ماذا لو تمردت الأميرات على قصصهن؟

ماذا لو تمردت الأميرات على قصصهن؟

الساحرة الشريرة مقابل الأميرة الصالحة المستكينة

يقف سياح متحف مدينة “لورأم ماين” الألمانية، باستغراب أمام المرآة التي يدّعي القائمون على المتحف أنها مرآة زوجة الأب في قصة (بياض الثلج)، المرآة التي كانت تسألها زوجة الأب، إن كان هناك أجمل منها في العالم، وعندما أجابتها المرأة في إحدى المرات «أيتها الملكة إنكِ جميلة، ولكنني يجب أن أقول الحقيقة، أقسم أن جمال الأميرة بياض الثلج لا يفوقه جمال»، تملكها الغضب حينها، وحاولت قتل ابنة زوجها “بياض الثلج” عدة مرات.

سكان المدينة الألمانية يفاخرون بأن قصة “بياض الثلج”، ولدت في مدينتهم قبل أكثر من مئتي عام، وانتشرت منها إلى العالم لتصبح إحدى القصص التراثية المشهورة عالمياً، غير منتبهين إلى أنها إحدى القصص التي تشيّطن دور زوجة الأب، الذي أشارت إليه الفيلسوفة الوجودية “سيمون دي بوفوار” في كتباها “الجنس الآخر”، موضحةً كيف تم تكريس دور زوجة الأب الشريرة، وكيف تم تنميط المرأة التي تلعب هذا الدورعلى أنها امرأة شريرة من خلال الحكايات والمرويات والأدب، ومقابل هذه المرأة القاتلة الساحرة الغيورة تظهر “بياض الثلج”، المحبة اللطيفة الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة، والتي تحتاج إلى أن يقبلها أمير حتى تقذف التفاحة المسمومة من فمها وتعود إلى الحياة، وهكذا تجسد “بياض الثلج” دور المرأة الصالحة، فهي ضعيفة مستكينة بحاجة إلى رجل ينقذها ويعيدها إلى الحياة مقابل زوجة والدها المرأة المتجبرة القاتلة المغرورة بجمالها.

ساندريلا الخادمة المستكينة وزوجة والدها الشريرة

عاش الكاتب الإغريقي “أيسوب مابين” عامي (620-560 ق.م)، وتُرجع إليه العديد من القصص الخرافية التي حولتها ديزني إلى أفلام ومسلسلات كرتونية ومازالت العديد من قصص “إيسوب”، تدرس حتى يومنا هذا في كتب الأطفال و منها قصة (الأرنب والسلحفاة) و (الجندب والنملة)، وكذلك تُنسب إليه القصة الشهيرة (ساندريلا)، التي يرجعها البعض أيضاً مصدرها إلى المؤرخ الإغريقي “سترابون” الذي روى في القرن السادس قصة “روهدوبس” وهي خادمة مصرية من أصل يوناني، لم تحضر حفل أقامه الفرعون المصري “أحمس الثاني”، لأنها كانت تقوم بتنظيف المنزل فأتى نسر وسرق حذاءها وأسقطه أمام الملك، فتأثر الملك كثيراً وطلب من جميع النساء تجربة الحذاء لكن مقاسه لم يناسب إلا قدم الخادمة “روهدوبس” التي تزوجها الملك، وبغض النظر عن مصدر قصة “ساندريلا” التي تعتبر أيضاً جزء من التراث الإنساني، إلا أنها في نسختها المعاصرة تكرس كذلك دور زوجة الأب الشريرة، فبحسب المؤرخين لم تأتي المصادر الأغريقية القديمة على ذكر زوجة الأب في القصة بنسختها الأولى وحدث تحوير للقصة في العصور الحديثة جعل “ساندريلا”، لا تحضر حفل الزفاف بسبب زوجة أبيها الشريرة التي تغار منها  تماماً مثل ماكانت تغار زوجة والدة “بياض الثلج” من جمالها، ومرة أخرى تم تنميط دور زوجة الأب وتحويله إلى امرأة شريرة مقابل “ساندريلا” المرأة الصالحة التي تتصف بالبراءة والسكينة والضعف والتي تحتاج إلى ملك رجل ينقذها ويغير واقعها!

البجعات المسحورات

وعلى نفس المنوال، تمت حياكة شخصيات قصة “البجعات المسحورات”، حيث أن زوجة الأب الغيورة الشريرة تحول أولاد الملك الصبيان إلى بجعات وتمسخ ابنته الأميرة الجميلة لتصبح قبيحة، ومقابل نموذج المرأة الشريرة تظهر شخصية المرأة الصالحة (الأميرة) التي تصبر وتستكين وتحيك من نبات القرّاص قمصاناً تبطل من خلالها سحر زوجة أبيها وتعيدهم بشراً، لتنتصر بالصبر والتحمل على زوجة أبيها الشريرة الساحرة الغيورة!

نهايات مختلفة لقصص ذكورية

ماذا لو أن زوجة والد “بياض الثلج”، أحبتها واعتنت بها كابنتها؟، ماذا لو عاشتا كملكة صالحة قوية و أميرة جميلة وذكية؟ ماذا لو تمردت “ساندرلا” على زوجة أبيها وطالبت السلطات بحقها من أملاك والدها وعاشت معززة مكرمة مثل أخوتها من أبيها؟ ماذا لو أن الأميرة في قصة “البجعات المسحورات” أخبرت والدها أن زوجته ساحرة أو ماذا لو أنها رفضت أن تبتعد عن القصر؟ ربما حينها كان جيلنا سيكبر على قصص تحكي عن نساء بطلات رفضن الاستكانة والضعف وتمردن على الظلم وطالبن بحقوقهن! وربما حينها لن يكن العالم ينظر بالقسوة التي ينظر بها الآن لزوجات الآباء!

“إلسا” ملكة الثلج

أخبرتني ابنة أختي ذات السبع سنوات، بأنني أتحدث عن شخصيات قديمة جداً، وأنه توجد اليوم أميرات بشخصيات قوية حتى أنها سمّت لي اسم أشهرهن “إلسا ملكة الثلج”، التي عندما بحثت عن قصتها فرحت بأن ديزني أخيراً قررت كسر الأدوار النمطية التي حُبست داخلها مخيلة الطفلات لسنوات طويلة، فالأميرة هذه المرة ليست ضعيفة ولا مستكينة لا بل أنها تتمتع بقوى خارقة، حتى أنها في نهاية القصة تسجن حبيب أختها الذي حاول قتلها، وتنقذ أختها بنفسها من خلال الحب بين الأختين دون الحاجة إلى رجل أمير ينقذها أو يغير واقعها كما كان حال “ساندريلا” و”بياض الثلج”.