نجاحات أوكرانية متتالية في استرداد مدن محتلة.. ما النتائج؟

نجاحات أوكرانية متتالية في استرداد مدن محتلة.. ما النتائج؟
أستمع للمادة

هجوم مباغت وسريع شنته القوات الأوكرانية، على القوات الروسية في أوكرانيا، خلال اليومين الماضيين، في محاولة جريئة من كييف، لتمتلك زمام المبادرة العسكرية بعد مرور سبعة أشهر على الغزو الروسي لأوكرانيا، بغية تحقيق مكاسب وأهداف على مستويات عدة؛ عسكرية وسياسية. ويبدو أن هذا الهجوم جزء من خطة كييف الجديدة التي طال انتظارها، والتي اقتربت من التقدم بسرعة نحو خط السكة الحديدية الرئيسي، الذي يزود القوات الروسية في الشرق، بعد انهيار جزء من خط المواجهة الروسي، الذي تسبب في التحول الأكثر دراماتيكية في زخم الحرب منذ أسابيعها الأولى.

لكن هذا الهجوم المضاد يحيط به الغموض حول سير عمليات عسكرية على المحور الشمالي الشرقي باتجاه مدينة خاركيف الاستراتيجية قرب الحدود مع روسيا، رغم تأكيد السلطات الأوكرانية حدوث اختراق عسكري في المنطقة، وتحرير حوالي 30 بلدة، وهذا يقابله نفي روسي، وإرسال تعزيزات إضافية من موسكو إلى هناك.

ورغم أن دخول القوات الأوكرانية إلى بعض المدن وتحريرها من القوات الروسية، واعتبارها أكثر من مجرد انتصار عسكري في حرب طاحنة منذ أشهر، ودخوله منعطفا جديدا، إلا أن هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤلات جمة حول أسباب هذا التقدم الأوكراني المباغت، وما إذا كان سيؤدي إلى إرباك القوات الروسية، بحيث يسهم هذا الزخم إلى تزايد حدة التصعيدات العسكرية بين الطرفين المتحاربين.

بفضل الدعم الغربي؟

القوات الأوكرانية، حققت تقدما ملحوظا خلال الأيام الماضية، وعلى إثره حررت القوات الأوكرانية مدينة إيزيوم، يوم أمس السبت، ليكون ذلك أكثر من مجرد انتصار عسكري في حرب طاحنة تقترب من إتمام شهرها السابع.

ووفق تقرير لشبكة “سي إن إن”، فإن تحرير إيزيوم، شرق أوكرانيا قد تجعل الحرب تدخل منعطف جديد: مرحلة تتدافع فيها القوات الروسية للاحتفاظ بالأراضي التي استولت عليها خلال الأشهر الستة الماضية.

أدى استعادة إيزيوم، إلى رفع الروح المعنوية الأوكرانية وتزويد البلاد بمركزها الخاص للعمليات في الشرق، وحرمان روسيا من مركز مهم للحفاظ على حركة آلة الحرب الخاصة بها، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”.

وردا على الانتصارات الأوكرانية، أكدت روسيا، السبت، أنها ستسحب قواتها من منطقة خاركيف، الواقعة في شرق أوكرانيا، عند الحدود مع روسيا، وذلك في وقت أعلنت فيه كييف، أن جيشها سيطر على مركز لوجستي مهم في المنطقة، في إطار هجوم مضاد وخاطف.

وقالت وزارة الدفاع الروسية، إنه “من أجل تحقيق أهداف العملية العسكرية الخاصة لتحرير دونباس، اتُّخذ قرار بإعادة تجميع القوات الروسية المتمركزة في منطقتي بالاكليا، وإيزيوم، لدعم الجهود على الجبهة في دونيتسك”.

وفي هذه الأثناء، أكد قيادي انفصالي موالٍ لروسيا في شرق أوكرانيا، أن منطقة دونيتسك، تشهد معارك “صعبة” بين القوات الروسية والأوكرانية، وفق تقارير غربية.

في هذا السياق يرى الباحث في الشأن الروسي، دميتري بريجع، أنه من الواضح أن التدريبات التي خضعت لها القوات الأوكرانية والأسلحة التي قدمتها لها الولايات المتحدة الأميركية، ودول غربية أخرى ساعدت الجانب الأوكراني، على التقدم في محاور مختلفة في حربها ضد روسيا.

