دِمَشق ومُعضِلة التّخلّي عَنْ المِيثاقِ الغَليظِ مع إيران

دِمَشق ومُعضِلة التّخلّي عَنْ المِيثاقِ الغَليظِ مع إيران

لَمْ تَشْهَد الحالة السوريّة تعقيداً كما هي عليه اليوم، فمنذُ بداية الحَرْب عام 2011، والقِوى الإقليميّة والدوليّة لا تَألُ جُهداً لتثبيتِ وجودها في سوريا، إنْ بشكلٍ مُباشر، أو مِنْ خلال وُكلاءَ لها مِنَ القوى السياسيّة والعسكريّة متعدِّدَة الولاءات في هذا البلد.

ويمكن اعتبار إيران كأكثر الدُّوَل تأثيراً على الوضع العسكريّ، سواءً عَبْرَ مقاتليها ومستشاريها العسكريّين، أو مِنْ خلال فصائل عسكريّة لبنانيّة وعراقيّة وأفغانيّة مُوالية لها، ولا ننسى أيضاً تأثيرها الكبير داخل منظومة الحُكْم السوريّة، بمختلف أجهزتها، وفي مقدِّمتها السياسيّة والأمنيّة.

كانتْ إيران مِنْ أوائل الدُّوَل المُتَدَخّلة في الحَرْب السّوريّة، وذلك بُعَيْد اندلاع شرارة الحرب، وآثَرَتْ الوقوفَ بَشَكْلٍ جَلَيّ مع حكومة الرئيس بشّار الأسد، في مواجهة ما أسموه حينها “مؤامرة” القِوى الغربيّة وتركيا ودُوَل الخليج ضدّ “محور المُقاومة والمُمانعة”.

التدخّل الإيرانيّ الذي جاءَ بالتوازي مع استعار التجييش الطائفيّ في سوريا، وما رافقه مِنْ تدخّل دُوَل تَقِفُ مَوْقِفَ العَداء مِنْ طهران مِنْ جِهة، وتَدْعَم فصائلَ دينيّةٍ مُتشدِّدةٍ مِنَ جِهة أُخرى، جَعَلَ الحالة في سوريا تَرقى إلى حَرْبٍ طائفيّة في كثير مِنْ مفاصلها، وأصبحَ الحلُّ عندئذٍ أصعبَ بكثير مما لو كان الصِّراع سياسيّاً بينَ السوريين.

شَكّلَ التغلغلُ الإيرانيّ داخل مفاصِل الحُكْم السّوريّة، والعُنْفُ الطائفيّ المُمارَس داخل مُدُنٍ سوريّة بِعَيْنِها؛ مَصْدَر قَلَقٍ إضافيّ لدى السوريّين، وكذلك لدى دُوَل الخليج، والغرب الرافِضة للدَّوْر الإيرانيّ في سوريا.

فالولايات المتّحدة أعلنتْ مِراراً أنّ مِنْ أُولى أهدافها هي إخراج القوّات الإيرانيّة مِنْ سوريا، كَمُقَدّمة لخروج كافّة القِوى الأجنبيّة مِن البلاد، ورَهَنَتْ بَقاءَها في المناطق السوريَة الغنيّة بالنَّفْط، بالوجود الإيرانيّ، بالإضافة إلى جُملة شروط أخرى ينبغي تحقيقها قَبْلَ أيّ انسحاب مُفْتَرَض لأمريكا مِنْ مناطق نفوذها مع شركائها من “قوّات سوريا الديمقراطيّة” شمال وشرقيّ البلاد، ومِنْ فصائلَ مُعارِضة سوريّة موالية لها في منطقة “التَّنف” الواقعة في المثلّث الحدوديّ السوريّ العراقيّ الأردنيّ.

إسرائيل، هي الأُخرى أعلنتْ غَيْرَ مَرّة، أنّها لَنْ تَسْمح بوجودٍ إيرانيّ داخل سوريا يُشَكِّل تهديداً لأمْنها، وفي سبيل ذلك قامتْ بعشرات الغارات داخل الأراضي السوريّة، وقتلتْ العديد من ضبّاطِ إيرانَ وجنودها، وكذلك الموالين لها مِنْ سوريّين ولبنانيّين، وبذلك فإنّ تل أبيب جادّة في مواجهة أيّة قوّة إيرانيّة مُتَمَرْكِزة في سوريا، وإقناع القيادة السوريّة بالتخلي عن “الميثاق الغليظ” القائم بينها وبين طهران.

بدورها فإنّ دُوَل الخليج لا تُخْفي تَوَجُّسَها مَنَ التمدّد الإيرانيّ داخل عدد من الدُّوَل العربيّة، وفي مقدِّمتها سوريا، وهي لا تَنْفَكّ تُناهِض هذا الوجود، في كلٍّ مِنْ العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتُحاول منذ سنوات إقناع الرئيس السوريّ بالتّخلي عن اعتماده الكبير على طهران، والاكتفاء بتحالفه مع موسكو، مقابل تقديم الدَّعْم الماليّ لإعادة بِناء بَلَدَه، وتثبيت أركان حُكْمِه الذي أنهكتهُ الحرب، والذي تضعضعتْ شرعيّته الدوليّة منذ العام 2011.

الرّوس بِدَوْرِهم ليسوا راضينَ عن الدّور المُتَعاظِم لإيران في سوريا، ويَرَوْنَ أنّ انتهاء الحَرْب لَنْ يتمّ إلّا بِمراعاة الهواجس العربيّة والدوليّة مِنْ وجود طهران، وما تمثلّه مِنْ استقطابٍ طائفيٍّ في المنطقة، يَجرُّ وراءهُ تَطَرُّفَاً مُضادَّاً يَصْعُبُ السّيطرة عليه فكريّاً، حتى وإنْ تَمّ القضاءُ على تنظيماته العسكريّة.

القيادة السورية بدورها، تُدْرِك تماماً أنّ بقاء النفوذ الإيرانيّ على ما هو عليه حاليّاً؛ يعني بالضرورة بقاء الوضع دونَ حلّ، في بَلَدٍ أنَهَكْتُه الحَرْب والعقوبات، ووصلتْ الحالة الاقتصاديّة فيه لمستوياتٍ غَيْرِ مسبوقة مِنَ الانحدار، وباتَ الوضعُ المعيشيّ مُزْرياً لغالبيّة السوريّين داخل مناطق سيطرة الحكومة.

وَتَعَيْ دمشق أنّ قراراً صَعْباً مِنْ قبيل التخلّي، أو التّخفيف، مِنْ تحالفها الحاليّ مع طهران، لا بُدَّ وأنْ يأتيَ يوماً ما، لكن ما يمنعهُ إلى الآن، هو خَشْيَتَهُا مِنْ تخلّي موسكو عنها، أو عن بعض قياداتها على الأقل، بِحكْم براغماتية الرّوس في التعامل مع الأزمات المعقّدة كالأزمة السوريّة.

وبالتّالي قد تَفْرض روسيا حَلاً على القيادة السوريّة، لا تملك فيها الأخيرة القُدْرة على الرَّفْض، خاصّة بوجود عدد مِن المعارضين السوريّين البارزين المُقَرَّبين مِن موسكو، والّذين مِنَ المُمْكِن أنْ تستعينَ بِهِم في مستقبل سوريا.

يبدو أنّ عدداً من الدُّوَل الخليجيّة تحاول إقناع الحكومة السوريّة أنّ قرار الابتعاد عن طهران سيكون الأفضل لها، وأنْ لا مبرّرَ واقعياً لتخوّف دمشق مِنْ أيّ سيناريو آخر، ويمكن إدراج الانفتاح الإماراتيّ الأخير على دمشق في هذا السِّياق، وذلك بالنّظر إلى الدّور الإماراتيّ كَرَديْفٍ لنظيره السعوديّ في مقاربة الأزمات الإقليميّة.

تبقى الولايات المتحدة هي الطَّرَف الأكثر قُدرة على تغيير مجرى الأحداث في أيّة منطقة تتواجد فيها، وقد بدأتْ مؤخّراً بإرسال رسائل إيجابيّة إلى طهران لإعادتها إلى مفاوضات تُفضي إلى اتّفاق جديد حول ملفها النّووي.

وقد يكون نفوذها داخل الدّول العربيّة إحدى الملّفات المطروحة على طاولة البحث، خاصة بعد الأنباء عن السعي الأميركيّ الجديد لإنهاء الحرب في اليمن، وبالتالي قد نشهد تطورات في الموقف الإيرانيّ من وجودها داخل سوريا.

وفي حال وافقت على تنحيها، ولو جزئياً عن المشهد السوريّ، فستكون بداية انحلال عُقَد الحلّ السوريّ، وتكون بدايةُ خروج القوّات التركيّة من الشمال السوريّ، وانفتاح عربيّ كامل على سوريا، وعودة الحياة للمسارات السياسيّة، وصولاً إلى حلّ مشكلة اللاجئين، والبِدْء بإعادة الإعمار.