بومبيو؟” في تجاهل تام ليس للأعراف الدبلوماسية، بل حتى للوزن الدولي الذي يفصل بلداً منكوباً بالحرب والفساد والدمار كسوريا ودولة مثل الولايات المتحدة.

ماذا بعد؟

توفي وزير الخارجية، إلا أن قادم الأيام ستحمل من فوضى التحليلات المتبجحة كمية يفيض عن احتمالها قلب المواطن السوري، ذاك أن ” المحللين الاستراتيجيين” ومحتلي الشاشات التلفزيونية وأصحاب الرأي لن يبخلوا على السوري اللاجئ في خيمته أو المقيم في بيت لا طعام فيه من شرح “الصراع” الذي سيأتي بعد وفاة وزير الخارجية، كما لن يبخلوا عن “تفهيمه” دلالات هذا الصراع المزعوم، وسيضيف بعضهم بهارات التشويق عن المحاور والارتباطات الإيرانية والروسية للشخصيات الفاعلة في حكومة دمشق.

أما خلف هذا المشهد الهزلي، وكما أتت حكومة “الحركة التصحيحية” بعبد الحليم خدام وخَلَفَهُ فاروق الشرع ثم أَعقَبَهُ وليد المعلم ولم يتغير شيء يذكر، لن يكون تعيين وزير/موظف يخلف المعلم ذو أثر، اللهم ما عدا تغيّر نبرة الصّوت المثيرة للنعاس والتي امتاز بها أبو طارق وليد المعلم.


التعليقات