 ووفق تقدير بريجع، فإن هذا التقدم جاء نتيجة للمعلومات الاستخباراتية التي قدمتها الولايات المتحدة، للجانب الأوكراني، بالنظر إلى أن المخابرات الأميركية تقدم معلومات حول وجود القوات الروسية في مناطق مختلفة على الأراضي الأوكرانية، على حد تعبيره لموقع “الحل نت”.

وأيضا، حول أسباب هذا التقدم الأوكراني المباغت على عدة جبهات ضد روسيا، يضيف بريجع: “اعتقد أن هناك خطة رسمت من قبل القوات الروسية للانسحاب من بعض المناطق حرصا على الأرواح والخسائر البشرية، نظرا لأن القوات الأوكرانية هاجمت هذه المناطق بكثافة قوية”.

قد يهمك: تضارب روايات حول معارك جنوب أوكرانيا.. ماذا يحصل؟

ضعف الخطة الروسية

حول هذه التطورات الجديدة على الساحة الأوكرانية، قال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إن نشر موسكو تعزيزات يظهر أن روسيا تدفع “ثمنا باهظا”.

الباحث في الشأن الروسي، ديمتري بريجع، بحسب رأيه، يشير إلى أن الخطة الدفاعية للقوات الروسية كانت ضعيفة للغاية، وكان ذلك سببا للانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها كييف مؤخرا.

ولفت بريجع، إلى أن هناك حديث وسيناريو آخر حول سبب الانسحاب الروسي، وهو أن القوات الروسية سمحت للقوات الأوكرانية بدخول هذه المناطق، بغية العمل فيما بعد على هجوم مضاد على هذه المناطق مرة أخرى، وقتل عدد كبير من القوات الأوكرانية. وبحسب تقدير بريجع، فإن التحليلين، أو السيناريوهين يُرجح أن تكون صحيحة، وليست بعيدة عن ساحة المعركة الدائرة، خاصة وأن القوات الروسية سمحت في وقت سابق للقوات الأوكرانية بدخول بعض المناطق ثم هاجمتها وحاصرتها، ومن المرجح أن نفس الشيء يتكرر، وبالتالي المزيد من التصعيد والخسائر بين الطرفين، ودخول الحرب إلى مرحلة أخرى أكثر حدّة ودموية.

هذا ويتوقع مراقبون وخبراء أن تعلن القوات الأوكرانية انتصارات جديدة في منطقة خاركيف، المحاذية لروسيا والتي سيطر عليها الجيش الروسي أو قصفها بالمدفعية على مدى شهور. وضمن هذا الإطار، قال أستاذ دراسات الحرب بكلية كينغز لندن، السير لورانس فريدمان، “إنها ذات أهمية تاريخية”.

وأضاف في حديثه لصحيفة “التايمز”، أنها “قد تكون نقطة تحول. لا نعرف تماما كيف سينتهي الأمر، ولكن هناك الكثير من الذعر والقلق بين القوات الروسية في الوقت الحالي”.

وقال متحدث باسم لواء “بوهون”، التابع للقوات البرية الأوكرانية، في بيان بعد ظهر يوم أمس السبت، “فر الروس وتركوا أسلحة وذخائر ورائهم”.

قد يهمك: ورقة قوية لتغلب أوكرانيا على الغزو الروسي

ما المصير؟

في المقابل، شهدت الأيام الخمسة الماضية أكثر الهجمات البرية طموحا من قبل الأوكرانيين، منذ أن شنت روسيا غزوها الشامل في أواخر شباط/فبراير الفائت، كما وتظهر صور الفيديو والأقمار الصناعية التي حددتها شبكة “سي إن إن”، جغرافيا، التقدم شمل هجمات متواصلة على مواقع القيادة ومخازن الذخيرة، واحتياطيات الوقود بعيدا عن الخطوط الأمامية.

وقال مسؤول أميركي رفيع لم تكشف “سي إن إن” عن هويته، إن القوات الأوكرانية حققت بعض النجاح في مهاجمة خطوط الإمداد الروسية، بقصد قطع وعزل القوات الروسية غربي نهر دنيبرو.

ووفق تقارير غربية، فإن أوكرانيا فتحت جبهة جديدة ضد الدفاعات الروسية على حدود منطقتي دونيتسك، ولوغانسك، ولفت رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية في لوغانسك، سيرغي غايداي، إلى أن مدينة ليسيتشانسك، كانت هدفا للهجوم الجديد.

الجدير ذكره، أن ليسيتشانسك، آخر مدينة في منطقة لوهانسك بشرق أوكرانيا، تقع تحت السيطرة الروسية في تموز/يوليو بعد أسابيع من القتال العنيف.

قوات أوكرانية في خاركيف – Getty images

ويبدو أن إعلان موسكو عن سحب القوات، وتأكيد كييف أن قواتها دخلت بلدة كوبيانسك، بمثابة تحوّلين ميدانيين أكثر أهمية في القتال شرق أوكرانيا، حيث رجّحت الكفة لصالح موسكو على مدى شهور.

واللافت أن الجنرال الأوكراني، فاليري زالوجني، أكد أنه “منذ مطلع أيلول/سبتمبر، عاد أكثر من 3000 كيلومتر مربع إلى السيطرة الأوكرانية. وفي محيط خاركيف، بدأنا التقدّم ليس في الجنوب والشرق فحسب، بل أيضا باتّجاه الشمال. نحن على بعد 50 كلم عن الحدود”.

في حين، قال الباحث الأمريكي، مارك إبيسكوبوس في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية، إنه رغم أن الوضع على الأرض لايزال مائعا، فإن هناك مؤشرات أولية على أن القوات الروسية نجحت جزئيا على الأقل في إحباط النجاحات الأوكرانية الأولية في منطقة خيرسون.

وأردف إبيسكوبوس، أنه من الصعب بالنسبة لأوكرانيا أن تحقق مكاسب سريعة في الجنوب؛ لأن روسيا كانت تعلم بهجوم مضاد محتمل كان يتم الإعداد له، وكانت تستعد له منذ شهور، وكانت تعزز تدريجيا موقعها في منطقة خيرسون، بالدفع بقوات ومعدات إضافية، على حد وصفه.

وأعرب محللون عسكريون عن القلق من أن أوكرانيا، يمكن أن تجازف بالمزايا الكامنة لشن حرب دفاعية، إذا شنت هجوما بريا واسع النطاق ضد عدو يتمتع بالتفوق كمّا وكيفا.

ونوّه إبيسكوبوس، بقوله، إن الخبراء ما زالوا يثيرون تساؤلات بشأن قدرة أوكرانيا على ترجمة نجاحاتها المتفرقة في بلدات وقرى إلى أنواع من عمليات برية واسعة النطاق، سوف تكون مطلوبة لطرد القوات الروسية، من مواقعها الحصينة في مدن أكبر بما في ذلك خيرسون، وميليتوبول، وبيرديانسك.

مدفعية أوكرانية تتمركز في منطقة خاركيف وتواصل قصف مواقع روسية “رويترز”

وكان رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، الجنرال مارك ميلي حذر يوم الخميس الماضي من أنه من المبكر تقييم تقدم الهجمات المضادة الأوكرانية في المناطق الجنوبية والشمالية الشرقية. وأضاف: “الحرب لم تنتهِ. روسيا دولة كبيرة، ولديها طموحات خطيرة للغاية فيما يتعلق بأوكرانيا”.

وعليه، تحاول روسيا استعادة منطقة خاركيف، ومنطقة زاباروجيا، ومن ثم مناطق أخرى بإرسال تعزيزات عسكرية هناك، كي لا يتم انطلاقا منها توجيه ضربات على منطقتي دونيتسك، ولوغانسك، خاصة وأن هذا الصراع العسكري لم يشهده العالم منذ أكثر من 30 عاما الماضية، وبالتالي فإن التغييرات والتقدم والتراجع في مسار المعارك، هي سمة لهذا النوع من الصراع.

قد يهمك: الهجوم المضاد بدأ.. تقدم الجيش الأوكراني يربك حسابات الروس

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة