الصناعات الأوروبية تنتقل إلى الولايات المتحدة بسبب روسيا.. ماذا يحصل؟

الصناعات الأوروبية تنتقل إلى الولايات المتحدة بسبب روسيا.. ماذا يحصل؟
أستمع للمادة

الصناعة كأحد أهم القطاعات الاقتصادية في الغرب “الصناعي” تأثرت على نحو غير مسبوق بالغزو الروسي لأوكرانيا، خاصة بعد أزمة الطاقة التي جاءت على إثر فرض الدول الأوروبية عقوبات على روسيا، ما دفع الأخير لاستخدام الغاز كسلاح ضد الأوروبيين.

ونتيجة لما سبق فقد بدأت التكاليف الصناعية بالزيادة، من حيث الأجور والضرائب، ما أربك البيئة الصناعية الأوروبية، والتي لم تجد مكانا للعمل أفضل من الولايات المتحدة التي باتت وجهتها الحالية حيث البيئة المناسبة.

عشرات الشركات الأوروبية بدأت بالانتقال إلى أميركا، حيث الضرائب الأقل، وأنظمة السلامة والبيئة، وحقوق العمال الأنسب لها، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى بكثير بالنسبة للمستثمرين، من البقاء في أوروبا التي تعاني الأمرّين بسبب أزمة الطاقة التي ستتفاقم مع دخول الشتاء.

مجلة “موديرن بوليسي” الأوروبية، حذرت مؤخرا من انتقال الشركات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، حيث لا تتعرض الولايات المتحدة لأزمة طاقة كالتي تعاني منها أوروبا اليوم بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ يمكن للولايات المتحدة تزويد طاقتها بنفسها وهي بعيدة عن مسرح الصراع المشتعل في أوروبا.

كما أن سلاسل التوريد أقل خطورة في الولايات المتحدة منها في أوروبا، حتى باتت أسباب استمرار الشركات في أوروبا وقيامها بأي شيء باستثناء البيع للأوروبيين تقل، والأوروبيون أصبحوا يائسين بشكل متزايد للحصول على كل ما كان يمكنهم شراؤه، منذ انقطاع الطاقة الروسية الرخيصة عن القارة.

وبحسب المجلة، فإن زعماء أوروبا تعاونوا مع قادة أمريكا لإحداث هذا التراجع الأوروبي، عبر الانضمام إلى العقوبات الأمريكية ضد روسيا بدلاً من الامتناع عن ذلك.

ما أسباب هذا الإنتقال؟

هناك العديد من الفوائد التي يمكن للشركات الألمانية والأوروبية أن تتمتع بها من الانتقال إلى أميركا أو التوسع فيها، حيث ذكرت صحيفة الأعمال اليومية الألمانية “هاندلز بلات”، في 25 أيلول/سبتمبر 2022، أن مزيدا من الشركات الألمانية باتت تنتقل وتوسع مواقعها في أمريكا، حيث تجذب واشنطن الشركات الألمانية ذات الطاقة الرخيصة والضرائب المنخفضة. فيما باتت برلين تشعر بالقلق، وتريد اتخاذ تدابير مضادة.

وتقول المجلة الألمانية إن العديد من الولايات الأميركية مثل فيرجينيا وجورجيا وأوكلاهوما، تظهر اهتماما متزايدا “بتقديم حوافز خاصة لهذه الشركات الألمانية لنقل أعمالها، أو على الأقل توسيع إنتاجها في الولايات المتحدة”.

يشجع بات ويلسون، مفوض إدارة ولاية جورجيا الاقتصادية الشركات الألمانية، على القدوم وتوسيع استثماراتها، قائلا إن “تكاليف الطاقة لدينا منخفضة والشبكات مستقرة”، بحسب المجلة.

وكانت مجلة “إيريش إكزامينر”، علقت في 25 أيلول/سبتمبر الحالي، على انتقال الشركات الأوروبية لأمريكا، بالقول إن الصناعة الأوروبية باتت تتأرجح تحت وطأة ارتفاع أسعار الطاقة، حيث حذرت شركة فولكس فاجن، أكبر شركة لصناعة السيارات في أوروبا، الأسبوع الماضي من أنها قد تعيد خطط الإنتاج من ألمانيا وأوروبا الشرقية إذا لم تنخفض أسعار الطاقة.

وفي نفس اليوم قال موقع “أويل برايس دوت كوم”، إن أوروبا تواجه خروجا جماعيا للصناعات كثيفة الطاقة نحو أمريكا، وذكر بشكل خاص أن شركة الصلب الأمريكية العملاقة “آركولر ميتال”، قالت في وقت سابق من هذا الشهر، إنها ستخفض نصف الإنتاج في مصنع للصلب في ألمانيا. وقالت الشركة إنها استندت في قرارها إلى ارتفاع أسعار الغاز.

فيما قررت الشركة ذاتها في وقت سابق من هذا العام أنها تخطط لتوسيع عملياتها في ولاية تكساس الأمريكية بسبب أزمة الطاقة في ألمانيا.

قد يهمك:كيف ستواجه أوروبا سطوة الغاز الروسي؟

انتعاش أميركي وغرق أوروبي

صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، نشرت تقريرا في 26 أيلول/سبتمبر الحالي، قال إن “وظائف المصانع في الولايات المتحدة تزدهر مثل السبعينيات، حيث يشهد التصنيع الأمريكي انتعاشا كبيرا، وسط ارتفاع طلب المستهلكين على المنتجات”.

وتضيف الصحيفة أنه اعتبارا من آب/أغسطس من هذا العام، أمّن المصنعون الأمريكيون حوالي 1.43 مليون وظيفة، بزيادة صافية قدرها 67.000 عامل فوق مستويات ما قبل جائحة “كورونا”.

وهذه ليست سوى بداية إعادة التصنيع والتعافي الاقتصادي للولايات المتحدة، لأن نزيف الوظائف من أوروبا قد بدأ للتو. وستذهب الشركات الألمانية إلى السوق الأميركي، تاركة عمال أوروبا وراءهم للغرق بمفردهم، بحسب الصحيفة.

أما مجلة “أن هيرد” البريطانية، فتقول: إن “الاتحاد الأوروبي يسير نائما نحو الفوضى، حيث إن عقوباته على روسيا تشل الطبقة العاملة في الكتلة الأوروبية، مشيرة إلى أن تفريغ اقتصادات أوروبا صناعاتها، سيجعل الطبقات العاملة في أوروبا أكثر معاناة، حيث يتم التخلي عنهم من قبل مجموعة من المستثمرين ذوي الثروات الكبيرة، الذين يرسلون أموالهم إلى الخارج بسهولة”.

وفي تقرير بتاريخ 19 أيلول/سبتمبر الحالي، قالت صحيفة “نيويورك تايمز”، “إن فواتير الطاقة الباهظة تجبر المصانع الأوروبية على التحول إلى الظلام، حيث يقوم المصنعون بإجازة العمال وإغلاق الخطوط، لأنهم لا يستطيعون دفع رسوم الغاز والكهرباء”.

ونقلت الصحيفة عن صاحب مصنع الزجاج “آرك إنترناشونال”، في شمال فرنسا، نيكولاس هودلر، ما إذا كان سينجو أم لا، قائلا للصحيفة الأمريكية إن تكلفة طاقة المصنع أصبحت الآن عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل عام واحد فقط، حيث ساعدت الطاقة الرخيصة التي كانت تأتي من روسيا في تحويل الشركة الفرنسية إلى أكبر منتج لأدوات المائدة الزجاجية في العالم.

لكن تأثير قطع روسيا المفاجئ للغاز عن أوروبا الذي فرضته العقوبات ألقى على الأعمال التجارية بمخاطر جديدة. حيث صعدت أسعار الطاقة بسرعة كبيرة لدرجة أن السيد هولدر اضطر إلى إعادة صياغة توقعات الأعمال ست مرات في شهرين. وفي الآونة الأخيرة، وضع هولدر ثلث موظفي الشركة البالغ عددهم 4500 في إجازة جزئية لتوفير المال.

أسعار الطاقة عامل أميركي جاذب

بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، في 22 أيلول/سبتمبر الحالي، فإن أسعار الطاقة تجذب مصانع أوروبية للانتقال للولايات المتحدة، خاصة بعد ارتفاع التكاليف في الدول الأوروبية.

وأكد التقرير أن الاقتصاد الأميركي هو “الرابح الأكبر من أزمة الطاقة في أوروبا”، خاصة مع مجموعة الحوافز للتصنيع والطاقة الخضراء التي أعلنت عنها واشنطن مؤخرا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين تنفيذيين قولهم إن الكفة تميل بشكل متزايد لصالح الولايات المتحدة، خاصة لشركات تصنيع المواد الكيميائية والبطاريات، أو الصناعات التي تحتاج إلى استهلاك مرتفع من الطاقة.

ورغم ما يواجهه الاقتصاد الأميركي من مستويات قياسية للتضخم، يقول محللون إن عدم الاستقرار في أوروبا بسبب الحرب، والإغلاقات التي تشهدها المدن الصينية بسبب كورونا زاد جاذبية الاقتصاد الأميركي، خاصة في ظل توسع واشنطن في الإنفاق على البنية التحتية وصناعة الرقاقات ومشاريع الطاقة الخضراء.

ويحذر اقتصاديون من أن منتجي الغاز الطبيعي في كندا وأميركا وقطر قد يعملون بشكل مكثف لتلبية احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي على المدى المتوسط، وهو ما قد يتسبب في ارتفاع مستمر للأسعار حتى عام 2024، الأمر الذي سيشكل ضغطا على القطاع الصناعي في أوروبا.

الصحيفة عرضت أمثلة لبعض الشركات التي تسعى لتوسعة أعمالها في الولايات المتحدة مثل شركة “أو سي آي إن في” للكيماويات، وشركة “باندورا” للمجوهرات، وشركة “فولكس فاغن” لصناعة السيارات، وشركة “أرسيلور ميتال” لصناعة الصلب.

وأشار التقرير إلى العديد من الشركات الأوروبية لا تزال “حذرة” بشأن تغيير استراتيجيتها بسبب صعوبة تأسيس مصانع جديدة لها في مناطق أخرى، مثل مصانع صهر الألمنيوم، والتي تحتاج لسنوات حتى تكتمل وتبدأ في الإنتاج.

وبحسب تقرير سابق لـ”فرانس برس”، فإن ألمانيا ودول أوروبية الوقت لإيجاد مصادر طاقة بديلة لإمدادات الغاز الروسي، وحذر البنك المركزي الألماني مؤخرا بأن وضع الإمدادات بعد توقف الواردات من روسيا “سيكون صعبا للغاية في الأشهر المقبلة”، مشيرا إلى احتمال تسجيل انكماش في أكبر اقتصاد أوروبي.

إقرأ أيضا:تصعيد جديد بين الروس والأوروبيين بسبب الغاز وأوكرانيا

تضخم قياسي وتوجه للطاقة الخضراء

بحسب تقرير سابق لصحيفة “إندبندنت عربية”، فإن الاقتصاد الأميركي استفاد كثيرا من أزمة الطاقة في أوروبا، حيث تسبب ارتفاع أسعار الغاز في تحول الشركات التي تصنع الصلب والأسمدة والمواد الأولية الأخرى عملياتها من أوروبا إلى الولايات المتحدة التي اجتذبتها بفضل أسعار الطاقة الأكثر استقرارا والدعم الحكومي القوي، وفي الوقت الذي تهدد فيه التقلبات الشديدة في أسعار الطاقة والمشكلات المستمرة في سلسلة التوريد أوروبا يحذر بعض الاقتصاديين من أنه قد تكون هناك حقبة جديدة من تراجع التصنيع، وكشفت واشنطن النقاب عن مجموعة من الحوافز للتصنيع والطاقة الخضراء. والنتيجة هي ساحة لعب مائلة بشكل متزايد لمصلحة الولايات المتحدة، كما يقول المسؤولون التنفيذيون، وبخاصة بالنسبة للشركات التي تراهن على مشاريع لتصنيع الكيماويات والبطاريات وغيرها من المنتجات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وأضافت الصحيفة، أنه وعلى الرغم مواجهة الاقتصاد الأميركي تضخما قياسيا واختناقات في سلسلة التوريد ومخاوف من حدوث تباطؤ، كما يقول المحللون، فقد ظهر قويا نسبيا من الوباء مع استمرار الصين في فرض إغلاق “كوفيد” وزعزعة استقرار أوروبا بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا. في حين أدى الإنفاق الجديد من قبل واشنطن على البنية التحتية والرقائق الدقيقة ومشاريع الطاقة الخضراء إلى زيادة جاذبية الولايات المتحدة للأعمال.

فيما أعلنت شركة المجوهرات الدنماركية “باندورا إي أس” و شركة “فولكس فاغن” الألمانية لصناعة السيارات عن توسعات في الولايات المتحدة في وقت سابق من هذا العام. وفي الأسبوع الماضي، أوقفت شركة “تيسلا” موقتا خططها لصنع خلايا بطارية في ألمانيا لأنها تتطلع إلى التأهل للحصول على ائتمانات ضريبية بموجب قانون خفض التضخم الذي وقعه الرئيس جو بايدن في آب/أغسطس الماضي.

ونقلت الصحيفة، عن ستيفان بورغاس، الرئيس التنفيذي لشركة “آر إتش آي ماغنيستا أن في”، قوله: “أعتقد أننا سنخوض فصول الشتاء”، مضيفا أنه إذا لم تتمكن القارة من العثور على غاز أرخص أو تكثيف الطاقة المتجددة، فستبدأ الشركات في البحث في مكان آخر. واليوم تنفق الشركة النمساوية، التي تصنع المواد التي تستخدمها شركات مثل صانعي الصلب لتحمل الحرارة الشديدة، حوالى ثمانية ملايين يورو على مصانعها الأوروبية، لذا تعمل بعض العمليات على وقود بديل مثل الفحم أو النفط، كما أنها تخزن الغاز الطبيعي في منشأة مستأجرة تحت الأرض كانت مملوكة سابقاً لشركة “غازبروم” التي يسيطر عليها الكرملين واستولت عليها الحكومة النمساوية.

وأضاف بورغاس أنه متفائل بشأن الطلب على الصلب في الولايات المتحدة، حيث أدت الحوافز إلى إشراق توقعات الطاقة الخضراء. ويرى مصنعون مثل “آر غتش آي ماغنيستا”، الهيدروجين كمفتاح لاستبدال الوقود الأحفوري وتقليل الانبعاثات في المصانع في مختلف أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وأماكن أخرى. ومن المتوقع أن يعزز الإنفاق الموعود به على مثل هذه المشاريع من قبل واشنطن إنتاج الهيدروجين ويخفض سعره في النهاية، وتابع “أننا نزيد استثماراتنا في الولايات المتحدة من أجل البقاء مع جميع شركائنا الذين يستثمرون”. وقال “نحن إيجابيون للغاية بشأن الولايات المتحدة”.

من جهتها، أفادت شركة “آركيلور ميتال إس إيه” ومقرها لوكسمبورغ، هذا الشهر، بأنها ستخفض الإنتاج في مصنعين ألمانيين، وتحدثت عن أداء أفضل من المتوقع من خلال استثمار هذا العام في منشأة في تكساس لتصنيع الحديد الساخن، وهو مادة خام لإنتاج الصلب، وعزا الرئيس التنفيذي أديتيا ميتال، قيمة المنشأة جزئيا إلى كونها في “منطقة توفر طاقة تنافسية للغاية، وفي النهاية، هيدروجين تنافسي”. وقال ميتال “أود أن أضيف أننا نمتلك 100 في المئة من التوسع المستقبلي في تلك المنشأة”.

إقرأ:روسيا “تحرق الغاز” بدلاً من تصديره لأوروبا.. كارثة بيئية؟

الولايات المتحدة لا تزال القطب الوحيد عالميا القادر على تجاوز الأزمات، ليس عسكريا وسياسيا فحسب، بل وحتى على المستوى الاقتصادي من خلال قدرتها على جذب مختلف أنواع الاستثمارات، في الوقت الذي تراجع الأداء الاقتصادي في أوروبا وبقية دول العالم.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة