بغداد 18°C
دمشق 8°C
الخميس 4 مارس 2021
منصات التواصل الاجتماعي ودورها في تغيير "الصورة النمطية" للمرأة - الحل نت

منصات التواصل الاجتماعي ودورها في تغيير “الصورة النمطية” للمرأة


«يمكنني القول إن الإنترنت وخاصةً منصة” فيسبوك” غيّرت الكثير في حياتي، كنت أعيش ضمن بيئة محافظة، وعلاقاتي تقتصر على الأقارب، فمن خلال الإنترنت استطعت أن أكوّن علاقات جديدة، وكان ذلك في الخفاء لفترة طويلة، أصبحتُ على اطلاع دائم بآخر المستجدّات على الصعيد السياسي والحرب القائمة في البلاد، و توضَّحت لدي قضية المرأة وحقوقها وتغير التصوُّر المسبق الذي كان في ذهني حول أن من يدعون إليها يهدفون إلى هدم الأخلاقيات السائدة، انقلبت في رأسي كثير من المفاهيم المغلوطة، وتغيرت نظرتي لذاتي وللآخرين».

تتحدث “علا أحمد”(اسم مستعار) لـ(الحل نت) عن تأثير وسائل  التواصل الاجتماعي عليها كـ«فتاة غير متعلمة» تعيش مع عائلتها في أحد الأرياف، معتبرةً أن هذه الوسائل ساعدتها إلى حد كبير في معرفة ذاتها والاطلاع على بعض المعلومات التي كانت مغيبة عن حياتها بشكلٍ كامل، ساعد على ذلك تزامن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي مع بدء الصراع في سوريا، كانت فترة المطالبة بالحريات قد بدأت، وكان لهذه الوسائل دور هام في نشر الوعي والتركيز على بعض القضايا التي قلما كان يمكن للمتلقي أن تستوقفه أو يسمع بها من قبل، كانت حرية النساء والمطالبة بحقوقهن إحدى الهموم التي حملتها الناشطات السوريّات، وعملن عبر الكثير من الوسائل لتنمية المعرفة بها لدى النساء.

كيف أثّرت وسائل التواصل الاجتماعي على حياة المرأة السوريّة؟

تعتبر “علا” واحدة من الكثيرات اللواتي خضعن لهذا التغيير غير المقصود، واللواتي أثر انتشار الإنترنت على حياتهنَّ بشكل أو بآخر، تختلف وجهات النظر حول سلبيات وإيجابيات هذه الوسائل، فيما البعض يعتبرها سلبية بالمطلق تسعى لتصوير النساء كموضوعة جنسية بحتة، يرى بعض آخر أنها ساهمت إيجابياً بمعرفة النساء بذواتهنَّ وحقوقهنَّ والقدرة على الانفتاح على ثقافات مختلفة.

“سهى علي”(اسم مستعار)، طالبة على أبواب التخرج من كلية التربية “إرشاد نفسي”، تشرح وجهة نظرها بتأثير وسائل التواصل على حياة السوريّات: «لا يمكنني نفي التغيير الذي ترافق مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي في حياتي، في البداية كان شيئاً مثيراً للفضول، كنت أجلس لساعات أمام الشاشة أتابع ما الذي يحصل وخاصةً أخبار الحرب، فيما بعد شعرت بانتفاء الخصوصية من حياتنا بشكل عام، والشكّ بواقعية ما أتابعه، فغالبية البشر يجمِّلون ذواتهم وأفكارهم بشكل كبير في العالم الافتراضي، وهذا ما يعرِّضنا للخداع ببعضنا وبأنفسنا، اعتقد أن معظم النساء تأثرن بشكلٍ أو بآخر بالضَّخِّ المتواصل من قِبل هذه الوسائل لمواضيع تتعلق بهن، كيف أثَّر ذلك عليهن؟ التأثير السلبي يفوق الإيجابي بكثير».

هنالك نقلة خلقتها هذه الوسائل في حياة المرأة، بعد أن كانت منكفئة على ذاتها لا تستطيع التعبير عن رأيها، حيث أصبح بمقدورها القيام بذلك بسهولة أكبر، يمكنها الآن أن تقرأ الآلاف من الكلمات والمنشورات التي تتحدث عن مواضيع مختلفة وبالأخص عنها هي كـ”امرأة”، إلا أن هذه المعرفة المتاحة تحتاج إلى وعي وقدرة على إصدار الأحكام المبنية على الفهم إن كانت مفيدة أو سيئة، يتوقف الأمر هنا على طبيعة البيئة التي تنتمي إليها المرأة وعلى عوامل كثيرة مرافقة لذلك.

كيف تطرح وسائل التواصل قضايا المرأة؟

هنالك بعض المواقع التي تعمل على نشر الوعي بحقوق المرأة ولفت نظرها إلى القوانين السوريّة المجحفة بحقها، معظم هذه المواقع تابعة لمنظمات تُعنى بحقوق المرأة، عدا عن الصحف الإلكترونية التي قد تهتم بهذه المواضيع، لا تختلف وسيلة الطرح التي تتَّبعها هذه المواقع عما يمكن أن يُقال في الندوات و الورشات التي تحدث على أرض الواقع، لا تزال المطالبات والأفكار التي تنشر عامة ومعروفة، مع انعدام محاولات الولوج إلى عمق المشكلة التي يقوم عليها التمييز بين الجنسين والتي تحتاج لبحث طويل يرتكز على البيئة والثقافة السوريّة، وليس على نتائجٍ لدراسات في بلدان أخرى.

“مرح محمد”(اسم مستعار)، مسؤولة إعلامية عن إحدى الصفحات التابعة لمنظمة نسويَّة تقول لـ(الحل نت):

«من خلال تجربتي لاحظت أن المواقع التي تعنى بحقوق المرأة هي الأكثر تعرُّضاً للتنمُّر، أو تفتقد للمتابعين ويقتصر عددهم على العشرات، وأنا أرى أن “كراهية النساء” وهذا مصطلح انتشر مؤخراً عبر وسائل التواصل جاءت نتيجة التنميط الذي وقعت في فخه النساء المختصّات بالدفاع عن حقوق المرأة، هناك نظرة مجتمعية شبه عامة بأن هؤلاء النساء مسترجلات، يكرهن الرجال، وغير قادرات على تحقيق ذواتهن والاستمتاع بأنوثتهن، تغيير هذه النظرة ونفيها يحتاج لوقت طويل وإلى إعادة صياغة الخطاب النسوي بشكل أكثر عمقاً».

هناك عدد هائل من المواقع التي يُديرها أناس غير مختصّين أو أكاديمين، الدافع الذي يقف وراء إنشاء هذه المواقع هو تحصيل الشهرة والمال، فيما تنتفي المهنيَّة ويتم نشر أفكار مغلوطة لا تنتُج عن بحث علمي ومعرفة، وإنما عن اجتهادات شخصية وآراء فردية،  وأكثر ما يميز وسائل التواصل هي الحرية في طرح الأفكار وتداولها، إن تكاثر الخطابات حول المرأة وحقوقها أصبح متزايداً عبر الإنترنت دون وجود مرجعيات يعتمد عليها صانعو المحتوى، وبين مواقع متشددة في ترسيخ الصورة النمطية للمرأة وأخرى ترفض تلك الصورة تضيع النساء في محاولة لمجاراة الحدث دون فهم وإدراك لرغباتهنّ الذاتية، فالطرفان يهلِّلان لأفكارهم على حساب إقصاء الآخر فلا يَنتُجُ عن ذلك تطورٌ أو تغيير وإنما ترسيخٌ لأفكار فوضوية غير مدروسة وخطابات كراهية .

المواقع المنافسة.. ووسائل الإلهاء

في الوقت الذي يقتصر فيه عدد متابعي صفحات المرأة وحقوقها على القليل، تبلغ متابعات الصفحات الأخرى والتي تهتم بالترويج لمقومات الأنوثة والطرق التجميلية وغيرها لمحافظة النساء على تألقهن، أعداداً كبيرة، في كل يوم يتم إخبارهنَّ بطرق مختلفة أن يتابعن السعي لتحقيق دورهن كأمهات وربات منزل وتعليمهنَّ الوسائل التي تجعلهنَّ فخورات بأنوثتهنَّ، مواقع تطرح وسائل تجميل وكيفية عناية السيدات بأنفسهنّ بشكل يومي، وأخرى تهتم بالألبسة الرائجة وتسويقها، وغيرها الكثير التي تسعى لقولبة المرأة في نموذج أو قالب محدد، لا يمكننا معرفة قصديَّة هذا الأمر من عدمها، هل هناك هدف واضح لهذه المواقع وهو إلهاء المرأة عن القيام بأي أفعال أخرى باستثناء الاعتناء بذاتها وجسدها لتظهر في الصورة التي يتم قبولها من قبل الذكور، أم أنها مواقع تتماشى مع رغبات النساء المُبالغ بها عند بعضهنّ في إظهار أنوثتهن لتحقيق ربح مادي من خلال ذلك، أصبحتْ هذه المواقع سبباً آخر لتضييع الوقت ضمن عالم يحكمه الافتراض، وأصبح حلم النساء هو هذه الحياة المتخيلة التي يشاهدونها يومياً لنساء أخريات على هذه الوسائل.

لا يمكننا أن ننكر أهمية هذه المنصّات ودورها في انفتاح المرأة ومعرفتها بثقافات جديدة، ولكن ما من وسيلة لضبط محتوى المنشور على هذه الوسائل، أو قوانين وشروط تدرس المعلومات والأفكار المطروحة من خلالها، لذلك يقع على عاتق النساء معرفة الطريقة الأفضل لاستخدام هذه الوسائل، وتقييم المعلومات التي يتلقينها من خلالها، يحتاج هذا إلى وعي من النساء و بحث وتقصي عن الأساس العلمي لما يتابعونه، وعدم التماهي مع الأفكار المطروحة دون ترك مساحة كافية لنقدها أو التأكد من صحتها، بالإضافة إلى الانتباه بأن هذا العالم يبقى افتراضياً وكل ما يمر من خلاله قابلٌ للشك والمساءلة، والتعامل معه على أنه وسيلة تواصلية ومعرفية دون أن يصبح بديلاً عن العالم الواقعي.


 


التعليقات