“الثورة الصناعيّة” حرّرت المرأة بعدما سلبت امتياز القوّة الجسديّة من الرجل

“الثورة الصناعيّة” حرّرت المرأة بعدما سلبت امتياز القوّة الجسديّة من الرجل

تتحدث الفيلسوفة والكاتبة الفرنسيّة “سيمون دي بوفوار” في كتابها “الجنس الآخر”، عن دور الثورة الصناعيّة في تحرّر المرأة، موضحةً أنَّ جميع القيود التي لطالما كبّل المجتمع الذكوري فيها يديّ المرأة، لم تستطع إيقاف حركة التاريخ، فمجىء الآلة قوّض الملكية العقارية التي كانت من ميزات الرجل، وحرّض على تحرر الطبقة العاملة والمرأة.

سلبت الآلة من الرجل امتياز القوّة الجسديّة

تشرح “سيمون دي بوفوار”، أثر الثورة الصناعيّة في إلغاء امتياز القوّة الجسديّة الذي كان يتمتع به الرجل، فتشغيل الآلات لا يحتاج إلى قوّة بل إلى عقل!

وتتابع: «استدعت الحاجة إلى اليد العاملة، دخول النساء إلى سوق العمل، وهكذا فتحت الثورة الصناعيّة عصراً جديداً في حياة النساء، وأدرك الفيلسوفان “ماركس” و”إنجلز” ذلك، ووعدا النساء بتحرّر تفرضه الطبقة العاملة».

وتذكر “دي بوفوار”، ماكتبه “إنجلز” في كتابه “أصل العائلة الملكية الخاصة”: «لا يمكن أن تتحرّر المرأة إلا عندما تساهم على نطاق اجتماعي كبير بالإنتاج، وألا تعود أسيرة العمل المنزلي إلا بقدر بسيط، ولن يتحقق ذلك إلا في الصناعة الكبيرة الحديثة التي لا تقبل فقط عمل المرأة بل وتطلبه بشدة».

وهكذا استعادت المرأة وفق الفيلسوفة الوجودية أهمية اقتصادية كانت قد فقدتها منذ عصور ماقبل التاريخ، لأنها خرجت من المنزل وأصبحت منتجة في المعمل.

فضّل أرباب العمل النساء على العمّال الرجال

في بداية القرن التاسع عشر، كانت المرأة مستغلّة بشكلٍ مخجل أكثر من العمّال الرجال، حيث كان العمل في المنزل استغلالاً يسميه “إنجلز” (sweating system)، التي تعني استغلال رب العمل للعمّال وتشغيلهم ساعات طويلة مقابل أجرٍ بخس، إضافةً إلى عملها المُستمر خارج المنزل، والذي لم تكن تكسب منه ما يسد رمقها، وقد استنكر الكثير من الفلاسفة والمفكرين تلك الفترة هذا الاستغلال.

وتبيّن “دي بوفوار” أنَّ أرباب العمل كانوا يفضلون العاملات النساء على الرجال، لأنهن «يقدمن أفضل عمل بأقل أجر»، وتتابع: «تلقي هذه الجملة الضوء على مأساة عمل النساء، لأن المرأة نالت كرامتها كإنسان من خلال العمل، لكن ذلك كان انتصاراً صعباً وبطيئاً»، وتشرح “دي بوفوار”: «كانت صناعة الغزل والنسيج تجري في شروط صحية يرثى لها، ففي عام 1831 كانت عاملات الحرير يعملن صيفاً من الساعة الـ3 صباحاً وحتى الـ11 مساءً، أي 17 ساعة يومياً! بعض النساء كن يجبرن على العمل في الزراعة والمصنع والبيت.

وتدلّل الفليسوفة على ذلك بما رواه “ماركس” في كتابه “رأس المال”: «أعلمني صناعي أنه لم يكن يستخدم سوى النساء لآلات النسيج، وكنّ تعطى الأفضلية للمتزوجات، لأن اللواتي لديهن منزل وعائلة عليهن إعلاتها، فيبدين انتباه وطاعة أكثر من العازبات، لأنهن كن مجبورات على العمل».

لماذا وافقت النساء على الاستغلال ؟

يمكن اعتبار كتاب “الجنس الآخر” محاولة من “دي بوفوار” لشرح أسباب الظلم الذي وقع على المرأة، ولتحليل كيف وافقت المرأة على أن تكون في دور الآخر، وبرأي “دي بوفوار”، فإن الثورة الصناعيّة استغلت المرأة، لأن النساء لم يعرفن في البداية كيف يدافعن عن أنفسهن ولم يتم تنظيمهن في نقابات، فتاريخ النقابات النسوية يعود إلى عام 1848، ولم يتدخل القانون لإنصاف النساء العاملات حتى عام 1874، ورغم كل الحملات التي قامت بها النساء، لم يتخذ سوى تدبيرين، أحدهما يمنع عمل النساء القاصر ليلاً، ويفرض إعطاءهن عطلة يوم الأحد وأيام الأعياد، ويحدّد ساعات العمل بـ12 ساعة.

أما التدبير الآخر، يخص النساء اللواتي تجاوزن سن الـ21، فيكتفي بمنعهن من العمل تحت الأرض في المناجم والمقالع، لكن القانون لم يطبق بشكلٍ صارم وترك الباب مفتوحاً أمام جميع التحايلات.

التطور البطيء لقانون عمل النساء

وردت في الكتاب بعض الإحصاءات الصادمة التي تبيّن بطىء التعديلات القانونية في عمل النساء، ففي عام 1900 أصبحت الراحة الأسبوعيّة إجبارية، وعام 1905 حصلت العاملة على حق التصرف الحر براتبها، وعام 1907 منحت النساء عطلة مدفوعة الأجر عند الولادة، وعام 1911 نظمت الترتيبات المتعلقة باستراحة النساء قبل الولادة وبعدها.

لماذا قدمت رواتب بخسة للنساء؟

لا تزال فجوة الأجور بين الجنسين إلى اليوم محل نقاش، وحتى اليوم تحصل النساء  في أميركا على أجور أقل من أجور الرجل، ففي البداية أعطيت النساء أجور أقل بحجة أن احتياجات النساء أقل من احتياجات الرجل!، لكن “دي بوفوار” توضح أن السبب الحقيقي هو أن النساء استكن ولم تقفن بوجه مستغليهم، وأن المرأة أرادت أن تعمل بأي ثمن، كون العمل هو سبيلها الوحيد للتحرّر من المنزل.

وطبقاً لتحقيق أجري بين عامي 1889 و1893، من أجل يوم عمل مساوٍ ليوم الرجل، لم تحصل العاملة سوى على نصف راتب الرجل، وتبعاً لتحقيق أجري عام 1908 لم يكن أعلى أجر للنساء يتجاوز الـ 20 سنت في الساعة!

في أميركا عام 1918، كانت المرأة تنال نصف راتب الرجل، وبين عامي 1911 و1943، ارتفعت أجور النساء في فرنسا قليلاً، لكنها ظلت أدنى من أجور الرجل.

وتقول “دي بوفوار” أن نبوءة “ماركس” و”إنجلز” في الربط بين تحرّر النساء وتحرّر العمّال لم تتحقق، لأن إقبال أرباب الأعمال على اليد العاملة النسائيّة الرخيصة، أثار غضب العمّال الرجال، عندما أدمجت النساء في الحياة النقابية فقط استطعن الدفاع عن مصالحهن والكف عن تعريض مصالح الطبقة العاملة بمجملها للخطر.