هل ينسف “مسار أستانا” خيارات الحل السياسي في سوريا؟

هل ينسف “مسار أستانا” خيارات الحل السياسي في سوريا؟
أستمع للمادة

عقب انتهاء القمة الثلاثية التي عقدت في العاصمة الإيرانية طهران، والتي استضاف فيها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي نظرائه؛ الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان، كثرت التساؤلات حول معاني التصريحات التي صدرت أثناء انعقاد تلك القمة، والأسباب الحقيقية لمعاني انعقاد تلك القمة، بخاصة وأن الأطراف الضامنة لـ”مسار أستانا” (روسيا، إيران، تركيا)، ليسوا على وفاق تام في ملفات الشأن السوري، سواء العملية العسكرية التركية المحتملة في الشمال السوري، أو حتى ملف النفوذ الإيراني على الأرض السورية واستمرار الغارات الإسرائيلية المستهدفة له.

تصريحات الرئيس أردوغان عقب القمة وشت بالكثير حول ما عناه بأن أنقرة ستعيد تقييم “مسار أستانا”، فرغم تأكيده بأن أنقرة ستعيد اهتمامها بهذا المسار، لكن ذلك يعني بأي حال من الأحوال وجود دور جديد لهذا المسار، فإما التخلي عن مرجعية جنيف كخيار أساسي للحل في سوريا، أو أن هناك خلافات بين تركيا والأطراف الأخرى الضامنة تسعى أنقرة لحلها خلال الفترة الحالية، أملا منها بتجاوز هذه الإشكالات التي تعيق تحقيق مصالحها.

الكثير من التقارير صدرت بعد طلب روسيا مؤخرا بنقل مقر أعمال اللجنة الدستورية من جنيف، وهو خطوة تدلل أيضا على احتمالية تشويه مسار الأمم المتحدة الذي ترعاه في جنيف لإيجاد حل سياسي حقيقي وكامل في سوريا، من قبل الدول الضامنة لـ”مسار أستانا”، فتركيا تريد تمرير أهدافها الجديدة في سوريا من خلال “أستانا” كالعملية العسكرية المرفوضة من المجتمع الدولي، وكذلك روسيا تريد إنهاء مسار “اللجنة الدستورية”، فيما الإيرانيين يريدون استغلال الملف السوري، للعودة بقوة إليه من جديد بعد الضغوط التي تواجهها كل من تركيا وروسيا، ما يقرب المسافات بينهم، وكذلك تريد طهران استغلال الملف السوري للمناورة فيما يتعلق بمفاوضات الاتفاق النووي.

التمهيد لحضور الأسد؟

يمثل الحديث التركي عن إعادة تقييم لمسار “أستانا” وفق مراقبين، بأنه حضور جديد، ينهي دور جنيف في الحل السوري ليكون المسار الذي خلقته الدول الثلاثة منصة لتمرير مصالح الأطراف الضامنة على حساب الحل السياسي الذي تراجعت احتمالاته خلال الفترة الماضية.

الباحث في العلاقات الدولية، محمد أمين، يرى أن الصور التي أظهرت الرئيس التركي، والزعيم الإيراني، والرئيس الروسي، خلال المحادثات التي عقدت في طهران، لم تعكس الخلافات الحقيقية بينهما. حيث أثار تضارب المصالح والرؤى بين الدول الثلاث قصفا روسيا في شمال غرب سوريا وضربات تركية استهدفت قوات الحكومة السورية.

يقول أمين، لـ”الحل نت”، إن “ملامح المشروع الإيراني واضحة ولا خلاف عليها. لكن مشاكل أردوغان تكمن في بوتين، الذي عرض استضافة محادثات قمة أستانا المقبلة في روسيا، وهذه المشاكل لها علاقة بالأسد”.

وتابع، “عندما قال بوتين إن القادة الثلاثة يريدون رؤية إجراءات ملموسة بشأن سوريا، كان في الواقع يرمي الكرة في ملعب أردوغان حيث كان يتوقع من الرئيس التركي أن يضغط على المعارضة السورية للقبول بوجود تغيير جذري في القمة القادمة وحضور للرئيس السوري”.

ويشير أمين، إلى أن خطاب بوتين في قمّة طهران أظهرت بالضبط المأزق الذي يواجهه الرئيس التركي، إذ يريده حلفاؤه الروس والإيرانيين أن يغلقوا باب الخلاف مع دمشق. ويريدون منه أن يتعامل بواقعية مع دمشق كما يقولون. “هم يعتقدون أن الأسد موجود ليبقى ويجب إشراكه في المحادثات سواء الآن أو غدا”.

فرصة لدمشق؟

في طهران، اتفق الرؤساء الثلاثة ، بحسب البيان الختامي للقمة، على رفض أي مخططات لتقسيم سوريا، والالتزام بسيادة البلاد، ومنع محاولات خلق واقع جديد على الأرض.

ووفقا لتحليل أمين، فقد أراد الروس من خلال هذه الرسالة دفع الأتراك نحو تطبيع علاقاتهم مع الأسد. ومع ذلك، فإن الأتراك لا ينظرون إلى الأسد والوضع برمته في سوريا على أنه مصدر قلق للأمن القومي فقط. بل إنه جزء من رؤيتهم الشاملة لمكافحة التهديدات الإرهابية، وقد سمح المسار الأمني ​​بالتنسيق بين الجانبين التركي والسوري، لذلك لا تشعر أنقرة بالحاجة إلى إضافة تنسيق سياسي إلى ذلك المسار.

وبالنسبة لدمشق، تعتبر قمة “أستانا” فرصة لوقف العملية التركية في شمال سوريا، وهي تندرج ضمن مساعي الأسد لإعادة بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية وإضعاف كل منافسيه.

وإذا ما رفضت تركيا العرض الروسي، فإنه وطبقا لحديث أمين، فإن موسكو ستلجأ إلى إعادة إحياء مسار اللجنة الدستورية، لا سيما وأن الروس رغم تعليقهم اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، إلا أن بوتين ألمح إلى إمكانية مساعدة تلك اللجنة على استئناف عملها دون مزيد من الانقطاع، لكن ستسعى إلى أن تنهي غطاء الأمم المتحدة عليها، في ظل المتغيرات العسكرية والسياسية الدولية.

تحولات مهمّة

يبدو أن المشهد السوري سيشهد تحولات مهمة في المدى المنظور، على ضوء نتائج قمة طهران الثلاثية التي عُقدت في 18 يوليو/تموز الحالي، بين الرؤساء الإيراني إبراهيم رئيسي والروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.

من أبرز التحولات التي رصدتها تقارير صحفية؛ هي “رجحان حسم ثنائية مساري أستانا وجنيف، والاتجاه نحو الإبقاء على الأول لإدارة الوضع من قبل الدول الضامنة الثلاث، وطي صفحة الثاني، الذي لم يحقق تقدما بعد جولات عديدة من اجتماعات اللجنة الدستورية، ولكنه أدى الغرض منه لجهة تمكين روسيا من كسب الوقت”.

والتحول الثالث هو إمكانية التقارب بين دمشق وتركيا، وهو ما تعمل عليه إيران منذ عدة أشهر، واتضح ذلك بعد أن خففت دمشق من نبرتها ضد أنقرة، في التصريحات التي تلاها وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، خلال المؤتمر الصحفي في طهران.

لهجة المقداد الجديدة، كانت أخف من تلك التي استخدمها خلال تصريحات سابقة استخدم فيها مصطلحات هجومية مثل “النظام التركي، والعدوان التركي، والاحتلال التركي”.

حيث قال المقداد حينها، إنه “لن يفيد تركيا ولا أي شخص آخر إذا كانت تركيا تريد اختراق الحدود السورية وإقامة مناطق آمنة، لأن هذا سيخلق نوعا آخر من الصراع بين الدولتين السورية والتركية”.

كما ذكر مقداد، أن دخول تركيا للحدود السورية على الرغم من انتشار القوات التركية في عشرات المواقع في شمال غرب سوريا، سيؤثر على العلاقة بين “الشعبين الشقيقين والصديقين لتركيا وسوريا”.

وفي إشارة إلى العلاقات بين تركيا وسوريا في الماضي، قال: “من المعروف أن لدينا خبرة طويلة في هذا المجال، انتعش خلالها الاقتصاد التركي، فيما شهد الاقتصاد السوري قفزات مماثلة”.

ولطالما واجهت التفاهمات والاتفاقيات بين الدول المعنية بالشأن السوري العديد من العقبات التي أدت إلى الإخفاق في تنفيذها أو عدم تنفيذها بالكامل، وهذا نتيجة تباين المصالح بين هذه الدول والخلافات التي تحكم تدخلها في سوريا، وهذا بدوره يشي بأنه حتى التفاهمات التي تم التوصل إليها في قمة طهران في 19 تموز/يوليو الفائت عرضة لنفس المصير.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول دولي