بغداد 8°C
دمشق 7°C
الثلاثاء 19 يناير 2021
أطفالنا سجناء التنميط الجنساني - الحل نت

أطفالنا سجناء التنميط الجنساني


قفص القوالب النمطية الجنسانية

إذا ما قمتم بكتابة كلمتي “ألعاب الصبيان” على محرك البحث غوغل، ستجدون الصور كلها لألعاب سيارات وليغو وشخصيات خيالية كـ “سوبرمان وسلاحف النينجا وأدوات المهندس”، أما نتائج البحث عن “ألعاب البنات” فهي زاخرة بصور الباربي الجميلة الأنيقة ولعبة المطبخ والموضة والمكياج. تعكس هذه النتائج الافتراضية واقعاً حقيقياً يعيشه الأطفال في المتاجر والمدارس وحتى داخل بيوتهم، حيث يضع الأهل والمدرسون أفكاراً مسبقة عن رغبات أطفالهم وميولهم ويكمل المجتمع مهمة تصنيفهم ضمن قوالب نمطية جاهزة قائمة على التمييز بين الجنسين.

القالب النمطي الجنساني هو نظرة معممة أو فكرة مسبقة عن صفات يجب أن يملكها الذكور/الرجال والإناث/النساء، أو عن الأدوار التي ينبغي لهم تأديتها، وإذا حاول أحدهما الخروج عن هذه الصورة النمطية والتصرف بشكل مختلف عما يُتوقع من نوعهما الاجتماعي، يعتبرهم المجتمع مخالفين للطبيعة، ويسعى لمعاقبة هذا الاختلاف.

محكومون من قبل الولادة

تبدأ عملية التنميط من فترة ما قبل الولادة، عندما تقوم الأم بالاستعداد لتربية الابن أو الابنة القادمَين إلى الحياة، وتباشر بشراء كل المستلزمات الزرقاء أو الزهرية بناء على جنس المولود، كـ “لون الغرفة” التي ستشكل لاحقاً عالم الأطفال المصغّر، الملابس وهي أول ما سترتديها أجسادهم الصغيرة، والهدايا التذكارية التي ستقدم للمباركين.

ثم يأتي المولود ويبدأ القالب النمطي يسيطر على أولى صرخاته في الحياة، فعلى الرغم من عدم وجود اختلاف فعلي في ارتفاع درجة صوت بكاء الرُضع، إلا أن البالغين يميلون إلى وضع افتراضات جنسانية بناءاً على نبرة صرخاتهم، فيجزمون خطأً أن الأطفال الذين يصرخون بصوت عالٍ هم من الإناث وأن الصرخات المنخفضة هي للذكور.

تبدأ بعدها مرحلة الطفولة بفرض المشاعر وطريقة التعبير عنها، فإذا بكي الطفل قوبل بالجملة الشهيرة التي قد تمنعه باقي حياته من التعبير عن مشاعره العميقة “الرجل لا يبكي”، وإن تكلمت أو ضحكت الطفلة بصوت عالٍ تنهال عليها التأنيبات لأن “البنت المؤدبة صوتها منخفض”، حتى تنسى الفتاة أن من حقها أن تعبر عن أفكارها ومشاعرها بصوت مسموع.

يستمر الأهل بترسيخ هذه الأفكار من خلال فرض الواجبات المنزلية على الطفلة لتساعد أمها في المطبخ أو الترتيب أو خدمة ذكور العائلة، وبالمقابل دفع الطفل لملازمة أبيه أثناء تصليحه لشيء ما أو من أجل استكشاف أمر جديد خارج المنزل.

ويكمل الإعلام المهمة من خلال برامج الأطفال التي تُظهر الفتيان أقوياء يحملون أسلحة يقتلون بها الأشرار، لتزرع في مخيلتهم أن استخدام العنف جزء من الرجولة، بينما تكون الفتيات في هذه البرامج يتيمات فقيرات أو أميرات جميلات، وفي كلا الحالتين تنتظرن فارس أحلامهن.

دور المدارس في صنع التنميط الجنساني

تساهم المدارس في ترسيخ الصور النمطية بأذهان أطفالنا، عبر مواضيع ورسومات الكتب التي تكرس التمييز في الثقافة بدل توسعة المدارك، ترى الأولاد الذكور على سبيل المثال في كتاب القراءة يساعدون الأب في الحديقة أو يلعبون على الدراجات ويتحركون بنشاط واضح، بينما تكون صور الفتيات خلف النوافذ تتأملن العالم الخارجي أو في المطبخ تساعدن الأم.

وعلى صعيد موازٍ، تعمل هذه المناهج على رسم صورة نمطية أخرى تتعلق بالمهن المستقبلية التي سيحلم بها الأطفال، فتركز على أن تكون المهن القيادية رجولية كالمهندس والطبيب والطيار ورجل الإطفاء، بينما تترك للنساء بعض المهن لتخترن منها كالتعليم والتمريض. وكأن المناهج الدراسية وضعت لتزرع هذه القوالب والتصنيفات في وعي الطفل عبر منظومة ثقافية كاملة قائمة على تقسيم الأدوار بين الرجل والمرأة وتأكيد فكرة أن الهوية الأنثوية تدور حول الرعاية والارتباط، بينما تتوقف الهوية الذكرية على الانفصال والاستقلال.

زرع هذه الأفكار في عقول الأطفال يجعل إجادتهم لدورهم الجنساني المرتقب سبباً لشعورهم بالرضا عن نفسهم، كونهم يتصرفون بطريقة ترضي أقرانهم عنهم، فضلاً عن تجنب حالات السخرية والنقد التي توجه  لمن يخرق قواعد الدور الجنساني المتفق عليها. هذا ويرى المختصون في مجال علم النفس التربوي أن التنميط الجنساني له تأثير على ظهور بعض المشكلات السلوكية مثل القلق والضغوط والاكتئاب والاضطراب لدى الأطفال.

خطر التنميط الجنساني

لا يقتصر التنميط على المجتمعات المحافظة أو على دول العالم الثالث، ولكنه منتشر أيضاً في المجتمعات الحديثة ويختلف باختلاف الثقافات والعادات، حيث تتميز المجتمعات الحديثة عادة بالمرونة في تقبل اختيارات الأفراد في حالة خروجهم عن النمط أو الدور المحدد لهم، لتتحول مخالفة الصفات المحددة في المجتمعات التقليدية إلى وصم اجتماعي، ومن ثم إلى تمييز يسبب الحد من مقدرة النساء والرجال على تنمية قدراتهم الشخصية، ومواصلة حياتهم المهنية، واتخاذ خيارات بشأن حياتهم وخططهم. هذا وقد يؤدي أيضاً إلى وقوع انتهاكات في حقوقهم وحرياتهم الأساسية، على سبيل المثال: عدم تجريم الاغتصاب الزوجي بالاستناد إلى نظرة المجتمع إلى النساء باعتبارهن المتاع الجنسي للرجال، وعدم التحقيق والملاحقة القضائية والمحاكمة بفعالية في العنف الجنسي المرتكب بحق النساء، والذي يرتكز على القالب النمطي الذي مفاده أن على النساء حماية أنفسهن من العنف الجنسي بارتداء الملابس والتصرف بشكل محتشم.

رغم حقيقة أن التنميط الجنساني يؤدي إلى عواقب سلبية لأن أي شخص خارج عن الصورة النمطية المتوقعة له سلفاً من المجتمع، يعتبر شاذاً عن القاعدة بكسره الثوابت التي اختارها المجتمع، فيعاقبه الأخير على هذا الاختلاف، ويصِمه ثم ينبذه، إلا أن الحل الذي بيدنا كأفراد لمواجهة هذا الواقع هو أن يكون عقلنا منفتحاً للمرونة وقابلاً للتجديد وخلق توقعات مختلفة أوسع، بحيث ندرب أنفسنا على تقبل الاختلاف وتقبل الأشخاص الذين لا ينطبق عليهم نموذج التنميط الذي رُسم لهم دون اختيار.


 


التعليقات