أزمة الغذاء العالمية وانعكاسها على الواقع السوري

أزمة الغذاء العالمية وانعكاسها على الواقع السوري
أستمع للمادة

عانى العالم في السنوات الثلاث الأخيرة من عدة أزمات كان لها انعكاسات على الأمن الغذائي العالمي، وكانت البداية مع تفشي جائحة “كورونا” مع بداية عام 2020، والتي أثرت على الإنتاج الغذائي العالمي المقترن بزيادة الطلب. كما ألحقت الظواهر المناخية الأخيرة الناجمة عن تغير المناخ أضرارا بحصاد بعض المحاصيل في عام 2021، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في السوق العالمية بأكثر من 30 بالمئة.

حاليا يواجه العالم أزمة غذائية جديدة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا باعتبار أن البلدين من أكبر منتجي القمح في العالم. وقد أدت الحرب بالفعل إلى زيادات في أسعار السلع الغذائية الأساسية، لا سيما في الدول مثل سوريا، واليمن، ودول وسط أفريقيا، والعديد من دول العالم التي تعاني في الأصل من مشاكل اقتصادية، وحروب، وعدم استقرار، ومجاعات، ونقص في تأمين المواد الأساسية من الغذاء، ورافقت هذه المشاكل زيادة جديدة على أسعار المواد الغذائية.

مع استمرار الصراع في عامه الحادي عشر في سوريا، وتراجع الاقتصاد إلى مستويات متدنية يواجه العديد من الناس في جميع أنحاء البلاد ولاسيما في المخيمات مستويات غير مسبوقة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي. ويقدر “برنامج الأغذية العالمي” أن 12.4 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي. حيث أدت سنوات الحرب والنزوح وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع قيمة الليرة السورية إلى زيادة الضغط على الناس.

قبل الحرب

كانت سوريا واحدة من أهم المنتجين الزراعيين لمادة القمح في الشرق الأوسط، وكانت البلاد قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والمحافظة على مستوى عالِ من الأمن الغذائي. لكن بعد تضرر القطاع الزراعي في البلاد بشكل واسع بسبب تخريب الأراضي الزراعية وحرق المحاصيل لا سيما محصول القمح. كما أدى نقص المواد اللازمة للزراعة، والتصحر وتغير المناخ إلى تقليل الأراضي الصالحة للزراعة مما أدى إلى انخفاض الإنتاج السوري للقمح.

وبحسب تقديرات “الأمم المتحدة” فقد كانت مستويات إنتاج القمح السورية في السابق قريبة من 4 ملايين طن سنويا، مع تخزين نصفها أو تصديرها بينما تستخدم النصف الآخر لتزويد الخبز والمنتجات الغذائية الأخرى محليا. أما الآن ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة فقد أنتجت سوريا تقريبا واحد مليون طن في عام 2021.

الأزمة الغذائية العالمية التي نشهدها حاليا والناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية ستنعكس على سوريا بشكل كبير، وقد تهدد بتدني مستوى الأمن الغذائي بشكل كبير، وقد يصل لمرحلة الخطر.

وباعتبار أن سوريا مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ سيظهر تأثير الأزمة الغذائية في كل منطقة بشكل مختلف.

مناطق سيطرة حكومة دمشق

تعاني بعض مناطق سوريا بالفعل من نقص حاد في القمح، لاسيما المناطق التي تسيطر عليها حكومة دمشق، وذلك لعدة أسباب:

أولا، غالبية المناطق التي يزرع فيها مادة القمح هي خارج مناطق نفوذها، مما يحرمها من الاستفادة منها.
ثانيا، تعيش هذه المناطق أزمة اقتصادية حادة، تتمثل بعدم وجود النقد الأجنبي، وانهيار الليرة السورية والعديد من المشاكل الاقتصادية الأخرى التي جعلتها غير قادرة على تأمين المواد الغذائية الأساسية.

في عام 2021، سمحت دمشق بالتوزيع التمييزي للخبز، إلى جانب القيود المفروضة على كمية الخبز المدعوم التي يمكن للناس شراؤها، مما تسبب في جوع الناس. وتعتمد دمشق بشكل أساسي على روسيا لسد النقص في استيراد القمح. وقد توصلت حكومة دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2021، إلى اتفاق مع روسيا لاستيراد مليون طن متري من القمح بتمويل قرض روسي. ومن المرجح أن يؤدي الصراع الأوكراني الروسي إلى تفاقم الأزمة الحالية في هذه المناطق بعد توارد أخبار عن تعليق روسيا عدد كبير من صادراتها من القمح، وليس من المعروف حاليا هل ستوقف روسيا صادرات القمح إلى سوريا أم لا. وفي حال أوقفت موسكو صادراتها ستعاني هذه المناطق بشكل كبير، لعدم قدرة دمشق على تمويل شراء القمح عبر صفقات فورية من مصادر أخرى.

مناطق الشمال الغربي

يتواجد في محافظة ادلب وريف حلب أعداد كبيرة من الناس، وبحسب العديد من الاحصائيات فإن أعدادهم تصل إلى أكثر من 4 مليون إنسان، وغالبيتهم يسكنون في مخيمات مؤقتة. وأعداد السكان غير متوافقة مع إمكانيات المنطقة الجغرافية من حيث البنية التحتية والموارد. وغالبية السكان يعتمدون على المساعدات الدولية القادمة من الحدود البرية مع تركيا.

والوضع الاقتصادي في هذه المناطق مرهون بالتطورات الاقتصادية في تركيا خاصة وأن العملة المستخدمة في هذه المنطقة هي الليرة التركية التي تعاني من انخفاض كبير في قيمتها. كما يعتمد سكان هذه المناطق بشكل كبير على المنتجات الغذائية التي يتم استيرادها من تركيا، ومنها القمح. حيث تستورد أنقرة تقريبا 13 مليون طن متري سنويا من القمح لتغطية احتياجاتها، وغالبية وارداتها تأتي من روسيا وأوكرانيا، وبطبيعة الحال سينعكس ارتفاع أسعار مادة القمح في تركيا على هذه المناطق.

مناطق شمال شرقي سوريا

لطالما اعتبرت هذه المنطقة سلة غذاء البلاد، لا سيما من حيث إنتاج القمح والقطن. وهذه المنطقة هي الأقل ضررا من المناطق الأخرى فيما يخص الأراضي الزراعية. ومع ذلك فقد شهدت أيضا انخفاضا في الإنتاج الزراعي بسبب الجفاف، ومشكلة عدم توفر البذور، والاهم من ذلك تعرض المحاصيل الزراعية للحرائق في فترات الحصاد السنوي.

بالنتيجة سوف يتأثر الشعب السوري في كافة مناطق النفوذ بالأزمة الغذائية العالمية المحتملة بدرجات متفاوتة. ففي مناطق سيطرة حكومة دمشق يمكن تصنيف درجة عدم الأمان الغذائي بالمرتفعة، أولا، لعدم قدرة دمشق على توفير الموارد المالية اللازمة لتأمين القمح لاسيما بعد ارتفاع أسعاره في السوق الدولية. ثانيا، إلى الآن لم يعرف هل موسكو ستصدر القمح لدمشق أم لا أثناء الغزو الروسي لأوكرانيا. ثالثا، غالبية الأراضي الزراعية الصالحة لزراعة القمح هي خارج نطاق سيطرة حكومة دمشق.

أما مناطق الشمال الغربي يمكن تصنيف درجة الأمن الغذائي فيها كمتوسط الخطورة، لاعتمادها بشكل كامل على تركيا، ولكنها تعاني من ارتفاع في الأسعار. في حين تصنف مناطق الشمال الشرقي بأقل خطورة من ناحية الأمن الغذائي لأن “الإدارة الذاتية” تسيطر على غالبية الأراضي الصالحة لزراعة القمح في سوريا.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير و تحقيقات إقتصادية