القمح في سوريا.. صراع الوجود أمام أزمات سياسية واقتصادية

القمح في سوريا.. صراع الوجود أمام أزمات سياسية واقتصادية
أستمع للمادة

من بين أبرز الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد السوري وبشكل مزمن مؤخرا، هي أزمة تأمين رغيف الخبز للسوريين. فالمشاكل المتعاقبة حيال الرغيف تنذر بكارثة مجاعة حقيقية تهدد السوريين في الفترة المقبلة.

وفي تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، حذرت فيه الصحيفة من انتشار حالة الذعر من إمكانية فقدان المواد الغذائية في الشرق الأوسط؛ من بينها سوريا، جرّاء الغزو الروسي لأوكرانيا.

وقال التقرير إن هناك مخاوف في العديد من البلدان في الشرق الأوسط، على رأسها سوريا، من محدودية وفرة وارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل القمح وزيت دوار الشمس، والمواد التي تستورد عادة من البلدين المتحاربين.

وفي 4 من آذار/مارس الماضي، حذر برنامج الأغذية العالمي، من أزمة غذائية تلوح في الأفق في المناطق المتضررة من الحرب في أوكرانيا ومخاطر تفاقم المجاعة في جميع أنحاء العالم، بسبب توقف إنتاج وتصدير منتجات مثل الحبوب.

وقال مدير برنامج الأغذية إنه في الوقت الذي يواجه فيه العالم مستوى غير مسبوق من المجاعة، من المقلق جدا بشكل خاص أن نرى الجوع يظهر في بلد لطالما كان يعتبر “سلة الخبز” لأوروبا.

وتؤمن روسيا وأوكرانيا 29 بالمئة من صادرات القمح العالمية، ومن المرجح أن تؤدي الاضطرابات الخطيرة في الإنتاج والصادرات إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، التي وصلت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق.

الزراعة والأمن الغذائي

في سياق مواز ومنذ مطلع العام 2021 اعترفت حكومة دمشق، للمرة الأولى بأن الأمن الغذائي في مناطق سيطرتها بات في خطر، وهو الاعتراف الذي أثار التساؤل في ذلك الوقت حول أسبابه وسر توقيته، لا سيما وأن التقارير الدولية لم تتوقف عن الصدور منذ منتصف عام 2020، محذرة من مجاعة قادمة على سوريا ومن أمن غذائي متدهور.

وبخصوص مواجهة تدهور الأمن الغذائي من قبل دمشق، وتأمين رغيف الخبز في ظل الأزمات المتعددة لاسيما أزمة الغزو الروسي لأوكرانيا، رأى الخبير الاقتصادي، يوسف أحمد، خلال حديث لـ”الحل نت” أن دمشق و في ظل الظروف الراهنة لا يمكن لها فعليا مواجهة خطر الأزمة الغذائية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الزراعة ليست من ضمن أولويات الحكومة.

وتابع مضيفا بأنه من الصعوبة تطبيق قاعدة نجاح الزراعة وهي تسويق ما يتم إنتاجه، لاسيما في ظل عدم وجود موارد أو مدخلات زراعية كافية، “الزراعة تحتاج إلى بذور هجينة، مغذيات، أسمدة، مبيدات، أدوية بيطرية، معدات تصنيع، قطع تبديل، آلات زراعية وكلها تحتاج إلى عملة صعبة لاستيرادها أو الحصول عليها، لذلك لا يمكن للدولة أن تدعم هذا الأمر و خزينتها من العملة الصعبة شبه فارغة”.

وزاد بالقول بأن “المساحات الزراعية حاليا في سوريا هي مساحات صغيرة جدا وبنيتها التحتية هشة وبحاجة إلى صيانة من قنوات الري والصرف، وصولا إلى استصلاح الأراضي الموبوءة بمخلفات الحرب ومناطق خطوط النار، فالمحاصيل الاستراتيجية تنتج خارج مناطق سيطرة دمشق”.

وكان “اتحاد الفلاحين” في سوريا أعرب عن تخوّفه من تأثر محصول القمح بشكل سلبي خلال موسم العام الحالي، باعتبار أن قسما كبيرا من إنتاج المادة يعتمد على السقاية، خاصة المساحات المروية، ما يهدد بتأثير سلبي في حال عدم كفاية الهطولات المطرية للمساحات المزروعة، إلى جانب عدم توفر المازوت.

ومن المتوقع ارتفاع معظم أسعار السلع والواردات من القمح وارتفاع تكاليف الاستيراد، بسبب تداعيات “الغزو” الروسي لأوكرانيا على الشرق الأوسط عمومًا، وعلى سوريا التي تعتمد على استيراد القمح من روسيا.

وقال مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة، أحمد حيدر، في حديث لإذاعة “ميلودي إف إم” المحلية، في 11 من آذار الحالي، إنه لا يمكن إحصاء تقديرات إنتاج القمح لهذا الموسم لعدم الوصول إلى مرحلة “التسنبل” بعد، لكن المساحة المزروعة بلغت 1.2 مليون هكتار، وهي أقل من عام 2021، إذ بلغت 1.5 مليون هكتار.

وأضاف أن التراجع بالمساحات كان في مناطق الزراعة البعلية بسبب تأخر الأمطار والإحجام عن الزراعة البعلية في بداية الموسم، موضحا أن الاعتماد الأساسي في محصول القمح على المساحات المروية، ولا يوجد في مساحاتها المزروعة فارق كبير عن عام 2021، أما البعلية فيوجد انخفاض.

ارتفاع الأسعار

في الـ 7 من آذار/مارس الجاري، قال مدير عام مؤسسة الأعلاف، عبد الكريم شباط، في تصريحات لصحيفة “الوطن” المحلية، إن جزءا مهما من المواد العلفية كان يستورد من روسيا وأوكرانيا، ونتيجة الحرب توقف الاستيراد حاليا، موضحًا أن المؤسسة كانت تستورد الذرة من روسيا، في حين أن تجار القطاع الخاص كانوا يستوردون من أوكرانيا وبلدان أخرى.

وأرجع شباط أسباب ارتفاع أسعار الأعلاف في السوق إلى رفع بعض التجار أسعار المادة واحتكارها بمجرد ارتفاع أسعارها عالميًا، وصعوبة استيرادها على خلفية تطورات الأزمة الأوكرانية.

أعلن المدير العام لـ”المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب”، عبد اللطيف الأمين، أن المؤسسة تنوي التعاقد على توريد 200 ألف طن قمح من الهند، كما أنها تبحث عن خيارات بديلة لاستيراد القمح.

وأوضح الأمين، في حديث إلى صحيفة “تشرين” المحلية، منتصف الشهر الحالي، أن المؤسسة تبحث عن خيارات بديلة عن روسيا لاستيراد القمح بسبب ارتفاع أسعارها فقط، مشيرا إلى أن قرار روسيا بمنع تصدير القمح لا ينطبق على سوريا.

وبحسب الأمين، ارتفعت تكاليف استيراد الطن الواحد من القمح من 317 دولار أمريكي إلى 400 دولار بعد رفع قيمة التأمينات، إلا أن العقود القديمة من روسيا (300 ألف طن) يتم توريدها بالتدريج وبالسعر القديم، على حد قوله.

وحول ذلك توضح مصادر خاصة لـ”الحل نت” من داخل وزارة الزراعة بدمشق، أن خيار اللجوء للقمح الروسي خلال الفترة الحالية بات مستبعدا، ليس بسبب الغزو لأوكرانيا بشكل مباشر وإنما يتعلق بعدم رغبة موسكو في توريد أية دفعة جديدة إلى دمشق.

كذلك أضافت المصادر “القمح الروسي لن يعود إلى دمشق خلال فترة قصيرة، استبعاد وجوده ليس فقط بسبب غلاء الأسعار وإنما روسيا لا تريد خسارة محصول استراتيجي لاسيما إذا كانت دمشق الوجهة له. آثار الحرب هناك طويلة، وكما تأثرت سوريا فالتأثير هناك أكبر”.

وكانت وكالة “سانا” ذكرت أواخر شهر شباط/فبراير الماضي، بأن حكومة دمشق قررت خفض الإنفاق في محاولة للحد من تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا، خوفا من ارتفاع أسعار النفط والقمح بشكل حاد.

وأفادت الوكالة آنذاك أنه وبعد اجتماع غير عادي لمجلس الوزراء، قرر المسؤولون إدارة احتياطيات المواد الأساسية مثل القمح والسكر وزيت الطهي والأرز لشهري آذار ونيسان، ومراقبة توزيع السلع عن كثب وتقنينها.

وقال وزير الاقتصاد، محمد سامر خليل، إن شبه جزيرة القرم عرضت تصدير القمح إلى سوريا. وأضاف بأن “الحكومة السورية تدرس العرض”.

فيما قالت “سانا” إن الحكومة قررت أيضا مراقبة سعر الصرف عن كثب، و”تقنين الإنفاق العام بطريقة تغطي فقط الأولويات خلال هذه الفترة”.

وتعتمد سوريا، التي تكافح بعد أكثر من عقد من الحرب، في الغالب على واردات القمح من روسيا وشحنات النفط من حليفتها الأخرى إيران. ومع قصف روسيا لأوكرانيا، رأت دمشق علامات خطر في ارتفاع أسعار النفط على جانبي المحيط الأطلسي، وقفزت أسعار الجملة لوقود التدفئة والقمح وسلع أخرى.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير و تحقيقات إقتصادية