الدور الهندي في الشرق الأوسط.. استقرار ومصالح جديدة؟

أستمع للمادة

خلال الشهر الماضي، شكلت الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة مجموعة جديدة تسمى اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، هذا التطور يراه المحللون كجزء من جهد أكبر لإعادة تشكيل النظام الإقليمي وتوازن القوى وتعبيرا عن رغبة نيودلهى في توسيع نفوذها في المنطقة. فبسبب مركزها الاستراتيجي، وأهميتها الاقتصادية، ومصالحها السياسية، يبدو أن الهند ذاهبة نحو استعادة مكانتها في منطقة الشرق الأوسط.

رصد تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية “ملامح الهند الجديدة”، من خلال إلقاء الضوء على ما حدث خلال قمة منظمة “شنغهاي” للتعاون في أوزبكستان، حين قال رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، للرئيس الروسي أمام الكاميرات: “الديمقراطية والدبلوماسية والحوار”، وليس الحرب، هي الحل.

كانت هذه الخطوة الجريئة، أحدث مثال لصعود الهند تحت زعامة مودي. فقد برزت الهند، القوة الطموحة الحازمة، بوصفها لاعبا حاسما في سعي المجتمع العالمي إلى إيجاد حلول قابلة للتطبيق لمجموعة واسعة من المشاكل الملحة، بما في ذلك تلك المرتبطة بحل الصراعات، وتغير المناخ، والتقدم التكنولوجي، والحاجة إلى تنويع سلاسل التوريد في ضوء صعود الصين، فكيف سيكون تأثير الدور الهندي الجديد في الشرق الأوسط؟

دور الهند المتغير في الشرق الأوسط

لطالما تمتعت الهند ودول الخليج بعلاقات جيدة، بفضل اعتماد نيودلهى على منتجات الطاقة من الخليج لضمان أمن طاقتها مع كونها المورد الرئيسي للعمالة الرخيصة الماهرة لدول الخليج. أدى انتخاب ناريندرا مودي رئيسا لوزراء الهند في عام 2014 إلى مزيد من التنسيق والتعاون بين الهند ودول الخليج على المستوى السياسي، وإلى حد ما على المستوى الأمني ​​أيضا.

تعتبر الهند وجهة مهمة للنفط والغاز من الخليج ومورد للعمال إلى المنطقة. في الوقت نفسه، تعكس العلاقات الوثيقة أيضا تطوير المفاهيم الاستراتيجية حيث ترتبط نيودلهى أكثر وأكثر بالشرق الأوسط بشكل عام والخليج بشكل خاص كمسرح أساسي ليس فقط للتنمية الاقتصادية ولكن أيضا لوضعها الاستراتيجي، وبالتأكيد في ضوء المنافسة مع الصين  وبوضع نفسها كقوة عالمية.

يقول الخبير في العلاقات الدولية لشرق وجنوب شرق آسيا، دانيال لينش، لـ”الحل نت”، إنه في الأشهر القليلة الماضية، كان هناك عدد كبير من الأحداث الرائدة التي تشير إلى المعالم الدبلوماسية الناشئة للشرق الأوسط المستقبلي والعالم الأوسع، إذ تشير الأنباء الأخيرة التي تفيد بأن المملكة العربية السعودية منحت شركة طيران الهند الموافقة على تسيير رحلات مباشرة من نيودلهي إلى تل أبيب عبر المجال الجوي السعودي إلى تغييرات كبيرة في الشرق الأوسط وتوضح دور الهند في المنطقة.

ويرى لينش، أنه لطالما كانت منطقة المحيط الهندي الأوسع، ذات الأهمية الحاسمة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، مجال نفوذ الهند الاستراتيجي. من المتوقع أن يكون هذا جزءا أساسيا من استراتيجية الهند للمضي قدما على الرغم من التحديات الكبيرة المطروحة على توازن القوى الحالي بين المحيطين الهندي والهادئ من خلال النفوذ الجيوسياسي والجيواقتصادي الصيني والتوغلات العدوانية. ويعد مسار الهند الجديد مؤشرا على الكيفية التي يمكن بها لنهج الهند ملتزم تجاه منطقة الشرق الأوسط الكبرى أن يكون عنصرا حاسما ومستقرا للمنطقة، في نهج البلاد المتجدد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأكملها.

سياسة مودي

قصة نجاح سياسة مودي البالغ من العمر 72 عاما المثيرة للجدل، لا تبدو متفقة مع إخضاعه للمؤسسات المستقلة، مثل المحاكم واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والهيئة الانتخابية، تحت هيمنة السلطة التنفيذية التي أضعفت تأثيرها، تحت وطأة نظام يكافئ الممتثلين لأوامره ويعاقب المعارضين.

يقول جوزي جوزيف، الصحفي والكاتب الهندي الذي وثَّق في كتابه “الانقلاب الصامت” تاريخ انتهاكات مؤسسات السلطة لحقوق الإنسان في الهند، إن مودي ليس أول زعيم يستولي على مؤسسات البلاد ويطلق لها العنان في قمع المعارضين السياسيين، فقد أوشكت ديمقراطية البلاد على الانهيار في سبعينيات القرن الماضي، عندما أعلنت رئيسة الوزراء أنديرا غاندي حالة الطوارئ وسجنت المعارضين وفرضت الرقابة على وسائل الإعلام للبقاء في السلطة.

يرى جوزيف أن مودي كان أنجح من غاندي في بلوغ أهدافه، واستعان لذلك بحملة دعاية لا مثيل لها في تاريخ البلاد، شملت وسائل الإعلام المرئية والصحف المتحالفة معه وأدوات وسائل التواصل الاجتماعي التي تصل إلى كل هاتف، وبلغ مدى تلك الحملة الهنود في داخل البلاد وخارجها.

ولأن الهند تعد الدولة الديمقراطية الأكبر على مستوى العالم، فإن مودي يبني سياساته وعلاقاته الخارجية على هذه الحقيقة. ولكن الدبلوماسيين والخبراء والناشطين زعموا أن حكومة مودي تعمل على مشروع لإعادة صياغة الديمقراطية في الهند على نحو يتعارض مع كل نموذج أستخدم من قبل. إن قمع المعارضة، وتآكل المؤسسات المدنية، وتشويه صورة الأقليات، كل هذا يشكل جزءا من هذه الاستراتيجية.

إن مشروع مودي أكثر إحكاما من مشروع الزعماء الهنود السابقين، الذين استغلوا الاقتتال الديني واستخدموا مؤسسات الدولة كسلاح ضد خصومهم وأداة للبقاء في السلطة. وبدلا من الاعتماد على الأساليب المجربة الحقيقية للاستيلاء على السلطة، كما فعل أسلافه، يعمل مودي بشكل منهجي على تجميع أدوات السلطة بين يديه.

ولتحقيق هذا الهدف، جعل مودي المحاكم ووسائل الإعلام والتشريعات ومنظمات المجتمع المدني تابعة لإرادته. وكانت هذه المؤسسات بمثابة “التحكيم والفصل بين السلطات” التي حمت الديمقراطية في الهند في منطقة ابتليت بالحكومات الانقلابية العسكرية والأنظمة الاستبدادية الراسخة.

في مؤتمر مجموعة الدول السبع الكبرى الذي عقد في أواخر شهر حزيران/يونيو الفائت، كانت التناقضات التي تحيط بالتنمية في الهند واضحة. إلا أن فريق مودي للعلاقات العامة عمل على توثيق مظاهر علاقته الحميمية بنظرائه: مزاح وضحكات مع الرئيس الأميركي جو بايدن، وتشابك الأيدي مع رئيس وزراء كندا جاستن ترودو.

التحول نحو الشرق الأوسط

بعيدا عن نجاح مودي على المستوى الداخلي في إمساك زمام الأمور ولو عن طريق القمع، إلا إن سياسته نحو الشرق الأسوط كانت الأنجع خلال السنوات السابقة، إذ تلعب منطقة الشرق الأوسط دورا حيويا في اقتصاد الهند لأنها تزود ما يقرب من ثلثي إجمالي واردات الهند من النفط، كما ازدهرت التجارة الثنائية في السنوات الأخيرة خاصة مع الإمارات العربية المتحدة والدول العربية الأخرى في الخليج العربي.

على مر السنين، هاجر ملايين الهنود ومعظمهم من الطبقة العاملة إلى منطقة الخليج العربي بحثا عن وظائف، ويشكلون حصة كبيرة في إجمالي التحويلات الواردة من الخارج.

قبل إدارة مودي، كانت العلاقات الدبلوماسية بين الهند وكردستان العراق محدودة، تشتري الهند النفط الخام فيما يعمل العديد من المواطنين الهنود في كردستان العراق، ويسافر العديد من الأكراد إلى الهند لأغراض تعليمية أو طبية. في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، أرسلت الحكومة الهندية المبعوث الخاص، السفير سوريش ريدي، لزيارة إقليم كردستان والالتقاء بمسؤولي حكومة الإقليم، وأوضح ريدي أن الهند “تدعم إقليم كردستان بشكل كامل”، معربا عن ثقته في حكومة الإقليم وقوات البيشمركة للحفاظ على استقرار وأمن المنطقة. كما أشاد السفير بدور قوات البيشمركة في محاربة تنظيم “داعش”، وأعلن أن الحكومة الهندية ستفتح قنصلية في إقليم كردستان.

يقول الباحث الهندي سي. راجا موهان، في تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، إن “بعض الوقت سيمر بالتأكيد قبل أن تصل رباعية الشرق الأوسط الجديدة، والتي لا تزال مجرد مجموعة عمل بين وزراء الخارجية حتى الآن، إلى شدة وعزيمة نظيرتها الشرقية التي عقدت بالفعل قمتين للزعماء هذا العام”.

ويشير راجا موهان، إلى أن اعتبار الهند الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات من بين أقرب شركائها الاستراتيجيين، وكونها على استعداد للاعتراف بذلك علنا وبقائها مستعدة للعمل مع هذه البلدان في المنطقة، يعد انعكاسا لمدى تحول سياسة الهند الخارجية في الشرق الأوسط؛ فلطالما كان ابتعاد الهند عن الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج في ما يتعلق بالقضايا الإقليمية هو الوضع الطبيعي في الشرق الأوسط.

استقرار في الشرق الأوسط

التجمع الجديد في الشرق الأوسط، بحسب صحيفة “العرب”، يمثل التقارب المتزايد بين المصالح الهندية والأميركية في آسيا. وتبدو نيودلهي التي وقفت في الماضي ضد سياسات واشنطن في شرق آسيا والشرق الأوسط مستعدة الآن للعمل معها لتحقيق الاستقرار في المنطقتين. وإذا ظهرت الحاجة إلى تحقيق التوازن في الصين باعتبارها الصمغ الذي يربط الرباعية معا في شرق آسيا، فإن الوضع يبقى أكثر تقلبا وتعقيدا في الشرق الأوسط؛ حيث لا تبحث الولايات المتحدة عن مستفيدين غير فاعلين ضمن مظلتها الأمنية بينما تعيد تشكيل تحالفاتها وتعيد ترتيب أولوياتها العالمية. وهي تريد شركاء راغبين في مشاركتها مثل هذه التوجهات وقادرين على ذلك، وتبرز الهند على رأس القائمة.

من جهته، يرى راجا موهان، إن إضافة الولايات المتحدة للهند إلى شبكتها من الحلفاء والشركاء الآسيويين تعد بالنسبة إليها نهجا جديدا وغير متوقع لتعزيز مكانتها في المنطقة. لكن المنظور طويل المدى يشير إلى شيء آخر يتعلق بمنطق جغرافية الهند؛ ويوحي إلقاء نظرة خاطفة على الخارطة ببروز الهند الطبيعي في كل من شرق آسيا والشرق الأوسط. وتبدو البلاد، بصفتها قوة رئيسية في نقطة ارتكاز آسيا وسط المحيط الهندي، في وضع جيد لتشكيل النتائج الجيوسياسية في كلا المنطقتين.

وكان أحد أعمال مودي الأولى هو تبني إسرائيل رسميا كشريك مهم والتباهي بالعلاقة التي تجمع البلدين. وأشارت الدبلوماسية الهندية في الماضي باستمرار إلى مخاوف العرب التي حدت من توطيد العلاقات مع إسرائيل. لكن مودي اكتشف أنه يمكنه متابعة العلاقات مع كليهما دون مشاكل.

كما كان حماس مودي المفاجئ للانخراط مع الإمارات والسعودية تحولا ملحوظا؛ فلطالما نظرت نيودلهي إلى دول الخليج على أنها قريبة جدا من باكستان والولايات المتحدة. واكتشفت الهند في عهد مودي أنه يمكنها فعل الكثير لبناء شراكات تجارية وسياسية وأمنية.

وتشكل رباعية الشرق الأوسط الجديدة من نواح كثيرة تتويجا للبراغماتية الأكبر في سياسة الهند الخارجية. كما تسلط الضوء على تخلص نيودلهي الناجح من الهواجس الأيديولوجية السابقة التي حدت من ارتباطها بالمنطقة. ولم يكن هذا ليحدث لولا ترويج الولايات المتحدة للعلاقات بين إسرائيل والإمارات والدول العربية الأخرى.

الجدير ذكره، أن صافي واردات الهند من النفط كنسبة مئوية من الطلب نما من 42 بالمئة في عام 1990 إلى ما يقدر بنحو 71 بالمئة في عام 2012. وبحلول عام 2016، تم استيراد أكثر من نصف النفط والغاز الهندي من الخليج. وخلال زيارة مودي إلى السعودية، اتفق البلدان على تحويل العلاقة بين البائع والمشتري إلى شراكة استراتيجية أعمق. وربط البيان المشترك من الزيارة صراحة توسيع العلاقات التجارية بالمشاركة الاستراتيجية المعززة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة