بغداد 15°C
دمشق 11°C
الإثنين 30 نوفمبر 2020

مطلّقاتٌ في مواجهة المجتمع.. سوريّات يسردن معاناتهن بعد الطلاق


«تزوجتُ في الثامنة عشر من عمري لأنفصل عن زوجي بعد ثلاث سنوات بسبب عنفه، وعندما قررت الانفصال لم أتوقع أن تكون نتائجه ثقيلة لهذه الدرجة، كان كل همّي أن ينتهي هذا الكابوس، ولم أكن أعلم أن كابوساً آخر بانتظاري و سيرافقني كوسم وهو أنني “مطلقة” في مجتمع يتفنن في مراقبة النساء وحياتهن، وابتكار المزيد من القيود لكل فعل يفعلنه».

تروي “لمى” قصتها مع الطلاق لـ(الحل نت) وتتابع بقولها: «لم أستطع أن أتواصل مع أي أحد من أصدقائي القدامى، فأنا أتوقع ردّ فعلهم على حالتي، لن يعيدوا علاقتهم بي بكل تأكيد، سنتان كاملتان وأنا لم أخرج من منزلي، ورافق ذلك حالة اكتئاب وإحباط وعدم احترام للذات، كنت أحاول الخروج من هذه الحالة ومعالجة نفسي بنفسي، لكنَّ الأقارب كانوا قد تكفَّلوا بتعطيل ذلك في كل مناسبة، كانوا يقولونها لي بكلِّ بساطة، أنتِ الآن مطلقة ويمكنك فعل أي شيء دون أن يعرف أحد، عليك ألا تخرجي كثيراً فالمنزل هو المكان الأنسب لمن في وضعك، ستكونين فريسة سهلة للرجال، وكلام مثل هذا يقلّل من شأني ويشعرني بأني ناقصة طوال الوقت».

“لمى” تبلغ الآن 27 عاماً، مرت سنوات على انفصالها من زوجها، لكن هذه المدة الطويلة من الزمن لم تستطع محو الحقيقة من ذاكرة من حولها، فهي مطلقة، ولهذه الكلمة في “المجتمع السوري” وقع كبير تتبعه سلوكيات محددة ومجحفة بحق كل امرأة لم ينجح زواجها.

نساء كثر يشتركن في وضعهن الاجتماعي مع “لمى”، تزوجن ولم ينجح زواجهن لسبب من الأسباب، ومن ثم قررن الانفصال، ومن المعروف أن الانفصال يترك ضرراً نفسياً يحتاج إلى وقت من الراحة لاسترداد الذات وترميم الأذى الحاصل نتيجته، إلا أن “المجتمع السوري” لا يترك فرصة لدى النساء لذلك، فالمرأة “المطلقة” تخرج من دوامة لتدخل في أخرى أسوء خلقتها العادات والقيّم المجتمعية والأخلاقيات المنبثقة عن الدين، حيث يختلف تأثير ذلك بين امرأة وأخرى بالطبع، فإما أن تواجه المرأة ما تتعرض له من إهانات وأحكام على وضعها وتكمل حياتها متحدِّيةً كل ذلك لتبني ذاتها واستقلاليتها من جديد، أوتخضع لتلك الأقاويل والأحكام وتبقى حبيسة المنزل تنتظر زواجاً آخر يخلصها من معاناتها.

يُحمِّل “المجتمع السوري” المرأة عبئاً فوق طاقتها كإنسان طبيعي له حقوقه، وهذا ما يجعل قراراتها وأفعالها غير نابعة منها، وإنما ما يناسب المجتمع الذي تنتمي إليه.

“سعاد” البالغة من العمر 40عاماً، تقول لـ(الحل نت): «بعد عشر سنوات من طلاقي، أنا الآن مستعدة لأن أعود لزوجي إن طلب مني ذلك، بالرغم من أنه كان يغرس في جسدي أدوات حادة ويتفنن في تعذيبي، إلا أن ما عانيته بعد طلاقي لا يطاق، قهر وخوف يلازماني طوال الوقت، عدا عن أني غير قادرة على تأمين معيشتي وأولادي، لا أمتلك مهنة ويتسابق الرجال في مساومتي على جسدي عند بحثي عن عمل، أن تكوني مطلقة أمر مرهق ومخيف، حتى أنني لم أستطع إلحاق طفليَّ الصغيران بالمدرسة بسبب سوء ووضعنا الاقتصادي، لا يمكنني تحمُّل كل هذا وحدي».

تختلف تأثيرات الطلاق من امرأة لأخرى حسب تعلمها وامتلاكها لمهنة، تبقى لدى النساء المتعلمات فرصة بعد الطلاق لبدء حياتهن من جديد وتطوير أنفسهن ضمن تخصصهن، بينما تعاني أكثر النساء غير المتعلمات، فطلاقهن يسبب لهن وضعاً اجتماعياً ومادياً سيئاً، ويجعلهن عرضة للاستغلال الجنسي والمادي أكثر من غيرهن، حيث أن بعض الرجال يصطادون النساء في هذا الوضع، ويقدمون لهنّ عروضاً ووعوداً بالزواج والارتباط مقابل المادة أو العمل، وبذلك تكون المرأة المطلقة غير العاملة في موقع اجتماعي علني وضعيف يجعلها عرضة للأذى النفسي والجسدي، بالإضافة إلى النظرة المرافقة لها والتي تشعرها أنها ناقصة، ويقف خلف ذلك الشعور غشاء البكارة، فوجود هذا الغشاء أو فقدانه يشكل المحور الذي تدور حياة المرأة حوله والمطلقة تحديداً، فهي لا تمتلك غشاءً ولا زوجاً وهذا يجعلها فريسة سهلة للرجال المتعطشين للجنس، وعرضة للتحرش في ظروف كثيرة، يدفع هذا الوضع الكثير من النساء بعد طلاقهن للبقاء في بيوتهن منتظرات زوجاً آخر ينقذهن، خاصة عندما تساهم عائلة هذه المرأة بالضغط عليها ووضعها في خانة الانتظار للخلاص.

لماذا النساء فقط؟

لا يطال الرجال المنفصلين عن زوجاتهم أي لوم أو تحقير أو إهانة في حين تنفرد النساء بتحمل تبعات الانفصال، معظمهن لا يجرؤن على الإقدام على هذه الخطوة رغم فشل زواجهن بسبب الخوف مما سيأتي بعد الطلاق، بينما يفعل الرجل ذلك دون أي خوف ويستطيع بدء حياته بعدها من جديد مع دعم ومساندة كل مَن حوله، وذلك يعود للكثير من الأسباب فالأخلاقيات العامة في “المجتمع السوري” مرتبطة بشكل وثيق بشرف المرأة وتربيتها بشكل أساسي، هو ربط قديم ومترسخ ناتج عن أحكام دينية وعادات متوارثة جيلاً بعد جيل، وفضيلة المرأة تتمثل بتمسكها بزوجها مهما مارس عليها من عنف وظلم وبحماية أسرتها من التفكك المتواصل لإنجاح زواجها مهما حصل، بذلك تكون المرأة في “المجتمع السوري” مسؤولة أمام الله والمجتمع وعائلتها وعائلة زوجها عن الحفاظ على أسرتها ولو كان ذلك على حسابها الشخصي، وإذا ما جاءت اللحظة التي تقرر فيها حماية ذاتها وإنهاء علاقة تستنزفها لن يرحمها أحد، ففعلها هذا بمثابة إعلان عام بأنها تريد عيش حياتها كما يحلو لها، غير آبهة بأولادها وزوجها، وبالرغم من أن هذا يعد حقها الطبيعي إلا أن هذا الحق يدخلها في قفص الاتهام طوال الوقت وفي أي فعل تقوم به، فالنظرات تلاحقها والجميع يراقبها، هي مخطئة بانفصالها وكل ما تفعله لاحقاً سيكون فعلاً شائناً بالنسبة لمحيطها.

كيف تتعامل المرأة المطلقة مع رغباتها؟

تمارس المجتمعات تقييداً على حياة المرأة الجنسية بشكل عام، ويزداد هذا التقييد والمنع في حال كانت المرأة مطلقة، وبالرغم من أن الرغبة الجنسية رغبة طبيعية تعتبر من أقوى الرغبات لدى الإنسان، إلا أن المرأة بعد انفصالها عن زوجها مضطرة لكبت هذه الرغبة وتجاهلها بشكل كامل بسبب المجتمع المحيط والمحرمات التي تلاحقها، يرافق ذلك غياب للحياة العاطفية أيضاً، حيث تصبح المرأة محاصرة تقوم بما يناسب مجتمعها من أفعال، نافية جميع دوافعها ورغباتها الداخلية إن كانت بيولوجية أو نفسية، لتعيش حياة ترضي الخارج وتداريه على حساب حياتها وذاتها.

تتابع “لمى” واصفة ذلك: «لا أفكر بالارتباط، كانت لدي تجربة واحدة بعد الزواج وفشلت، وأظن أن سبب ذلك هو كوني مطلقة، فالشريك كان في تخوف وقلق وشك من فكرة أني سبق وتزوجت وبذات الوقت كان لدي ردة  فعل على تجربتي الأولى وغياب للثقة من قبلي، بالإضافة للكلمات والتلميحات التي كانت ترافقني طوال الوقت ممن حولي بأنه ليس من حقي أن أدخل بعلاقة مع رجل بعد طلاقي».

مفهوم “المرأة المطلقة” عند المجتمع السوري وبمعظم المجتمعات الأخرى يعتبر أمراً معقداً، فهو عبارة عن تقييمات غير عقلانية ومركبة تضعها في موقع المستهدف، تبرر هذه التقييمات جميع الأفعال التي قد تمارس ضد هذه المرأة وأحياناً تصفق لهذه الأفعال، من مبدأ يتبناه الجميع وهو أن هذه المرأة أخطأت وعليها تحمّل نتيجة خطأها، لا قوانين أو حقوق تمتلكها المطلقة وتستند عليها لحماية نفسها، والحركات النسوية لم تستطع تحصيل شيء في هذا الصدد، يحتاج تغيير هذا المفهوم إلى تفكيك وإعادة تركيب، وذلك يكون باجتهاد النساء وفرض وضعهن وواقعهن على الجميع دون خوف أو خضوع للقيّم السائدة.


 


التعليقات