حقيقة إطلاق إيران قمرا صناعيا بدعم روسي.. بداية تصعيد جديد بالمنطقة؟

حقيقة إطلاق إيران قمرا صناعيا بدعم روسي.. بداية تصعيد جديد بالمنطقة؟
أستمع للمادة

في تطور غير مسبوق، ووسط تحولات على الساحة الدولية والإقليمية، أثارت روسيا الأوساط العامة حول مساعدتها لإيران في مجال تكنولوجيا الأقمار الصناعية، من خلال دعمها العسكري، الأمر الذي يثير قلق عدد من الدول، أبرزها إسرائيل.

هذا القلق الإسرائيلي، يكمن وراء رغبة تل أبيب في عدم امتلاك طهران لأي تقنية عسكرية أو غيرها من الأدوات التي قد تغير موازين القوى الحالي في المنطقة. على طرف آخر، يثير هذا التعاون استياء إسرائيل من التقارب الإيراني الروسي الأخير، بعد التوتر الذي شوه العلاقات بين موسكو وتل أبيب، منذ الغزو الروسي لأوكرانيا وموقف إسرائيل الداعم للغرب.

لكن، ثمة شكوكا عن صحة هذه التقارير الصادرة حول هذا التعاون رفيع المستوى بين موسكو وطهران، بالإضافة إلى التقليل من أهمية هذا التعاون، حيث بدد رئيس برنامج الفضاء الإسرائيلي المخاوف الإسرائيلية عندما قال: “حتى إذا كانت المعلومات المتعلقة بتزويد روسيا بقمر صناعي لإيران صحيحة، فإنها تفتقر إلى أي أهمية استراتيجية. بالنسبة للقارئ العادي، يبدو أن القمر الصناعي الذي يمكنه التقاط صور لأجسام يصل عرضها إلى 1.2 متر (أربعة أقدام) يبدو مذهلا.

ومع ذلك، قال إن أي دولة، بما في ذلك إيران، يمكنها الآن شراء صور الأقمار الصناعية من القطاع التجاري أفضل بثلاث مرات مقابل 10000 دولار فقط لكل لقطة.

لكن، وعلى الرغم من تأكيدات رئيس برنامج الفضاء الإسرائيلي، فلا شك أن التعاون مثير للقلق، وأن المخابرات الأميركية والإسرائيلية ستعملان بجد لمراقبة الأمر. لذا، من هنا تنبعث عدة تساؤلات حول ما إذا كانت روسيا ستزوّد إيران بالفعل بهذا القمر الصناعي قريبا، والثمن الذي تريده موسكو مقابل ذلك، وإذا ما زودت موسكو إيران بهذا القمر الصناعي، فهل ستشهد المنطقة تصعيدا آخر من نوع مختلف بين إسرائيل وإيران، وأخيرا، هل ستلعب موسكو على “حبل الابتزاز” مع كل من إسرائيل وإيران وتحصّل ما يمكن الحصول عليه من مكتسبات مصالحية من الطرفين مقابل حربها في أوكرانيا.

موسكو لن تجازف

ستضع روسيا في المدار، يوم الثلاثاء المقبل قمرا صناعيا للاستشعار عن بعد يعود لإيران، وفق ما أعلنت عنه روسيا، يوم الأربعاء الفائت، في خطوة تأتي في أعقاب زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى طهران الشهر الماضي.

وأفادت منظمة الفضاء الإيرانية، الأربعاء أنه “في ظل تعاون مشترك مع روسيا، سيتم إطلاق القمر الصناعي الإيراني (خيَّام) من محطة بايكونور الفضائية في كازاخستان الأسبوع المقبل، بواسطة الصاروخ الحامل للأقمار الصناعية سويوز”.

ويهدف القمر الصناعي إلى “مراقبة حدود البلاد” وتحسين الإنتاجية في مجال الزراعة، ومراقبة موارد المياه وإدارة المخاطر الطبيعية، وفق ما أفادت وكالة الأنباء “إرنا” الإيرانية.

لكن، ورغم استخدام غطاء من الأغراض الزراعية والمائية، فقد أشارت التقارير، إلى أن القمر الصناعي سيساعد في مراقبة حدود إيران، واستخدامات أخرى غير محددة. وهذا هو الجزء الذي يثير القلق في إسرائيل والولايات المتحدة، بحسب تقرير لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية.

وستمنح المساعدات العسكرية الروسية طهران قوة كبيرة في تأمين حدودها ضد أي عملية عسكرية، قد تنوي إسرائيل فعلها لوقف برنامج طهران النووي، في نفس الوقت قد يساهم في مساعدة طهران في تنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل، وفق الصحيفة الإسرائيلية.

