التطبيع مع حكومة دمشق: هل يسعى العرب لإعادة تأهيل الأسد وإبعاده عن إيران؟

التطبيع مع حكومة دمشق: هل يسعى العرب لإعادة تأهيل الأسد وإبعاده عن إيران؟
أستمع للمادة

يتزايد الحديث عن التطبيع مع النظام السوري، خاصة بعد التحركات العربية الأخيرة، التي عدّها بعض المراقبين محاولة لإعادة تعويم الرئيس السوري بشار الأسد. والتي جاءت بعد عمل الحكومة السورية على تصدير فكرة انتصارها على “المؤامرة الكونية” الهادفة لإسقاطها. وبالتالي إسقاط الدولة السورية.

هذا “الانتصار”، الذي جاء بدعم روسي، تم استثماره سياسياً لإقناع دول المنطقة بإعادة التطبيع مع النظام السوري. وبالتالي المشاركة في عملية إعادة الإعمار. التي تعتبر المكافأة الأهم لروسيا، بعد نجاحها بالتمركز على البحر المتوسط. وصمن هذا السياق أتت زيارة وزير الخارجية الإماراتي “عبد الله بن زايد” إلى دمشق. والتي اعتبر حسن نصر الله، أمين عام حزب الله اللبناني،  أنها «تساوي الاعتراف بانتصار الأسد على المعارضة المسلّحة، التي كانت تمولها دول خليجية».

لم تكن الخطوة الإمارتية مفاجئة فقد بدأ التواصل بين أبوظبي ودمشق عندما أعادت الإمارات فتح سفارتها في العاصمة السورية. وإعلان عودة بعثتها الدبلوماسية للعمل، في كانون الأول/ديسمبر 2018. كما جرى اتصال بين ولي العد الإماراتي “محمد بن زايد” والرئيس السوري بشار الأسد في آذار/مارس 2020. وهو الاتصال الذي قالت حكومة أبو ظبي إنه يهدف إلى «مساعدة سوريا في دعم جهود مكافحة وباء كورونا». كما جرى اتصال آخر بين بشار الأسد ومحمد بن زايد، قبل أقل من شهر على زيارة وزير الخارجية الإماراتي لدمشق. وبالتالي يبدو أن الإمارات تقود حالياً جهود التطبيع مع النظام السوري.

فإلى أي درجة يمكن للجهود الإماراتية تحقيق النجاح؟ وما موقف الدول الإقليمية والكبرى الفاعلة في الملف السوري منها؟

التطبيع مع النظام السوري بين مصر والجزائر

في تصريح اعتبره البعض مفاجئاً قال وزير الخارجية المصري “سامح شكري” عام 2019 إن «عودة سوريا إلى الحاضنة العربية أمر حيوي من أجل صيانة الأمن القومي العربي. وليس لدى مصر أية شروط لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية». مؤكداً وجود «علاقات قوية تربط القاهرة ودمشق».

أثارت هذه التصريحات آنذاك موجةً من السّخط الشعبي، مصرياً وعربياً. واعتُبرت مبادرة مصرية للتطبيع مع النظام السوري. إلا أن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية أشار إلى أن «ما تم تداوله حول تصريحات وزير الخارجية سامح شكري، عن عودة سوريا للجامعة العربية، مجتزأ من حوار مع الوزير». مؤكداً «دعم مصر للعملية السياسية في جنيف. ومسار جهود المبعوث الأممي لسوريا. وذلك وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254».

من جهته قال وزير الخارجية الجزائري “رمطان لعمامرة”، الذي ستستضيف بلاده الدورة القادمة من اجتماعات قمة الجامعة العربية، في تصريحات تعود لشهر تشرين الثاني/نوفمبر الحالي: «آن الأوان لعودة سوريا إلى الجامعة العربية. ويجب أن يعود مقعد سوريا من دون التدخّل في الشؤون الداخلية للبلاد». مشدداً على أنّ «تعليق مقعد سوريا في الجامعة العربية لم توافق عليه الجزائر إطلاقاً».

هل تعود دمشق للجامعة العربية؟

في هذا الصدد يقول “د.عبد القادر نعناع”، الباحث والأكاديمي السوري: «هناك رأي سائد بين عديد من الحكومات العربية. إن لم نقل مجملها. بأن حكومة دمشق انتصرت على خصومها. وقد آن الأوان لإنهاء عقد الفوضى الذي ساد العالم العربي. وبالتالي التطبيع مع حكومة دمشق». مؤكداً، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن «السياسات الخارجية العربية، في مجملها، سياسات رد فعل. لاحقة للحدث. وليست سياسات استراتيجية. تبني أدواتها قبل الحدث. وتقوده مباشرة. ولذلك تقع دائماً تحت توجيه الآخرين. ونقصد بهم القوى المتدخلة في الشأن العربي، الإقليمية والدولية».

إلا أن الإعلامي السوري “نضال معلوف” يرى أنه «من الصعب جداً حضور بشار الأسد اجتماعات القمة العربية القادمة في الجزائر. على الرغم من التأييد المصري والجزائري والعراقي لعودته للجامعة العربية. وسعي هذه الدول للتطبيع مع النظام السوري». مؤكداً: «من الصعوبة البالغة حضور الأسد. حتى لو توفّرت الإرادة العربية لذلك».

كما يوضح “معلوف”، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «هناك احتمالاً ضعيفاً جداً أن تتم دعوة سوريا لاجتماع القمة العربية. ولكن ليس بحضور بشار الأسد شخصياً. وإنما وزير الخارجية السوري فيصل المقداد. في رسالة بأن مجمل دول الجامعة العربية تريد عودة الدولة السورية وليس نظام الأسد. أما اللقاء بين بشار الأسد والقادة العرب فقد أصبح بالغ الصعوبة. وإن حدث فله دلالات سيئة للغاية».

من جهته يقول “محمد سعدي”، عضو المكتب التنفيذي في “هيئة التنسيق الوطنية” المعارضة، لموقع «الحل نت»: «لا اعتقد أن التصريحات والزيارات قادرة على إعادة حكومة النظام الحالي إلى الجامعة العربية. وكذلك لا تدل على التطبيع مع النظام السوري بشكل كامل. فهل تنسى الشعوب العربية ما فعله النظام بشعب سوريا؟».

 مشيراً إلى أنه «لا يمكن أن يكون هناك توافق عربي حول إعادة حكومة النظام الحالي للجامعة العربية. وخاصة أنه لم يتم التوصّل إلى حل سياسي في سوريا. رغم التأكيد المتكرر أن الحل الوحيد للأزمة السورية هو الحل السياسي».

ما موقف الدول الغربية من التطبيع مع النظام السوري؟

ورغم كل الأحاديث عن التطبيع مع حكومة دمشق فإن معظم المحللين يستبعدون أن يحقق الخرق الإماراتي لطوق العزلة المفروض دولياً على الحكومة السورية هدفه. خاصة وأن التصريحات الغربية أكّدت على العزلة الدولية لدمشق. إن لم يغيّر النظام السوري من سلوكه.

وفي هذا السياق قال “نيد برايس”، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية: «نحن قلقون من الزيارة الإمارتية لسوريا. ومن الرسالة التي قد تُفهم من وراء تلك الزيارة». مشدّداً: «لن نقوم بتطبيع أو ترقية علاقاتنا الدبلوماسية مع نظام الأسد. ولا ندعم تطبيع أو ترقية علاقات الدول الأخرى معه. نظراً للفظائع التي ارتكبها هذا النظام بحقّ الشعب السوري». وأكّد أن «الولايات المتحدة لن ترفع العقوبات، بما فيها إجراءات تجميد الأصول، عن أي شخص يتعامل مع سوريا بغضّ النظر عن جنسيته».

بالمقابل اعتبرت الخارجية الفرنسية زيارة وزير الخارجية الإماراتي لسوريا «خياراً سيادياً إماراتياً»، مؤكدةً أن «فرنسا لا توجد لديها حالياً أية نية بخصوص التطبيع مع النظام السوري. خاصة مع استمرار انتهاكات حقوق الإنسان على كامل الأراضي السورية. وتوقف العملية السياسية».

من جهته قال الإعلامي “نضال معلوف” إن «تعويم بشار الأسد غير وارد وشبه مستحيل. وبالمقارنة مع أمثلة سابقة، لا يمكن لأي رئيس دولة ديمقراطية غربية أن يضع يده بيد ديكتاتور تلاحقه مئات الجرائم، حتى وإن لم يصدر أي حكم بحقه. فهذا أشبه بالانتحار السياسي لأي رئيس ديمقراطي».

وفي الاتجاه نفسه قال الدكتور “عبدالقادر نعناع”: «سوريا دولة منهارة. وهي أقرب إلى الزوال منها إلى أعادة التعويم. بغضّ النظر عن المؤشرات المشوّهة التي يتعمد البعض إظهارها. ومنها مؤشر “انتصار النظام”».

وأشار إلى أن «نظام بشار الأسد لم يعد قادراً على الاستمرار إلا في ظل إسناد دولي متعدّد. فحتى الإسناد المنفرد لم يعد كافياً لإبقاء النظام والدولة ذاتها». مشدّداً على أن «الدولة السورية فقدت مقومات الدولة. ومؤسساتها متداعية. يتم إدارتها عبر قوى متعددة. ولم يعد لديها موارد. كما أن غالبية السكان، الذين تم تهجيرهم، لن يرغبوا بالعودة الطوعية».

هل ينجح العرب بإبعاد الأسد عن إيران من خلال التطبيع؟

كثير من المحللين يعتبرون أن ثمن التطبيع مع النظام السوري هو ابعادها عن طهران. والسياسات الإيرانية عموماً في المنطقة. وضمن هذا السياق اعتُبرت الزيارة الإماراتية جانباً من المسعى العربي لإخراج إيران من سوريا. وإبعاد نفوذها عن المنطقة. إلا أن ترحيب “أمير عبد اللهيان”، وزير الخارجية الإيراني، بالزيارة الإمارتية، أثارت شكوكاً كبيرة حول هذه الفرضيّة.

“محمد السعدي” أكد لموقع «الحل نت» أن «الحكومة السورية لن تتخلى عن حليفها الإيراني. ولن تفكر بذلك مطلقاً. لسبب بسيط، هو أن تواجد إيران مرتبط بمصير ومستقبل نظام الأسد واستمرار وجوده». مضيفاً: «لا يمكن للحضن العربي أن يكون بديلاً عن الحضن الإيراني. حسب رؤية نظام بشار الأسد».

وشدد المعارض السوري على «استحالة فصل المسارين السوري والإيراني. فالحل السياسي. والتطبيع مع النظام السوري، لن يُطبّقا مالم تخرج إيران من سوريا». إلا أنه اعتبر أن «عودة دمشق للجامعة العربية قد تكون جزءاً من بداية الحل. من خلال إبعاد سوريا بالتدريج عن السياسات الإيرانية».

مقالات قد تهمك: عبر مشاريع الكهرباء والغاز: هل استطاع زعماء عرب اقناع الولايات المتحدة بإعادة تأهيل حكومة دمشق؟

ولكنّ “د.عبد القادر نعناع” لديه رأي آخر أكثر تشاؤماً. إذ يرى أن «الطامّة الكبرى هي في التفكير العربي. فالقادة العرب يعتقدون أن الوجود الإيراني في سوريا شبيه بالوجود الروسي. أي نوعاً من الاحتلال الأجنبي. يمكن مجابهته بالتطبيع مع النظام السوري. ومحاولة استمالة بشار الأسد إلى الصف العربي. وليس لديهم القدرة على ملاحظة عمق الوجود الإيراني في سوريا. السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والديني والتاريخي. وأنه أصبح أشبه بكتلة سرطانية. كتلك الموجودة في العراق ولبنان. ولا يمكن القضاء عليها إلا بالقضاء على النظام الإيراني ذاته. وحتى لو تم هذا، فلا يمكن أن نلغي التغيير الديموغرافي الكبير في سوريا، الذي أصبح واقعاً لا يمكن الرجوع عنه. كما تثبت لنا تجارب التاريخ». حسب تعبيره.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات