“حماس” تُعيد علاقاتها مع دمشق رسمياً.. ما الذي يحصل؟

“حماس” تُعيد علاقاتها مع دمشق رسمياً.. ما الذي يحصل؟
أستمع للمادة

بعد عدة أشهر على الحديث عن عودة العلاقات بين دمشق وحركة “حماس” الفلسطينية، أعلنت الحركة يوم أمس الخميس، في بيان رسمي تأكيدها على عزمها بناء وتطوير “علاقات راسخة” مع دمشق، في إطار قرارها باستئناف علاقتها معها.

البيان جاء تحت عنوان “أمة واحدة في مواجهة الاحتلال والعدوان”، وقوف “الحركة” مع سوريا، في ظل ما تتعرض له الأراضي السورية من “عدوان غاشم” في إشارة إلى الضربات الإسرائيلية، وما وصفته من “محاولات تقسيم سوريا، وإبعادها عن القضية الفلسطينية”، وفق وصفها.

وأكدت “حماس” عبر البيان، إدانتها للقصف الإسرائيلي المتكرر على سوريا، وخصت قصف مطاري دمشق وحلب بالذكر.

استعادة العلاقات في هذا الوقت بعد قطيعة استمرت نحو 10 سنوات بين الطرفين على إثر خروج مكاتب حماس من دمشق بعد اندلاع الاحتجاجات في عام 2011، وعدم وقوف الحركة آنذاك مع حكومة دمشق، تطرح تساؤلات عديدة، حول توقيت عودة العلاقات، ومكاسب كل من الحركة ودمشق وطهران من ذلك، إضافة إلى تبعات عودة العلاقات وانعكاسها على الحركة على العديد من المستويات.

إعادة بناء للتحالفات؟

“الحركة” عبّرت عن تقديرها لحكومة دمشق، بسبب وقوفها مع القضية الفلسطينية، بحسب ادعائها، مع أملها باستعادة مكانتها العربية والإسلامية، في إشارة من “حماس” إلى جهود بعض الدول العربية لإعادة العلاقات مع دمشق وتفعيل مقعده في القمة العربية.

خالد مشعل وبشار الأسد “أرشيف”

مقدمات حملها بيان عودة العلاقات يرتبط بالتحالفات الأخيرة في المنطقة، وعمليات إعادة الاصطفاف التي قامت بها بعض الدول، وخاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا الذي أحدث تغييرا في معالم السياسة العالمية، ما دفع بالحركة لإيجاد محورها التي تصطف فيه.

الكاتب السياسي الفلسطيني، أحمد الحسين، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن ما قامت به “حماس” هو إعادة لبناء التحالفات في ظل التغيرات الجديدة في العلاقات الدولية خاصة في المنطقة، وهذا بناء على رغبتها خاصة بعد تطبيع بعض الدول مع إسرائيل.

يضيف الحسين، بالإضافة إلى رغبة “حماس” باستعادة العلاقة مع دمشق، هناك رغبة لديها بتمتين العلاقة مع إيران التي دفعت بقوة نحو هذه المصالحة بين الطرفين، كما أن “حماس” ترغب بالتخلص من التضييق الذي تواجهه من قبل بعض الدول العربية.

وحول التوقيت يشير الحسين، إلى أن هناك مفاوضات بين “حماس” ودمشق برعاية إيرانية تجري منذ عدة أشهر لاستعادة العلاقات، وبمجرد أن انتهت تم الإعلان عنها، ولكن خلال تلك المفاوضات فُرضت العديد من الشروط على حماس أبرزها الالتزام بالسياسات الإيرانية بشكل كامل.

إقرأ:صورة الرفاعي وهنية: هل تستطيع المعارضة الإسلامية السورية إدانة حركة حماس؟

أسباب عودة العلاقات ومن المستفيد؟

لا شك أن عودة العلاقات بين دمشق و”حماس” لها أسباب عديدة، على الرغم من تجاهل حكومة دمشق حتى يوم أمس لبيان الحركة، ومهاجمة الإعلام السوري حتى فترة قريبة للحركة واتهامها بأنها غدرت بالمقاومة على خلفية إغلاق مكاتبها في 2011.

أحمد الحسين، يرى أن للأطراف الثلاثة (طهران ودمشق وحماس) أسباب تدفعها لهذه الخطوة ولكن الأسباب الرئيسية تتعلق بطهران ودمشق بشكل خاص، فطهران تريد إحكام سيطرتها على كل الفصائل في المنطقة ومن بينها الفلسطينية للاستمرار بالادعاء داخليا أنها المدافع الأول عن فلسطين والمسجد الأقصى كما تكرر دائما في خطاباتها.

أما دمشق فتريد من عودة هذه العلاقة أن تستعيد احتضان الفصائل الفلسطينية لتلعب من جديد دور الداعم للقضية الفلسطينية، وذلك في محاولة لإضفاء شرعية تراها دمشق مهمة من الناحية الشعبية على سلطتها، والتي تقوم على استغلال العداء بين “حماس” وإسرائيل ودمشق وإسرائيل، ما يعزز من فكرة عودة محور المقاومة إلى الواجهة.

وبالنسبة لمكاسب “حماس” فهي الأقل مقارنة بطهران ودمشق إذ أن خطوتها هي هروب للأمام في ظل التضييق الممارس ضدها عربيا ومن قبل إسرائيل والمجتمع الدولي، بينما تبعات هذه العلاقة السلبية أكبر من مكاسبها بمرات عديدة.

قد يهمك:لهذه الأسباب أعادت حماس علاقاتها مع دمشق

تبعات عودة العلاقات

عودة العلاقات بين “حماس” ودمشق تحمل العديد من التبعات، والتي ليست على مستوى واحد فقط، إنما ستكون على مستويات عدة، تتعلق بدمشق و”حماس” والقضية الفلسطينية إضافة إلى الموقف الإسرائيلي من ذلك.

وبحسب الحسين، فإنه من الملاحظ أن “حماس” انقادت لإيران بشأن عودة العلاقات مع دمشق؛ وفق الرؤية الإيرانية، والسياسية الإيرانية في المنطقة، فـ”حماس” حتى الآن لم تحدد طبيعة علاقتها بإيران وهنا لا بد من التمييز بين أمرين تُبنى عليهما تبعات هذه العلاقة.

المرشد الإيراني علي خامنئي ورئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية “وكالات”

الأمر الأول، تأثر “حماس” بمواقف السياسية الإيرانية المعادية للدول العربية وتأييدها ولو ضمنيا للتدخلات الإيرانية في الدول العربية التي تتواجد فيها، فهنا ستواجه “حماس” عزلة عربية كبيرة وإضافية، أما الثاني فهو عدم تأثر إيران بالسياسة الإيرانية والإعلان من قبلها أن العلاقة مع إيران وحكومة دمشق هي فقط من أجل القضية الفلسطينية دون شيء آخر؛ فربما تستطيع إبقاء بعض التوازن في علاقاتها مع بعض الدول العربية، ولكن حتى الآن لم تصرح الحركة عن طبيعة هذه العلاقة والهدف منها وهو ما يرجح الخيار الأول، بحسب الحسين.

وهناك تبعات أخرى تتصل بعودة “حماس” إلى دمشق، تتعلق بالاستهداف الإسرائيلي المستمر لسوريا، فسوريا باتت مستباحة أمام القصف الإسرائيلي وهي لم تعد آمنة لوجود مكاتب وقيادات “حماس” كما كان الحال قبل العام 2011، وإسرائيل لن يرضيها عودة هذه العلاقة؛ لذا لن تكون مكاتب الحركة وقادتها في دمشق بمنأى عن القصف الإسرائيلي.

أما على المستوى الفلسطيني، فهناك علاقة “حماس” بالشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين، حيث ستخسر “حماس” شريحة كبيرة من حاضنتها الشعبية خاصة في قطاع غزة، إضافة لخسارة حاضنتها من فلسطينيي سوريا خاصة بعد ما تعرضوا له خلال السنوات الماضية من قتل وتشريد واعتقال على يد حكومة دمشق.

وأما على مستوى العلاقة الرسمية الفلسطينية الفلسطينية، فإن خطوة “حماس” ستعمق الشرخ بين الحركة التي وضعت نفسها في حلف إيران وحزب الله وحكوم دمشق، في الوقت الذي تقف فيه السلطة الفلسطينية في رام الله في حلف مضاد تماما، بحسب الحسين.

إقرأ أيضا:“حماس” والأسد.. لماذا عادت العلاقات؟

الإعلان عن عودة العلاقات تكرر من قبل!

في نهاية حزيران/يونيو الماضي، أكد عضو المكتب السياسي لحركة “حماس“، ومسؤول العلاقات العربية في الحركة، خليل الحيّة، أن قرار الحركة النهائي، هو السعي من أجل استعادة العلاقة مع سوريا بعد نقاشات مع أطراف مختلفة بالحركة.

وقال الحيّة في تصريحات صحفية اطلع عليها “الحل نت” آنذاك،“جرى نقاش داخلي وخارجي (على مستوى حركة حماس) من أجل حسم النقاش المتعلق باستعادة العلاقات مع سوريا”.

وأضاف، “بخلاصة النقاشات التي شاركت فيها قيادات ،وكوادر ومؤثرون، ومعتقلون داخل السجون، تم إقرار السعي من أجل استعادة العلاقة مع دمشق”.

الكاتب والمحلل السياسي حسام نجار، رأى في وقت سابق أن حركة “حماس” ومنذ إعلانها قطع علاقاتها مع دمشق قبل نحو عشرة سنوات، “تركت الباب مواربا، و تركت شعرة معاوية مع النظام السوري”.

وقال نجار في حديثه لـ“الحل نت“: “من خلال تحليل أسباب عودة العلاقات، نجد إيران، هي السبب الرئيس وقد يكون الوحيد، و من المحتمل أن تكون هناك ضغوطات إيرانية كوقف الدعم عن حماس إن لم يتم الانصياع للأوامر بالتطبيع مع دمشق”.

وأشار إلى أن الحركة تخلّت عن مبادئها في سبيل استمرار قنوات الدعم المالي والعسكري من إيران، فتحولت إلى أداة يحركها المال الإيراني، و“أصبحت بعيدة كل البعد عن المبادئ التي انطلقت منها”.

وأردف نجار، “كذلك ستخرج حماس كتصنيف شعبي من قائمة حركات التحرر، و ستنضم لقائمة أعداء أمريكا واسرائيل والعرب، سيكون قادتها غير مرحب بهم حتى في الأردن أقرب الأقرباء لهم، فقد أحس الاردن متأخرا، خطر إيران لذلك سيكون حذرا في التعامل مع قادة حماس”.

وبحسب مختصين لـ”الحل نت”، في وقت سابق، فإن القرار الأخير لـ”حماس” أشار إلى منعطف غير متوقع لدى الحركة، وهي التي كانت ترفض عودة علاقاتها مع دمشق وتنفي احتمالية حدوث ذلك خلال الثلاث سنوات الماضية، بعد انتشار أكثر من شائعة تفيد بحدوث هذا التقارب.

كما أن عودة العلاقات إذا ما تمت بشكل رسمي، فهي قد تكون بدفع إيراني، خاصة وأن طهران تعتبر الداعم الأكبر لـ”حماس”، فضلا عن أن كثير من المراقبين يعتبرون الحركة الفلسطينية ذراعا لإيران في فلسطين، على غرار “حزب الله” في لبنان.

إقرأ:ماذا تريد “حماس” من دمشق وما دور “حزب الله”؟

جدوى العلاقات

حول جدوى إعادة العلاقات بين “حماس” ودمشق للطرفين، وكذلك بالنسبة لـ “حزب الله”، توقع المحلل السياسي كريم شفيق، في وقت سابق، أن تزداد العلاقات بين الطرفين على خلفية تراجع فرص عودة دمشق إلى محيطها العربي؛ وبالتالي غياب وجودها في محيطها الإقليمي الحيوي، ومن ثم فهي بحاجة إلى خرق هذا الحصار من خلال “حماس” واللعب بالقضية الفلسطينية، فضلا عن دور “حماس” الإقليمي المتعدد مع أطراف خارجية، لكن مصلحة “حماس” تبقى الأقل ضمن هذه المعادلة، من حيث تأثيرها السلبي على علاقاتها الخارجية، خاصة أنها ستكون ضمن المحور الإيراني بمجرد عودة التطبيع مع دمشق، كما سيترتب عليها انقسامات داخلية عديدة لاحقا، فضلا عن تراجع شعبيتها.

أما عن محاولة طهران، أن تكون ربيبة كل هذه الأطراف لحشد ميليشياتها من أجل خدمة مشروعها في المنطقة، وإعادة تفعيله بشكل أكبر، فأكد شفيق، أن موضوع إعادة العلاقات بين حركة “حماس” ودمشق جاء بعد وساطات أو بالأحرى ضغوطات من إيران وذراعها الإقليمي “حزب الله”، نظرا لما تقدمه طهران من دعما كبيرا؛ ماليا وعسكريا لـ”حماس” إضافة إلى دعم طهران لدمشق لسنوات طويلة في حربها في سوريا، وبالتالي فإن الطرفين مضطرين إلى تنفيذ ما تفرضه إيران عليهما، وبالتالي إيران لن تتوانى في الاستثمار في إعادة هذه العلاقات، من جهة تمرير أهدافها ومصالحها وطموحاتها في المنطقة، من حيث تمرير أجندتها وتوسيع قاعدة ميليشياتها في مواجهة إسرائيل، لاسيما بعد إعلان الأخيرة مؤخرا بشكل صريح ومباشر أنها ستستهدف إيران من كل حدب وصوب، خاصة وأن “حماس” هي التي تقود صداما مباشرا مع إسرائيل.

واختتم شفيق حديثه بالقول: “إن عودة العلاقات واستعادتها ستكون تدريجية وعلى عدة مراحل، لأن هذا يتطلب الكثير من الوقت لإعلان كل شيء علانية”.

قد يهمك:المعارضة والنظام واللعب على وتر الدين

تاريخ علاقة حماس بدمشق

تعود العلاقة بين “حماس”، ودمشق إلى مطلع التسعينيات، وكانت أول زيارة أجرتها الحركة إلى دمشق في كانون الثاني/ يناير 1992، عبر وفد من الحركة قاده رئيس مكتبها السياسي آنذاك، موسى أبو مرزوق.

الزيارة الأهم، كانت لمؤسس حركة “حماس“، الشيخ أحمد ياسين، الذي وصل إلى دمشق في أيار/مايو 1998، وحظي باستقبال رسمي في مطارها، والتقى بالرئيس السوري وقتها، حافظ الأسد.

خالد مشعل يتحدث عن أسباب خروج حماس من دمشق “قناة الجزيرة”

الأسد الأب، أعطى الضوء الأخضر للحركة الفلسطينية بعد ذلك اللقاء للعمل في دمشق، وأكد حينها أنه أمر بفتح كل المجالات أمام “حماس” في سوريا، والترحيب بها كحركة مقاومة ضد إسرائيل.

منذ لقاء مؤسس الحركة الراحل أحمد ياسين وحافظ الأسد، سارت العلاقة بين “حماس” ودمشق على أساس المنفعة المتبادلة، حتى تأزمت بعد عام 2011.

كانت “حماس” تستفيد من دمشق بفتح مقرات لها في سوريا، ما حقق لها استقرارا سياسيا نسبيا، إضافة إلى الدعم العسكري، بينما رسّخ الأسد عبر دعمه “حماس“، تبنّيه للمشروع المسمى وفق ادعاء حلفاء إيران ” حلف المقاومة والممانعة“، وقدم نفسه مدافعا عن القضية الفلسطينية.

قد يهمك:بعد “حزب الله” اللبناني.. لماذا تم إدراج “حماس” الفلسطينية كمنظمة إرهابية؟

من الواضح أن “حماس” حكمت على نفسها بالاصطفاف في المحور الإيراني المعادي بشكل أو بآخر للعديد من الدول العربية في المنطقة، وذلك في ظل تنامي الحديث عن محاور أخرى في المنطقة تجمع بين دول عربية وإسرائيل، وهذا ما سيؤثر على القضية الفلسطينية ككل.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة