ما بعد أزمة اللجنة الدستورية السورية.. ما مستقبل الملف السياسي؟

ما بعد أزمة اللجنة الدستورية السورية.. ما مستقبل الملف السياسي؟
أستمع للمادة

جولات ثمانية من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية، لم ينتج عنها أي نتائج مرضية، إذ لم تحدث تلك الجولات أي خرق حقيقي أو تقدم بشأن التوصل للتفاهم حول المبادئ الدستورية التي طُرحت من قبل الأطراف المشاركين، فيما تم إلغاء الجولة التاسعة في منتصف تموز/يوليو الماضي بطلب من رئيس وفد دمشق، نتيجة لعدم منح سويسرا تأشيرات دخول للوفد الروسي إلى جنيف على خلفية العقوبات المفروضة على المسؤولين الروس بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.

وفي تصريحات جديدة للمبعوث الأممي الخاص، غير بيدرسن، يوم السبت الماضي، حول اللجنة الدستورية، عبّر بيدرسن عن خيبة أمله من مسار اللجنة الدستورية والنهج الذي يسير عليه منذ مدة والمتمثل بسياسة “خطوة مقابل خطوة”.

وأوضح بيدرسن على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أنه التقى وزراء خارجية تركيا وإيران وروسيا، وأبلغهم أنه سيستمر بمسار اللجنة الدستورية، لكن اللجنة لم تقدم ما كان متوقعا منها.

ماذا تعني تصريحات بيدرسن؟

بيدرسن أوضح أنه أبلغ وزراء الخارجية الذين التقاهم أن هناك مشكلة في مكان انعقاد الجولة التاسعة للجنة الدستورية، والروس وحكومة دمشق لا يريدون القدوم إلى جنيف، مبينا أن العجز ليس في المكان بل هو عدم إحراز تقدم جوهري.

عضو اللجنة الدستورية عن هيئة التفاوض، بشار الحاج علي، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن تصريحات بيدرسن حول خيبة أمله لا تحمل جديدا، فالكل يعرف أن من يعطل عمل اللجنة الدستورية هي حكومة دمشق وروسيا، فدمشق اتخذت من اللجنة منطلقا لحوار الدول لا للحوار مع المعارضة، أو من أجل التوصل لوضع دستور جديد.

من اجتماعات الجولة الثامنة للجنة الدستورية “وكالات”

وبحسب الحاج علي، فإن خيبة الأمل موجودة أصلا، وحديث بيدرسن على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء لأن القضية السورية قضية مهمة، وعليه أن يقدم خلال الاجتماعات إحاطة حولها، وما يخيف من تصريحات بيدرسن، هو الاستعاضة عن المسار السياسي المبني على قرارات الأمم المتحدة خاصة القرار 2254.

وحول مقاربة بيدرسن، “خطوة مقابل خطوة”، أوضح الحاج علي، أن هذه المقاربة أثبتت خلال الفترة الماضية أنها عبارة عن الذهاب إلى حوار بين الدول وحكومة دمشق وروسيا وإيران فهما من تتحكمان بحكومة دمشق وقراراتها، ما يعني أن حكومة دمشق مستعدة لبيع أي شيء مقابل البقاء.

لفت الحاج علي، إلى أن سياسة “خطوة مقابل خطوة” غير قابلة للنجاح، لأنها يجب أن تكون ضمن سياق تطبيق القرارات الدولية، وحتى الآن أثبتت هذه المقاربة أنها عامة، لذلك يجب إيجاد صيغة تنسجم مع القرارات الدولية وتلبي طموحات الشعب السوري كاملا سواء معارضة أو موالاة.

إقرأ:لماذا لن تنجح سياسة “خطوة مقابل خطوة” في حل الصراع بسوريا؟

مستقبل الملف السياسي السوري

بيدرسن وخلال تصريحاته، أكد أن كلا من تركيا وإيران وروسيا يدعمون مقاربته “خطوة مقابل خطوة”، ويدعمون الاستمرار بها، مبينا في نفس الوقت أن هناك قضايا رئيسية في سوريا لا يمكن معالجتها وفق هذه المقاربة وعلى رأسها محاربة الجماعات الإرهابية، والانهيار الاقتصادي، مشيرا إلى أن الوضع في سوريا يزداد صعوبة يوما بعد يوم وأن 9 من بين كل 10 سوريين يعيشون في فقر، إضافة إلى 14 مليون بحاجة لمساعدات إنسانية.

بحسب خبراء فإن تصريحات بيدرسن، تشير إلى أن العملية السياسة لا تسير بالشكل الصحيح ووفق قرارات الأمم المتحدة، ولذلك تسعى روسيا إلى حرفها عن مسارها من خلال طروحات لتشكيل حكومة وحدة وطنية بين حكومة دمشق وجزء من المعارضة، ولكن في نفس الوقت فهي غير قادرة على النجاح بذلك.

وفي هذا السياق، يرى الحاج علي، أنه مهما حاولت روسيا وإيران العمل على حرف الملف السياسي السوري فلن ينجحا، لأن القضية السورية باتت أكبر من أن تقوم جهة أو جهات بالعمل على حلها لوحدها.

ويضيف الحاج علي، أن تعويم حكومة دمشق الذي تسعى إليه روسيا من خلال طروحاتها السياسية لا يمكن أن ينجح، حتى لو قامت بعض الدول بالتطبيع معه، فهي غير قادرة على السيطرة لأنها منقوصة السيادة ولا تملك أي قرار، والشعب السوري ككل فقد الأمل فيها.

ويشير الحاج علي، إلى أن استمرار الوضع السياسي كما هو عليه الآن لن يوصل إلى أي حل، فالملف السياسي السوري لا يمكن أن ينجح إلا من خلال تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وتطبيق عدالة انتقالية، ويمكن أن يبدأ الحل من خلال إعلان دستوري ثم الانتقال لوضع دستور كامل.

ما وجه القصور في سياسة بيدرسن؟

هناك العديد من الثغرات في سياسة المبعوث بيدرسن، والتي قد تؤدي إلى عدم نجاحه في سياساته بشكل عام، وفي مقاربة “خطوة مقابل خطوة” بشكل خاص.

فلا تزال هذه المقاربة غير واضحة المعالم، في ظل تعنت كل من دمشق ومعارضتها في رفضها من جهة، وتراجع الاهتمام الدولي بالتوصل لحل للأزمة السورية من جهة أخرى، كما أن بيدرسن، لم يتطرق إلى الدور الذي تلعبه بعض القوى الإقليمية في سوريا، كإيران وروسيا، وهي قوى فاعلة على الأرض.

لقاء بين المبعوث الأممي بيدرسون ووزير الخارجية السوري فيصل المقداد “وكالات”

الباحث السوري، كرم الشعار، أوضح في وقت سابق لـ”الحل نت”، أن الدول الغربية خفضت توقعاتها من إسقاط حكومة الرئيس الأسد، إلى تغيير سلوكه في الوقت الحالي، لذلك تركزت المحادثات على مقاربة “خطوة مقابل خطوة”، والتي تهدف إلى تقديم تنازلات صغيرة بشكل تدريجي ومتبادل، بحيث يؤدي إلى علاقة متبادلة المنفعة، تردم الهوة بين الأهداف الغربية في سوريا، وتلك التي تسعى إليها دمشق.

وأضاف الشعار، أن ما تريده معظم الدول هو قبول الأسد بالقرار 2254، الذي يدعو ضمن قائمة تشمل مسائل أخرى، إلى انتخابات نزيهة، ودستور جديد، وحكم ذي مصداقية وشامل وغير طائفي، ومع ذلك يرفض الأسد التراجع عن موقفه، لأن مستوى الضغط الذي يمارس عليه أقل من المستوى المطلوب بكثير، لإجباره على قبول شروط القرار 2254، والذي سيؤدي في النهاية لإبعاده عن السلطة، وربما زجه في السجن.

وبحسب الشعار، يجب على صانعي السياسة الغربيين، التعامل مع الأسد بحذر، وهناك 4 مبادئ يجب تطبيقها لإنجاح مقاربة بيدرسن، الأول، الامتيازات والتنازلات، كأن يتم رفع عقوبات قيصر، مقابل الإفراج عن جميع المعتقلين الأحياء، والوصول لسجون الحكومة، مع إمكانية إعادة فرض العقوبات إذا أعيد اعتقال من تم الإفراج عنهم.

 الثاني، لا تنازلات مجانية، أي أن تقديم أي تنازلات من أي جهة للحكومة السورية، دون الحصول على تنازلات مقابلة، يجعل من مقاربة ” خطوة مقابل خطوة” أقرب إلى التطبيع. والثالث، اعتماد نهج أكثر فعالية، من خلال تبني سياسات متسقة ونشطة ومتزامنة بين الشركاء الغربيين، بتغيير أدوات الضغط الحالية، وخاصة العقوبات.

أما الرابع، وضع استراتيجية كبرى في الاعتبار، حيث يتمثل الخطر الأكبر في مقاربة “خطوة مقابل خطوة”، عند التعامل مع الأسد، في استخدامه كأداة للوصول إلى تسوية للصراع تحفظ ماء وجه الدول المعادية له، بل ما يستوجب التذكير به، أن أي تسوية لا تعالج الأسباب الجذرية للصراع، كالاستبداد والوحشية والطائفية، وعدم المساواة والفساد، ستكون وصفة لعدم الاستقرار الدائم.

إذا يمكن إنجاح واستخدام مقاربة “خطوة مقابل خطوة” فقط لإطلاق العملية السياسية المتعثرة، لكن هذه المقاربة كنهج بمفرده لا يمكن أن تقدم حلا دائما وعادلا، دون تطبيق كامل للقرار 2254، أي رحيل حكومة دمشق، ومواجهتها للعدالة.

وتتلخص سياسية “خطوة مقابل خطوة” في أن تُقدم واشنطن مع حلفائها على رفع أو تخفيف بعض العقوبات عن حكومة دمشق، مقابل دفع موسكو للأخيرة للتقدم خطوات في مسار عملية الحل السياسي المتعثرة، وعدم التصعيد عسكريا.

قد يهمك:خطوة مقابل خطوة في سوريا.. هل يُفتح الملف من جديد؟

لا يبدو أن مقاربات المبعوث الأممي بيدرسن، والمحاولات الروسية والإيرانية قادرة على إيجاد حل بأي شكل من الأشكال، فكل المحاولات السابقة أثبتت فشلها، فالطريق الوحيد لإيجاد حل للملف السوري هو عبر قرارات الأمم المتحدة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة