انسحابات إيرانية من سوريا.. ما حقيقتها؟

انسحابات إيرانية من سوريا.. ما حقيقتها؟
أستمع للمادة

صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، نقلت عن ضابط “كبير” في الجيش الإسرائيلي، أن قوات مدعومة من إيران بدأت بالانسحاب من سوريا، جراء الضربات التي تعرضت لها خلال الأسابيع الماضية.

وقال الضابط الذي لم تسمه الصحيفة، يوم الجمعة الفائت: “حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى المدعومة من طهران شوهدت وهي تغادر المنطقة”، بعد التصعيد الأخير في الضربات الجوية المنسوبة إلى إسرائيل، مضيفا أن “الانسحاب الواضح لهذه القوات من المنطقة هو نتيجة لضربات الجيش الإسرائيلي”، حسب تعبيره.

وتخالف هذه الرواية تلك التي استعرضتها صحيفة “جيروزاليم بوست“، قبل أيام، متحدثة عن عمليات “تعزيز” وتثبيت موطئ قدم للإيرانيين في سوريا.

انسحاب تكتيكي

خلال الأسبوعين الماضيين، كانت إسرائيل قد نفذت سلسلة ضربات جوية وصاروخية استهدفت بها “مواقع تمركز قوات إيرانية” في مطاري حلب ودمشق الدوليين، وأسفر القصف الذي تكرر لثلاث مرات في غضون أسبوعين عن خروج مطار حلب عن الخدمة لمرتين، ليعود ويستأنف نشاطه بعد أيام من عمليات الصيانة.

وكان مسؤولون وضباط إسرائيليون، قد أطلقوا مثل هذه المزاعم من قبل، وكان آخرها في عام 2020، حيث أشاروا في وقت سابق إلى أن ضرباتهم تسفر عن “انسحاب قوات إيرانية من سوريا”.

آثار قصف إسرائيلي لأهداف إيرانية قرب القاعدة الروسية بطرطوس “وكالات”

لكن وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس أعلن، يوم الاثنين الماضي أن “إيران حولت مركز الدراسات والبحوث العلمية، وكذلك مواقع أخرى في جميع أنحاء البلاد، إلى مصانع لصواريخ دقيقة بعيدة المدى لحزب الله”.

هاني سليمان، الباحث في الشأن الإيراني، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن التقارير الإسرائيلية مهمة من ناحية أن الانسحابات التي تتحدث عنها تأتي خوفا من القصف الإسرائيلي المتكرر، وتلقي المزيد من الضربات.

ولكن من زاوية أخرى، يؤكد سليمان، أن الانسحابات الإيرانية ليست حقيقية، إنما هي انسحابات تكتيكية لإعادة التموضع وترتيب بعض الأمور، وإعادة تشكيل القوات وتمركزها، أما الحديث عن انسحاب كامل لإيران من سوريا، فلن يحصل نظرا للعديد من الاعتبارات الخاصة بالجانب الإيراني، وأجنداته، وأدبياته بتصدير ثورة الخميني، ومن ناحية ثانية، فإيران لن تفرط باستثماراتها ومكاسبها الاقتصادية والعسكرية في سوريا.

فإيران لن تتخلى بسهولة وتحت أي ضغط عن وجودها وتمركزها في سوريا، خاصة أن هذا الوجود يحقق لها العديد من الأهداف من بينها الضغط على إسرائيل.

إقرأ:واشنطن تستهدف “الحرس الثوري” الإيراني في دير الزور.. ما الرسائل؟

دلالات التصريحات الإسرائيلية

في الوقت الذي نقلت فيه صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، عن الضابط الذي لم تسمه أن إيران تسحب قواتها من سوريا، كانت قد نقلت عن محلل المخابرات الإسرائيلي، رونين سولومون، قوله إن إيران تبني أنظمة دفاع جوي في سوريا، بمساعدة عناصر من “حزب الله” اللبناني.

وأضاف سولومون نقلا عن مسؤول في المخابرات، في وقت سابق، أن “عنصرين من حزب الله، وهما عباس محمد الدبس 43 عاما، ومحمد محمود زلزلي 55 عاما، يعملان على بناء دفاعات إيران الجوية في سوريا”.

وأشار سولومون، حسب الصحيفة الإسرائيلية، إلى أن عناصر “حزب الله”، تعمل مع نائب منسق سلاح الجو في الحرس الثوري الإيراني فريدون محمدي صغائي، الذي يُعتبر المسؤول عن نشر أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية في سوريا.

هاني سليمان، يرى أن دلالات التصريحات الإسرائيلية تتعلق بنوعية الانسحاب، فإذا كان هذا الانسحاب تكتيكيا يمكن القول، أن إيران تتعرض لضغوط وهناك العديد من الضربات التي توجه إلى إيران في سوريا، أجبرت إيران على إعادة النظر بتمركزها وتحديد أهدافها وصياغة سياسات واستراتيجيات دفاع معينة.

وبالتالي فكل ما يحصل هو ضغوط على الجانب الإيراني، ولهذا توابع متعددة، فإيران تعمل على ترتيب أوراقها في سوريا في فترات معينة وخاصة تغيير قادة قواتها هناك، أما الحديث عن انسحاب نهائي وكامل من سوريا فهذا غير حقيقي ولا مجال لمناقشته، إلا إذا تحقق فعلا وعندها يجب التحقق من مدى دقة أي تصريحات إسرائيلية، لأنه لو حدث فهو انهيار لأحد أهم مراكز القوة لإيران في المحيط الإقليمي، والذي حقق لها الكثير من الأهداف في الفترة الماضية.

لفت سليمان، إلى أن الضغوط الإسرائيلية على إيران، دخلت مؤخرا في مرحلة الضغوط القصوى، حيث تواكب تطورات الملف النووي الإيراني، والضربات الإسرائيلية تشكل أحد أهم أدوات الضغط والنيل من إيران، وتقليم أظافرها، وهذا ما يدفع إيران أيضا إلى إعادة تموضعها وتوزع قواتها في سوريا.

قد يهمك:مستغلة ظروفهم المعيشية.. ميليشيا “لواء الباقر” تُجند الأطفال في دير الزور

التركيز فقط على القوة العسكرية!

تقرير لـ”معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، أشار إلى أن الجهود المبذولة لمواجهة إيران في سوريا، ركزت على الجانب العسكري، وتجاهلت أدوات القوة الناعمة ومجالات النفوذ الثقافية التي تطورها طهران، ضمن استراتيجية بعيدة المدى.

 وأوضح المعهد في تقرير صدر مؤخرا، أن دور إيران في سوريا تكيف مع حدثين رئيسيين، هما الحرب على أوكرانيا، وزيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، للمنطقة ومحاولاته بناء تحالف إقليمي لمواجهة إيران، ما جعل روسيا مستعدة لمنح إيران سلطة أكبر في سوريا.

وحذر التقرير من أن سوريا عنصر ضروري في مشروع إيران، التي تسعى إلى ترسيخ نفوذها الاجتماعي والأيديولوجي، من خلال تعزيز نفوذها في الأماكن المقدسة بريف دمشق، ودير الزور، والعمل على تغيير تركيبة المنطقة أيديولوجيا، من خلال جذب الشباب إلى “المذهب الشيعي”.

أحد مدارس نشر التشيع بدير الزور شرق سوريا “وكالات”

وأضاف التقرير، “إذا كانت الجهات الفاعلة الخارجية الأخرى مثل الولايات المتحدة، ترغب حقا في لجم النشاط العسكري الإيراني في سوريا، ستحتاج في النهاية إلى مساعدة السوريين المحليين لمعالجة مسألة إيران في صميمها من خلال المساعدات، وغيرها من أشكال الدعم المحلي، بدلا من التركيز على الضربات العسكرية وحدها”، التي لم تفعل شيئا يُذكر لردع مشروع إيران، الهادف لرسم معالم المنطقة حسب سياسته.

وحذر التقرير، من أن غياب مثل هذا الدعم مع ابتعاد أنظار المجتمع الدولي أكثر فأكثر عن سوريا، سيُفسح المجال أمام إيران لإرساء تهديد عسكري، وقوة ناعمة أكثر خطورة على جانبي الفرات.

تقرير سابق لـ”الحل نت”، أشار إلى أن المليشيات الشيعية العاملة بتوجيهات إيرانية، فتحت فرعا للمركز الثقافي الإيراني في بلدة حطلة، شرقي دير الزور نهاية العام الماضي.

ولفت التقرير إلى أن المنطقة تشهد تزايدا في أعداد المتشيعين، خاصة بين عائلتي “الرجا”، و”البلعط” في إطار سعيهما لكسب ود القوات الإيرانية، لتصبح بلدة “حطلة”، أيقونة التشيع في المنطقة.

وبحسب التقرير، فإن المركز الثقافي سيكون قادرا على تقديم خدمات دينية وثقافية، فضلا عن تقديم دورات لغوية باللغة الفارسية حصرا.

سيطرت إيران ووكلاؤها نهاية العام الماضي، على سبع بلدات في الجانب الشرقي من نهر الفرات جنوب مدينة دير الزور، من الميادين إلى البوكمال. ويشمل ذلك سلطةً عسكريةً كاملةً وإدارة تنفيذيةً يمارسها ما يقرب من 4500 عنصر مسلح.

وفي سياق متصل، تواصل الميليشيات المدعومة من قبل “الحرس الثوري الإيراني”، في محافظة ديرالزور (شرق سوريا) عمليات تجنيد الأطفال في صفوفها، مستغلة الظروف المادية المتردية التي يعيشها ذويهم، من خلال إغرائهم بالمال والمساعدات الغذائية.

قالت مصادر محلية مطلعة لـ”الحل نت”، مطلع العام الحالي، إن ميليشيا “لواء الباقر”، بدأت بتدريب قرابة 50 طفلا، لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشر، على حمل السلاح وكيفية استخدامه، في معسكر سري بداخل بلدة حطلة، بإشراف سيد مهدي قيادي في “حزب الله اللبناني” (لبناني الجنسية)، ومنتصر الحسين قيادي في “لواء الباقر”، من أبناء البلدة.

وأضافت المصادر، أن “المعسكر يشمل تدريبات بدنية شاقة للأطفال، وتدريبهم أيضا على استخدام جميع أنواع الأسلحة وخوض ‏حرب الشوارع، وتنفيذ عمليات الاغتيال والتفجيرات، إضافة إلى دروس دينية”، مشيرة إلى أن “المعسكر مغلق، لا يسمح فيه بالزيارات أو خروج الأطفال منه، ومدته 25 يوما”.

وفي السياق ذاته، أقدم “الحرس الثوري”، في كانون الأول/ديسمبر من العام الفائت، على تجنيد 80 طفلا، من مدينة البوكمال ونواحيها، وإخضاعهم لتدريب ضمن معسكر خاص بمنطقة صكور، ببادية المدينة، وفقا لمراسل “الحل نت” في المنطقة.

إقرأ أيضا:التشيّع والتسويات تقرع أبواب دير الزور.. خطر إيران يضرب شرق سوريا

من الواضح أن إسرائيل بصدد تصعيد عمليات استهداف الميليشيات الإيرانية في سوريا خلال المرحلة القادمة، وفي نفس الوقت تتغلغل إيران في سوريا، والمجتمع السوري بوسائل أخرى غير عسكرية أبرزها الاقتصاد والدعوة للتشيع، لتبقى الجهود التي تقود المواجهة ضد الإيرانيين في سوريا قاصرة ما لم تشمل كل الأعمال التي تقوم بها إيران.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة