الوجود الإيراني في حمص: من المنتصر بالمعركة الإسرائيلية-الإيرانية على الأرض السورية؟

الوجود الإيراني في حمص: من المنتصر بالمعركة الإسرائيلية-الإيرانية على الأرض السورية؟
أستمع للمادة

يشهد الوجود الإيراني في حمص حركة إعادة انتشار وتوزّع ميداني ضخمة وواسعة. تخطت مرحلة نقل القيادات البشرية والميلشيات الموالية لإيران، إلى نقل مخازن الأسلحة والصواريخ الدقيقة. نتيجةً لاستمرار الغارات الإسرائيلية المكثّفة ضد التموضع الإيراني في سوريا.

ومع ازدياد وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية، المستمرة والمتكررة في الآونة الأخيرة، كان من الملاحظ أن الوجود الإيراني في حمص نال النصيب الأكبر من هذه الضربات. مما يشير بطبيعة الحال إلى وجود تحركات إيرانية مكثّفة في هذه المحافظة الاستراتيجية، التي تصل بين أوصال الأرض السورية من جميع الاتجاهات.

وإضافة لموقعها الوسطي داخل سوريا تطل منطقة حمص على الحدود اللبنانية والعراقية. مما يجعلها تحظى بأهمية قصوى بالنسبة لإيران. فيما يتعلق باستمرار تواصلها مع حزب الله اللبناني. إضافة لذلك تأمين شريان الدعم العسكري له. انطلاقاً من الأراضي الإيرانية، مروراً بالعراق، ومن ثم محافظة حمص، وصولاً إلى لبنان.

استهداف الوجود الإيراني في مطار “التيفور”

حتى الآن، لا يبدو أن الطريق البري الواصل بين سوريا والعراق، والذي تسيطر طهران على كثير من مفاصله، بفضل الوجود الإيراني في سوريا وبالأخص في حمص، مناسب بشكل آمن ومجدٍ لنقل العتاد والأسلحة النوعية. وذلك بسبب المخاطر الكبيرة، التي تتربص بالإيرانيين على امتداده. مع استمرار المراقبة الجوية والاستخباراتية لقوات التحالف الدولي ضد الإرهاب في المنطقة. إضافة لذلك انتشار كمائن تنظيم داعش على طول ذلك الخط.

لذلك كان مطار “التيفور”، الواقع في محافظة حمص، بمثابة محطة إيرانية مهمة لنقل الأسلحة، خاصة النوعية منها، جوياً. هذا إضافة لما تطرّقت له عديد من التقارير حول تحويل المطار إلى بؤرة نشاط أنظمة الطائرات المسيّرة الإيرانية. فيما يتعلق بشقيها التخزيني والتشغيلي في آن معاً.

في المحصلة تظهر أغلب الاستهدافات الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني في حمص متمركزة حول ذلك المطار. فقد عمد الطيران الإسرائيلي إلى استهداف مدرج هبوط الطائرات فيه. ما يشير أن الهدف الأساسي كان تأخير وصول شحنات الأسلحة الإيرانية إلى المطار قدر المستطاع. أكثر من السعي لضرب مخازن الصواريخ والأسلحة النوعية.

لكن ما يميّز الاستهداف الأخير لمطار “التيفور”، في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، قيام إيران باستخدام صواريخ أرض-جو. في محاولة لإسقاط إحدى الطائرات الإسرائيلية المهاجمة. ما يدلّ على حدوث تطوّر في طبيعة المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية في سوريا. ونجاح طهران بتعزيز الوجود الإيراني في حمص.

وكانت مصادر لقناة (N12) الإسرائيلية قد أكدت وجود محاولات إيرانية لضرب إحدى الطائرات الإسرائيلية المقاتلة. أثناء الهجوم على مطار “التيفور”. باستخدام بطارية مضادة للطائرات. لينتهي الأمر، كما أشارت تلك المصادر، بفشل المحاولة. وتعرّض البطارية الإيرانية للاستهداف.

هذا التطوّر يشير بطبيعة الحال إلى يأس الإيرانيين من نجاعة المضادات الجوية السورية في حماية الوجود الإيراني في حمص خصوصاً وسوريا عموماً. مما دفعهم لاتباع تكتيكات عسكرية جديدة.  تتمثل في امتلاك مضادات جوية خاصة بهم في سوريا. بعيداً عن استجداء الروس لتشغيل منظومات الدفاع الجوي المتطورة. مثل “إس 300” وغيرها. أو الاختباء حول المواقع العسكرية الروسية في بعض الأحيان.

الهجوم على الوجود الإيراني في تدمر

رغم ذلك لم يكن مطار “التيفور” محطة الاهتمام الإسرائيلية الوحيدة لضرب الوجود الإيراني في حمص بالآونة الماضية. فبعد خمسة أيام فقط من قصف المطار، أي في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر، شن الطيران الإسرائيلي هجوماً أكبر على عدة أهداف جنوبي مدينة تدمر.
وبحسب المصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية، التي حصل عليها موقع «الحل نت»، تم ضرب عدة أهداف تابعة لفيلق القدس وميلشياته. ومنها مقر إقليمي، يقع في الفيلا الملكية القطرية في تدمر. كما هناك مستودع أسلحة. إضافة لذلك يوجد بنية تحتية للاتصالات الإقليمية المدنية. تستخدمها إيران في نشاطاتها.

موقع محطة الاتصالات اللاسلكية

مزرعة مواشي يستخدمها فيلق القدس مستودعاً للأسلحة

موقع ثالث مستهدف

ويبدو أن الهجوم الإسرائيلي الواسع الأخير ضد الوجود الإيراني في حمص، وخاصة حول منطقة تدمر، قد دفع الإيرانيين، بحسب عديد من التحليلات، إلى القيام برد انتقامي غير مسبوق. ضد قاعدة “التنف” الأميركية. في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي. وهنالك مؤشرات عديدة، قبل هذا التاريخ، تؤكد قيام إيران بعملية إعادة انتشار لأسلحتها النوعية في المنطقة الوسطى. ضمن خطة تهدف للتخفيف من آلام الضربات الإسرائيلية.

الانتقال إلى مطار “الشعيرات”

وبحسب المعلومات التي نشرها مركز “ألما” الإسرائيلي للدراسات، الذي يُعنى بتقييم التحديات الأمنية على الحدود الشمالية لإسرائيل، «قامت إيران، في الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر، بنقل عدد من الطائرات المسيّرة من قاعدة “التيفور” العسكرية، إلى مطار “الشعيرات” بضواحي مدينة حمص».

كما أوضح المركز أن «عملية النقل تمت بواسطة قافلة من أربع شاحنات عسكرية. ومرافقة أمنية عسكرية. ضمّت عسكريين سوريين»، موضحاً أن «الطائرات المسيّرة،ـ التي تم نقلها من مطار “التيفور” إلى مطار “الشعيرات”، هي من نوع “شاهد”».

وفي هذا الخصوص يرى النقيب “رشيد حوراني”، الباحث في “المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام”، أن «عدة أسباب تقف وراء نقل  إيران مستودعاتها العسكرية إلى مطار “الشعيرات”. منها أنها تتقاسم السيطرة عليه مع القوات الروسية والميلشيات الموالية لها. وهو قريب من المناطق السكنية، خلافاً لمطار “التيفور”. ما يمنح حماية مؤقتة للعتاد الإيراني هناك. ويجعل المطار من أكثر مناطق الوجود الإيراني في حمص أمناً».

أما عن عملية إعادة انتشار الوجود الإيراني في حمص فيؤكد “حوراني”، في حديثه لـ«الحل نت»، أن أسبابه تعود لـ«الاجماع الدولي على إخراج إيران من سوريا. إضافة إلى ميل ميلشيات تابعة لحكومة دمشق بالتضييق على الميلشيات الإيرانية. وبالتالي لجأت الأخيرة لاتخاذ مقار محصنة خاصة بها».
وعن مدى نجاعة تلك التحركات يرى “حوراني” أنها تشير إلى «عدم رغبة إيران بتطبيق ما يطلبه منها المجتمع الدولي. واعتمادها سياسة النَفَس الطويل. لتحويل وجودها في سوريا إلى ورقة تفاوض مع القوى الدولية».

تأمين الطريق الاستراتيجي في حمص

على الجانب الآخر يرى الأستاذ “عباس شريفة”، وهو باحث في “مركز جسور للدراسات المعاصرة”، أن «إعادة انتشار الوجود الإيراني في حمص جزء من محاولة إيران السيطرة على الطريق البري الواصل بين إيران وسوريا مروراً بالعراق. وذلك من خلال تأمين سيطرتها على المحافظة الأكثر استراتيجية في سوريا».
ويؤكد “شريفة”، في حديثه لـ«الحل نت»، على أن «وصول إيران إلى سواحل سوريا وموانئ البحر المتوسط هدفٌ ما تزال طهران تسعى لتحقيقه بكل الوسائل. ولذلك فهي تعيد انتشارها في المنطقة الوسطى تحسباً من التعرّض لأي هجمات إسرائيلية جوية. أو كمائن مباغتة من جانب خلايا داعش المنتشرة في المنطقة».

فيما بعد بدا أن عملية إعادة انتشار الوجود الإيراني في حمص لم تكن بعيدة عن أنظار الإسرائيليين. الذين وجه طيرانهم الحربي، في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ضربات جوية. طالت مواقع في منطقة حمص داخل مطار “الشعيرات”. إضافة لأحد مستودعات تخزين الأسلحة في طرطوس.

لكن قبل أن تظهر المعلومات المتعلقة بحدوث عمليات إعادة انتشار الوجود الإيراني في حمص، رصد موقع «الحل نت»، اعتماداً على مصادر مفتوحة، صور أقمار صناعية تظهر قيام المليشيات الإيرانية بإنشاء نظام أنفاق حديث. في التلال الواقعة جنوب غربي مدينة تدمر بمسافة خمسة كيلومترات.

وكان هذا الموقع، الواقع إلى الغرب قليلاً من مزرعة مواشٍ، يستخدمها فيلق القدس مستودعاً للأسلحة. قد تم استهدافه أيضاً أثناء الغارات الإسرائيلية الواسعة، التي استهدفت محيط تدمر، في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

هذه المعلومات تتقاطع مع ما أورده تقرير نشره موقع “المونيتور”، نقلاً عن “شبكة المحرر الإعلامية”، حول «بدء ميلشيات “فاطميون” و”حركة النجباء” العراقية بحفر أنفاق محصّنة بغرف خرسانية في مدينة تدمر. بهدف ربط مقار هذه الميلشيات. والانتقال لاحقاً إلى بلدة “السخنة” الاستراتيجية، والقرى المجاورة لها، في المرحلة الثانية من استكمال مشروع شبكة الأنفاق».

الديزل مقابل الولاء للوجود الإيراني

ويعتبر تكتيكا إعادة الانتشار وحفر الأنفاق من التكتيكات الإيرانية المألوفة لمنع تكوين صورة استخباراتية حديثة لدى الإسرائيليين عن الوجود الإيراني في حمص. ويهدفان لزيادة حماية المقرات والمستودعات والقيادات الإيرانية من خطر الضربات الجوية. لكنهما في الوقت ذاته يرتبان تكاليف باهظة على كاهل إيران. بسبب ما يتطلبانه من أعمال الهندسة والتحصين وإعادة الانتشار المكلفة.

مقالات قد تهمك: حزب الله في القصير: هل بات ريف حمص صالحاً للحياة بعد أعوام من انتهاء المعارك؟

رغم هذا يبدو أن طهران مستمرة في تعزيز الوجود الإيراني في حمص. ليس فقط على الصعيد العسكري. بعد أن أصبحت تمتلك ترسانة عسكرية متنوّعة. بين المسيّرات وصواريخ أرض-أرض وأرض-جو. وتتبع تكتيكات متنوَعة للتخفيف من أضرار الضربات الجوية. بل أيضاً على الصعيد المدني. من خلال قيامها بحملات تجنيد جديدة، لمصلحة الميلشيات الموالية لها في مدينة تدمر. مستغلةً الحالة الاقتصادية المتردية للشعب السوري.
كما تقول مصادر محلية، إن إيران تستغلّ فترة الشتاء القارس القادمة على سوريا. والشح الكبير في المحروقات في مناطق سيطرة الحكومة السورية، لتعلن عن تقديم مئتي لتر من الديزل للتدفئة، لكل عائلة من عائلات المقاتلين، المنضمين حديثاً لميلشيات إيران في تدمر. ما قد يؤمن قاعدة من مؤيدي الوجود الإيراني في حمص.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات