ما مستقبل التعاون الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط؟

ما مستقبل التعاون الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط؟
أستمع للمادة

منذ التوقيع على اتفاقات “آبراهام”، قبل عامين بين دول عربية وإسرائيل، طرأت تغييرات كبيرة على الشرق الأوسط، فالبحرين والإمارات العربية المتحدة تصرفتْ بسرعة وحزم لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، والآن اختار حوالي ثلث الدول العربية، بما في ذلك الأردن ومصر والمغرب، السلام مع إسرائيل، الأمر الذي كسر المحظور، وأشعل فُرص تقدم التعاون الأمني الإقليمي.

الواقع، أن إمكانية تطور هذا التحالف المتوسع الذي تدعمه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلى تعاون استراتيجي إقليمي، يشكل نتيجة مشجّعة لهذه الديناميكية الإقليمية الجديدة، لطالما كان للولايات المتحدة مصلحة في التعاون الأمني في الشرق الأوسط، ولكن الآن، وأكثر من أي وقت مضى، إذ أصبح هذا ضروريا بسبب ما يسمى بـ “التحول نحو آسيا”، لمواجهة نفوذ الصين، والخطر المتصاعد الذي تمثله إيران. ومع ذلك، فإن توقيع “اتفاقية إبراهيم” وانسحاب إسرائيل من “القيادة المركزية الأوروبية”، إلى نطاق عمليات “القيادة المركزية الأميركية”، جعل هذا النوع من التعاون الملموس غير ممكن إلا مؤخرا، وعليه ما مستقبل التعاون الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط؟

بنية أمنية إقليمية

منطقة الشرق الأوسط، تُعد واحدة من المناطق الوحيدة في العالم التي لا يوجد بها منتدى إقليمي متعدد الأطراف واسع النطاق، لمناقشة القضايا التي تتخطى الحدود الوطنية. ومع ذلك، فإن التحديات مثل انتشار الأسلحة وتغير المناخ والأمن الغذائي، والأمن البحري والهجرة والصحة العامة، تشكل تهديدات خطيرة لاستقرار المنطقة ورفاهية شعبها.

مبادرة الأمن الإقليمي، هي خطوة لإعادة التفكير في النظام الأمني واتجاهاته في منطقة الشرق الأوسط.

يقول الأكاديمي والباحث السياسي، مايكل لورو، لـ”الحل نت”، إنه مع زيادة حدّة هذه المخاطر في السنوات الأخيرة، إلى جانب الاهتمام المتزايد بخفض التصعيد والهدوء الإقليمي، قد تظهر فُرص جديدة لتعبئة عملية إقليمية تعاونية، لوضع معايير للسلوك الإقليمي وتدابير عملية لبناء الثقة في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وأبرزها الملف الأمني.

وبرأي لورو، فإن هذا سيكون تحديا كبيرا لتسخير الاهتمام الحالي بالتعاون وخفض التصعيد في خطة عمل يمكن تفعيلها، واعتمادها من قِبل صانعي السياسات، لا سيما على خلفية الحرب في أوكرانيا وتعزيز التحالفات الإقليمية التنافسية لمواجهة إيران. إذ يؤكد الخطر المستمر المتمثل في تجدد التصعيد العسكري على الحاجة إلى تطوير عمليات إقليمية تعاونية، للمساعدة في منع الصراع غير المرغوب فيه، وبناء الثقة داخل منطقة الشرق الأوسط.

ووفقا لما تحدث به لورو، فإن تفعيل مبادرة الأمن الإقليمي، هي خطوة لإعادة التفكير في النظام الأمني واتجاهاته في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشهد المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، والبحرين، وعمان، وإيران تحولات كبيرة على المستويات المجتمعية والوطنية والدولية، بينما تستمر الاختلالات المنهجية في أنظمة الأمن الخليجية في تغذية تصورات انعدام الأمن، وخلق خطوط الصدع. كما أن التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس السعودي الإيراني، والخلافات داخل دول مجلس التعاون الخليجي كلها أمثلة على التوترات، التي إذا تُركت دون رادع، فإنها تحمل مخاطر تداعيات واسعة النطاق داخل المنطقة وخارجها.

آفاق التعاون الإقليمي

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى وقت قريب، التزمت الولايات المتحدة بتعريف غير متغير بشكل ملحوظ لمصالحها في الشرق الأوسط. سعت أميركا إلى حماية توافر إمدادات الطاقة لنفسها وحلفائها، وضمان أمن إسرائيل من خلال تقديم المساعدة العسكرية والدبلوماسية؛ وإبقاء القوى المعادية، وخاصة الاتحاد السوفيتي وإيران، خارج المنطقة؛ ومواجهة التهديد من الدول التي تدعم الإرهاب، أو تسعى إلى الحصول على أسلحة الدمار الشامل؛ والحفاظ على علاقات إيجابية مع الدول العربية، في المقام الأول لتعزيز قدرتها على العمل لدعم مصالحها الخاصة، ومصالح الولايات المتحدة.

يشير لورو، إلى أنه تاريخيا، تم وضع عقبات كبيرة أمام محاولات إنشاء آليات للتعاون الأمني في الشرق الأوسط، ومن بين هذه التحديات انعدام الثقة الدائم بين الدول، والمخاوف من التعدي على سيادتها، والاختلافات في تعريفات الأمن وتصورات التهديدات، وغياب المصالح المشتركة الدائمة. أدت بعض أشكال التعاون، مثل الحملة التي تقودها السعودية في اليمن، إلى ارتفاع توسيع تجربة الأمن الإقليمي، كما قد أدى الدور الأمني الذي قامت به الولايات المتحدة، في الخليج وسوريا والعراق في العقود الأخيرة إلى القبول بمشروع التعاون الأمني، الذي يُعرف بأنه “التعاون المتبادل بين مجموعة من الدول لتخفيف التهديدات التي تُسببها مجموعة مشتركة من المخاوف المحددة”.

يتفق لورو، مع الطرح الذي قدمه ديفيد شينكر، مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن، بأن الشراكة الأمنية الإقليمية بين إسرائيل والدول العربية، تتمتع بإمكانيات كبيرة لمساعدة أصدقاء واشنطن، وحلفائها في الشرق الأوسط على التصدي بشكل أفضل للتهديد المتزايد من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ولكن هذه الشراكة لا تزال في مراحلها الأولى.

وفي حين أن تبادل المعلومات الاستخباراتية قد يتوسع في نهاية المطاف ليشمل مجموعات أخرى من التهديدات، بما في ذلك تحديات مكافحة الإرهاب على الأرض التي يطرحها وكلاء إيران، إلّا أنه من الصعب التّخيل أن يتخذ هذا التعاون نهجا حركيا استباقيا. نظرا لتفاوت درجات تحمّل التهديدات في جميع أنحاء المنطقة، تبدو العمليات الجوية البرية المنسّقة والاستباقية غير مرجّحة. ومع ذلك، فإن هذا التعاون يتطور، على الرغم من أنه يمثل تحسّنا كبيرا عما كانت عليه المنطقة قبل عامين.

الديناميكية الإقليمية الجديدة

خلال الأشهر القليلة الماضية، ومع انتشار التقارير عن حصول اتصالات بين كبار مسؤولي الأمن الإسرائيليين والعرب، احتدم النقاش في واشنطن حول تحالف استراتيجي إقليمي جديد، وفي حين يصعب معرفة مقدار التقدم المُحرز حتى الآن، إلا أن القصص المتداولة بهذا الشأن مثيرة للمتابعة.

فوفقا لصحيفة “وول ستريت جورنال”، عقدت “القيادة المركزية الأميركية” خلال شهر آذار/مارس الماضي اجتماعا لمسؤولي الدفاع من المملكة العربية السعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين وإسرائيل، في شرم الشيخ في مصر، لمناقشة التهديد الجوي الإيراني.

وفي حزيران/ يونيو، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، إن ما يقرب من 150 اجتماعا بين عناصر الدفاع الإسرائيليين ونظرائهم من دول المنطقة، “باستثناء مصر والأردن”، عُقِدوا منذ آب/أغسطس 2019. وأثارت كل هذه الضجة بدورها تكهنات واسعة النطاق بأن الرئيس بايدن، سيجعل هذا التعاون محور رحلته إلى الشرق الأوسط في تموز/يوليو. ومع ذلك، بينما كان موضوع الأمن مدرجا على جدول أعمال بايدن، إلّا أنه لم يَصدر أي إعلان كبير عن إحراز تقدم على صعيد التعاون الاستراتيجي الإقليمي.

وطبقا لما ذكره شينكر، خلال الدراسة التي قدّمها المعهد الأربعاء الفائت، فإن “التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل وشركائها العرب يُعتبر تطورا إيجابيا”، مؤكدا أن تبادل المعلومات الاستخباراتية سيؤدي إلى تحسين أمن الدول الإقليمية المهددة من قِبل إيران ووكلائها.

ولكن في الوقت نفسه، يتمتع بعض من أفضل شركاء إسرائيل المحتملين في المنطقة بعلاقات وثيقة بشكل متزايد مع الصين، وإذا تم نشر المعدات الإسرائيلية التي تم تطوير بعضها بصورة مشتركة مع الولايات المتحدة في الخارج، فسيتعين اتخاذ تدابير معينة لضمان عدم اختراق التكنولوجيا. كما أن بعض الدول العربية التي تأمل إسرائيل في تعزيز التعاون الاستراتيجي معها في مواجهة إيران، تقود حاليا جهودا تهدف إلى مساعدة طهران، على التخلص من العقوبات الأميركية.

وعليه، فإن المحاولات “الفاشلة” السابقة للدول العربية، كقوات حفظ السلام وقوات الحملات العسكرية التي نشرتها الجامعة العربية، و”قوات الردع العربية” التي أسست لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، و”قوات درع الجزيرة” التي أسسها مجلس التعاون الخليجي، وفي أعقاب “حرب الخليج”، وافق “مجلس التعاون الخليجي”، على تشكيل قوة عسكرية إقليمية تضم مصر وسوريا، ولكنها لم تبصر النور، يبدو أنها ستنجح حاليا خصوصا أن ذروة التعاون العسكري العربي، تحت مظلة أميركية منسقة بعناية بدأ يتشكل بعد الاتحاد الذي تشكل عام 2016 للقضاء على الإرهاب.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة