بغداد 19°C
دمشق 6°C
الخميس 4 مارس 2021
صَفقاتٌ إسرائيليّة روسيّة في سوريا.. ما مصلحة موسكو بتبادل الأسرى؟ - الحل نت

صَفقاتٌ إسرائيليّة روسيّة في سوريا.. ما مصلحة موسكو بتبادل الأسرى؟


في شهر نيسان 2019، وعبر وساطةٍ روسيّة، تسلّمت إسرائيل رُفات جنديّها “زخاريا بومل” الذي فُقِد الاتصالُ معه منذ عام 1982 في معركة “السلطان يعقوب” بين سوريا و إسرائيل.

كان تسليم روسيا رفات الجندي الإسرائيلي منذ نحو عامين؛ محطّ التساؤلات حيال معاني هذه “الصفقة” إن جاز لنا التعبير، رغم أن البعض ذهب للقول آنذاك أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قدّم هدية ثمينة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تُقوّي مكانته السياسية قبل خوضه الانتخابات هناك في إسرائيل.

الآن وفي هذه الأيام، يُعاد هذا القول إثر تسليم روسيا فتاة إسرائيلية دخلت سوريا عبر الجولان بـ “طريق الخطأ” كما أشارت تقارير صحفية، مقابل إطلاق سراح أسرى سوريين معتقلين لدى إسرائيل، و ربما تحقيق شروط أخرى غير معلنة حتى الآن.

مقولة أن بوتين يخدم نتنياهو في الفترة التي تسبق معاركه الانتخابية فقط؛ غير منطقية أبداً على الصعيد السياسي، فما الذي يعنيه نتنياهو لبوتين حتى يقدم له الهدايا بدون أي مقابل أو حتى بمقابل آنيّ لن يقدم الكثير لزعيم الكرملين؟.

علينا أن ننظر لشكل العلاقة بين روسيا وإسرائيل كما هي بين روسيا وتركيا، ونشير إلى محطات مفصلية في تاريخ هذين الملفين، فالقاسم المشترك بينهما سوريا وتحكّم بوتين برأس النظام هناك (بشار الأسد) وتحريكه كيفما تتفق المصالح الروسية.

كان إسقاط الطائرة الروسية من قبل الجيش التركي في السماء السورية (تشرين الثاني 2015) بعد نحو شهرين فقط من التدخل العسكري الروسي، محطة مفصلية أسست لدى الطرفين قناعة بضرورة التقارب والتفاهم المشترك بينهما في سوريا واعتبار هذا الملف منطلقاً لعلاقة سياسية واقتصادية تتخطى الحدود السورية ولو أنها انطلقت من أراضيها.

في المقابل، فإن العلاقة الإسرائيلية الروسية شهدت تطوراً نوعياً منذ اتفاق التسوية في الجنوب السوري (صيف 2018)، و الذي قضى ضمنياً بوصول نفوذ روسيا إلى مساحات واسعة في الجنوب، مقابل انتهاء دور غرفة “الموك” التي كانت تدير ملف الجنوب بقيادة أميركية.

فكان اتفاق التسوية، محطة تطور بارزة في العلاقات بين موسكو وتل أبيب مبدأه الأساسي إبعاد الإيرانيين عن سوريا، وبالأخص عن الجنوب والحدود مع إسرائيل مسافة تقدر بأكثر من 80 كيلو متراً في طرحٍ أولي آنذاك، ومن ثم امتد ذلك التفاهم حتى الوصول لصمتٍ روسي عن استهدافات إسرائيلية متكررة للأجواء السورية بذريعة ضرب النفوذ الإيراني في سوريا، جنوبي البلاد و شرقها.

روسيا تريد من سوريا أن تكون لها قاعدة وجود استراتيجي لا يخدمها فقط اقتصادياً في مرحلة إعادة الإعمار التي تستعجلها موسكو؛ بل أن تُحوّلها أيضاً لمصباح علاء الدين السحري، كلما تحرّكه يتحقّق لها مكسبٌ كان تطمح للوصول إليه.

فها هي الآن تركيا التي لم تستطع الوقوف بوجه روسيا في الشمال الغربي من سوريا، وكذلك تنطلق الأخيرة من علاقتها مع إسرائيل عبر قاعدة رئيسة مفادها أن إسرائيل “ربيبة الولايات المتحدة” كما تُشيع أوساط السياسة في المنطقة العربية، تتفهم الدور الروسي بشكل كامل في سوريا وتتقبله بل وتدعمه.

في المقابل، فإن روسيا تتفهّم من ناحيتها مخاوف إسرائيل من النفوذ الإيراني، لذا فإنها تصمت عن ضرب هذا النفوذ وقد تُطوّر خطةً منهجية مع الدول العربية/الخليجية المناوئة لإيران تساهم في إبعاد خطرها عن المنطقة، لتستغل بذلك تطوير علاقتها مع إسرائيل وحتى مع الدول الخليجية الذين تقاربوا أيضاً مع روسيا في مسائل عديدة من خلال الملف السوري، ليس أحدها فقط ضرب النفوذ الإيراني.

ما يُقال عنه صفقة تبادل معتقلين بين إسرائيل وسوريا عبر روسيا، لا يعدو عن كونه استعراض روسي أمام الولايات المتحدة، يذهب للقول أن روسيا بمقدورها تحقيق مصالح إسرائيل دون أن تحتاج لسطوة الولايات المتحدة في المنطقة.

فالروس تقاربوا مع أكثر الدول التي كانت الإدارات الأميركية متفاهمة معها هنا فيما يسمى بـ “الشرق الأوسط”، وفي الوقت ذاته فإن هذا التبادل للمعتقلين يمكن الاعتبار بأنه أحد الأدوات البسيطة لاستعراض العضلات الروسية أمام القطب الأميركي في سوريا.

كذلك هو أحد الأدوات المهمة “التمهيدية” التي تسبق اتفاق السلام/التطبيع بين دمشق وتل أبيب، برعايةٍ روسيّة، تحمل أحد بنوده آلية ناجعة وحقيقية لإنهاء النفوذ الإيراني، وحتى إمكانية وضع الجنوب السوري تحت آلية حكم شبيهة بالانتداب، بوصاية إسرائيلية/روسيّة إلى حين شفاء المنطقة من “مرض إيران”.

لا يُمكن النظر إلى ملف/صفقة تبادل المعتقلين بشكلٍ منفرد ومعزول عن باقي تفاصيل المشهد الذي تصيغه روسيا، حتى ولو تم الحديث عن شراء إسرائيل لقاح “كورونا” لسوريا أو تقديمها مبالغ مالية.

ملف التبادل، نقطة في بحر المخطط الروسي للهيمنة على الحلفاء الاستراتيجيين في محيط سوريا، وهذا ما يتم العمل عليه رويداً رويداً. فروسيا تريد سوريا قاعدة استراتيجية وازنة تواجه فيها الولايات المتحدة، بل أن تجبرها لتقارب سياسي دون الحاجة إلى تصعيد ديبلوماسي و عسكري.


 


التعليقات