وفي هذا السياق يرى الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني، نزار جاف، إن السؤال الذي يجب طرحه هو: “ما هو نوع التحالف والتعامل الروسي الإيراني، وهل هو تحالف وتعاون استراتيجي طويل الأمد، أم تحالف تكتيكي مؤقت وتعاون لأهداف محددة”، ووفق اعتقاد جاف، فإن هذا ليس تحالفا وتعاونا استراتيجيا على الإطلاق، لأنه إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن روسيا ستلقي كل كراتها في السلة الإيرانية الخرقاء، وهذا مستحيل تماما.

وأردف في حديثه لـ”الحل نت”، أن “كل من روسيا وإيران في وضع صعب، وهما بحاجة ماسة إلى مد يده للآخر، خاصة وأن إيران قدمت تنازلات كثيرة لروسيا، ليس فقط في سوريا، ولكن في مختلف المجالات فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية، والاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن بحر الخزر (قزوين) نموذج على ذلك، ولكن في الوقت نفسه، فإن الوضع والموقف الروسي ليس صعبا كما نجد إيران، وبالتالي، فإن روسيا ليست مندفعة باندفاع الإيرانيين، وهي تفكر بمنطق المصالح بعيدة المدى، ولا أعتقد بأن روسيا ستفرط بالغرب وإسرائيل بل وحتى السعودية، التي تشهد علاقاتها الثنائية تقدما غير مسبوق”.

ووفق تقدير جاف، فإن روسيا لن تجازف بتزويد إيران بهذا القمر الصناعي في القريب العاجل، ولا أعتقد أن هذا القمر الصناعي سيكون ذا جودة عالية جدا في حال زودتها. وبطبيعة الحال فإن روسيا ستطلب من إيران مقابل ذلك، المزيد من التنازلات الإيرانية والإقليمية، لتجعل من إيران خاضعة، وليس شريكا مستقلا بحد ذاته.

علاقة مصالحية مؤقتة

المحلل السياسي المختص في الشأن الإيراني، صلاح الأحوازي، قال “إن روسيا تعمل منذ عقود على السيطرة على كل ما هو بنية تحتية واستراتيجية فيما يعرف بالجغرافيا السياسية لإيران، لإزاحة الغرب عما تملكه إيران من موقع جغرافي فوق استراتيجي والحدود والموانئ على المياه الدافئة على الضفة الشرقية للخليج العربي وكذلك ثروة النفط والغاز ومشتقاتهما بشكل كبير، وبدأت ذلك بالتعاون وإنشاء محطة “بوشهرين” النووية في تحد أمام دول غربية، عندما بدأت نشاطها النووي في إيران نهاية الستينيات من القرن الماضي”.

وأضاف الأحوازي لـ “الحل نت”، أن “روسيا عملت بعد ذلك على دعم إيران بمشروعها الصاروخي وتدريب طياريها على الطائرات التي استولت عليها خلال حرب احتلال العراق عام 2003، والدبابات والهندسة العسكرية، حيث تلقت روسيا أعدادا كبيرة من الضباط والمتعلمين العسكريين في كلياتها العسكرية ومراكزها التدريبية لتكنولوجيا الحرب المتقدمة، لتكون قادرة بشكل كبير على التغلغل في “الحرس الثوري” و”الجيش الإيراني” من حيث التسلح والانتماء العسكري. كما تعاونت إيران وروسيا بشكل مكثف في الحرب في سوريا للحفاظ على (النظام السوري) وبالتالي الحصول على مكاسب استراتيجية إقليمية في مواجهة الغرب وبعض الدول العربية.

وبعد تصاعد الأزمة الإيرانية الغربية بشأن الملف النووي الإيراني، وجدت روسيا والصين نفسيهما المدافع الأول عن إيران مقابل السيطرة الكاملة على الاقتصاد الإيراني، كما قام البلدان بإبرام اتفاقيات طويلة الأمد، ظاهرها اقتصادي وباطنها أمني لحماية النظام الإيراني من السقوط، الأمر الذي يضعنا أمام حقيقة لا شك فيها أن روسيا، ستقدم لإيران بكل ما يبقيها قوية وحليف، وذلك في سبيل “تبادل المصالح”.

وبحسب تقدير الأحوازي، فإن المنطقة ستشهد تصعيدا للصراع من جميع جوانبه، كما هو الحال فعليا. ولكن، هذا الصراع سيخدم الأطراف الدولية وإسرائيل، حيث ستواصل روسيا والصين اللعب على حبال الصراعات وتكريسها وتوسيعها من أجل استمرار هيمنتها على إيران واستغلال أزماتها مع الدول العربية والدول الغربية واستفزاز الدول في المنطقة، الأمر الذي سيجعلهم يقتربون من بعضهم البعض، ومع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وكذلك موسكو ستحاول ابتزاز إسرائيل ضمن هذا الملف لكسب تأييدها، ومن ثم إبرام بعض الاتفاقيات معها لتجنب الصراع المباشر وخلق حالة من التوازن في العلاقة معها في مواجهة إيران.

قد يهمك: عام على استلام إبراهيم رئيسي السلطة في إيران.. مخاطر وتحديات

ردود إسرائيل وأميركا

منتصف حزيران/يونيو، قالت صحيفة “واشنطن بوست” أن روسيا تستعد لتزويد إيران بقمر صناعي متقدم، يُمكِّنها من تتبع الأهداف العسكرية المحتملة في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ مما أثار مخاوف في معظم دول المنطقة.

وفقا للتقرير، ستتولى موسكو عملية الإطلاق، ثم تُسلِّم السيطرة إلى إيران على القمر الصناعي “Kanopus-V” المجهز بكاميرا عالية الدقة في غضون أشهر معدودة.

من جانبهم، أعرب مسؤولون إسرائيليون مجهولون، للإذاعة الإسرائيلية “كي أي أن”، عن قلقهم إزاء هذا التقرير، بينما لم يصدر عن المسؤولين الأميركيين أية ردود علنية، سوى القليل لتبديد الغموض المحيط بهذا التعاون. أيضا، كان المسؤولون قلقين من أن طهران قد تحصل على صور وتمررها إلى وكلاءها مثل “حزب الله” وحركة “حماس”؛ لزيادة دقة وفعالية قوتهم في التحرك بالمنطقة.

وبالعودة إلى الكاتب المتخصص في الشؤون الإيرانية، نزار جاف، قال إن إسرائيل، والولايات المتحدة تدركان جيدا أن الروس لن يذهبوا بعيدا في علاقاتهم مع إيران، التي أدارت ظهرها بسبب نهجها المقلق، وقد تقلب لهم ظهر المجن عن حدوث تقاطع نوعي وهو احتمال قائم، من ناحية أخرى، وفق رأي جاف، فإن الوضع في إيران بشكل أساسي غير مستقر وقد يشهد تطورات غير متوقعة مقارنة بما حدث في أواخر 2017 و2019.

بل والأسوأ من ذلك، خاصة وأن السنة الأولى من ولاية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، قد أثبتت أن النظام يقف على أرض تشبه الرمال المتحركة، بالإضافة إلى أن الشارع الإيراني ينظر بشك وريبة في العلاقات الإيرانية الروسية، في مختلف المجالات وترى أن روسيا تحلب إيران مثل البقرة، وكذلك العلاقات الإيرانية الصينية، وروسيا تدرك كل هذا، وبالتالي فموسكو تلعب على “حبل الابتزاز” مع مختلف الأطراف من أجل تحقيق مصالحها فقط، في ختام حديث جاف لـ”الحل نت”.

قد يهمك: حرب جديدة بين “حزب الله” وإسرائيل بسبب الحدود البحرية؟

“يفقد الأهمية الاستراتيجية”

في المقابل، نادرا ما يعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإجراءات التي تتخذها بلاده، والتي لا يوافق عليها الكثير من العالم؛ لذلك قد تكون الإعلانات الأخيرة غطاءً خفيا لأهداف أكثر خداعا، كما تقول الصحيفة الإسرائيلية.

كان تقرير منتصف حزيران/يونيو، قد ذكر أن القمر الصناعي الجديد سيسمح “بالمراقبة المستمرة للمنشآت التي تتراوح من مصافي النفط في الخليج العربي، والقواعد العسكرية الإسرائيلية إلى الثكنات العراقية التي تأوي القوات الأميركية”، نقلا عن ثلاثة مصادر لم تُسمهم؛ وهم مسؤول أميركي حالي، وآخر سابق، ومسؤول حكومي شرق أوسطي رفيع، مطلعين على الصفقة.

كما وأفادت التقارير، بأن مسؤولي “الحرس الثوري الإيراني” سافروا في عدة رحلات إلى روسيا منذ عام 2018 للمساعدة في التفاوض على الاتفاقية، وأن الخبراء الروس سافروا إلى إيران هذا الربيع لتدريب الأطقم التي ستُشغِّل القمر الصناعي من منشأة بُنِيَت حديثا بالقرب من بلدة كرج غرب طهران.

هذا ولم تُعلِق الولايات المتحدة بعد على تعاون الأقمار الصناعية الروسي الإيراني الأخير، على الرغم من كل المخاوف المذكورة أعلاه، فإن رئيس برنامج الفضاء الإسرائيلي، اللواء إسحق بن إسرائيل، بدد تلك المخاوف في منتصف حزيران يونيو الفائت، وقال: “من يدري ما إذا كان هذا صحيحا”، ولكن حتى لو كان التقرير صحيحا، قال إنه يفتقر إلى أية أهمية استراتيجية”.

قد يهمك: الغارات الإسرائيلية على سوريا.. خلافات مع روسيا؟

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول عربي و دولي