نزيف الأطباء السوريين مستمر.. “الفقر بالوطن غربة”

أستمع للمادة

هجرة الأطباء السوريين بمختلف اختصاصاتهم، تُعد من الملفات المهمة التي تحتاج إلى حلول بعد تزايدها خلال الآونة الأخيرة، واللافت أن نزيف الهجرة لم يتوقف حتى الآن، بل تضاعف، ولم تعد هجرة الأطباء مقتصرة على الدول العربية، ولا على كبار الأطباء، بل بدأت الهجرة إلى بلدان أوروبية في ظل العديد من الإغراءات العلمية والمادية، وهذا حتما أثّر ولا يزال يؤثر على القطاع الصحي في سوريا عموما.

أسباب مختلفة، وراء قرارات الهجرة التي يتخذها الأطباء والتي لم تجد الحكومة السورية حلّا لها حتى الآن، فتردي الوضع الاقتصادي وتدني مستوى الدخل على قائمة هذه الأسباب، ثم يأتي موضوع الخدمة العسكرية التي لا يقدّر القائمون عليها أن القطاع الصحي بحاجة لكل طبيب في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.

الشغل قليل وما في مهرب من الجيش

خيارات محدودة باتت لدى الأطباء في سوريا، فالعمل في المشافي الحكومية لم يعد كافيا لتأمين المعيشة، والمشافي الخاصة مكتفية بعدد محدود جدا، والخدمة العسكرية تقف عقبة أمام أي تطور، كما يوضح الدكتور علي، في نهاية العقد الثالث من العمر لـ”الحل نت”، حيث يقول: “بعد تخرجي من كلية الطب في جامعة دمشق، درست تخصص الباطنية لمدة عامين في مشفى المواساة، وقمت بافتتاح عيادة صغيرة في بلدتي لاحقا، ولكن بعد اندلاع الحرب ساءت الأوضاع بشكل كبير ونحن كأطباء انخفض مستوى عملنا بشكل كبير، كما أنني لم أتمكن من التخلص من الخدمة العسكرية، لذلك آثرت الخروج”.

الازدحام في أحد المشافي السورية “وكالات”

ويتابع الدكتور علي، “خرجت في العام  2013 إلى الأردن، ومنذ خروجي أعمل في عيادة خاصة، بعد أن عملت عدة سنوات في بعض المشافي، على الأقل أشعر بالاستقرار المادي والمعنوي، ولا أسعى للهجرة لدول الغرب، فقد استطعت تأسيس حياة جديدة هنا”.

قد يهمك:المشافي السورية قائمة على أكتاف الممرضين.. أين دور الأطباء؟

ما في دكاترة مثل زمان

من جانب آخر، لا يتعلق بالأطباء والكوادر الطبية، بل يتعلق بالسوريين أنفسهم داخل سوريا حيث انعكست هجرة الأطباء على قدرتهم في الوصول للعلاج بشكل جيد.

عبد الرحمن، أربعيني يقيم في دمشق، يوضح خلال حديثه لـ”الحل نت”، المعاناة في الوصول إلى طبيب اختصاصي، والحصول على خدمات طبية عامة، يقول: “حاليا إذا أردنا الذهاب لطبيب مختص فيجب علينا البحث طويلا، لأن معظمهم هاجروا إلى أوروبا أو إلى أربيل والخليج، ومن بقي من الاختصاصيين عدد لا يُذكر، وغالبية الأطباء من الخريجين الجدد الذين لا يملكون الخبرة الكافية بعد”.

يتابع عبد الرحمن، “والدتي تعاني من قصور في القلب، وهي بحاجة إلى مراجعة مستمرة خاصة بعد أن تم تركيب جهاز بطارية للقلب، ولكن في كل مرة نعاني حتى نصل لطبيب قلب جيد، وهناك حل آخر هو بعض المشافي الخاصة ولكن أجورها تفوق قدرتنا المادية، أما مركز أمراض القلب فنحتاج لحجز دور قد يمتد لعدة أشهر، مع الأسف ما في دكاترة مثل زمان”.

خسارة الأطباء

تقرير لصحيفة “البعث” المحلية، يوم أمس الإثنين، نقل عن مدير الهيئة العامة لمشفى المواساة الجامعي بدمشق، الدكتور عصام الأمين، حقيقة المعاناة من نقص الكوادر الطبية التي برزت منذ العام 2011، حيث تم خسارة نحو 35بالمئة، من الكوادر في عامي 2011-2012، الأمر الذي أدى إلى ظهور فجوة كبيرة في القطاع، مع زيادة الطلب على المشافي الحكومية نتيجة الضائقة الاقتصادية، إلا أنه تم استدراك الموضوع من خلال التعاقد مع الخريجين الجدد من طلاب الدراسات العليا وخريجي وزارة الصحة، وبشكل ساعد إلى حد معين في تعويض الفاقد وتقديم الخدمة اللازمة لمستحقيها.

وأشار الأمين، إلى وجود هجرة من نوع آخر لوحظ ازديادها خلال العامين الماضيين، ولاسيما للشريحة الشابة من الأطباء لتوفر عمل في أماكن وبلدان أخرى تلبي حاجاتهم الاقتصادية، إضافة إلى معاناة القطاع من النقص المزمن في بعض التخصصات الطبية، كالتخدير، عنايات مركزي، إسعاف، والذي تفاقم خلال فترة الحرب، ولاسيما اختصاص التخدير، الأمر الذي أدى إلى المسارعة من قبل الجهات المعنية لتقديم دراسة تحفيزية لذلك الاختصاص، ومنحهم مكافأة تشجيعية للمحافظة عليهم من الهجرة ولتشجيع الدارسين لاختيار الاختصاص، بالتزامن مع وجود دراسة إستراتيجية بعيدة المدى لتشجيع الطالب على التسجيل، والقبول في الاختصاصات التي تعاني من النقص من خلال القبول الموازي إذا كان الطالب مستعدا للالتزام بالعمل مع القطاع الحكومي.

أما بالنسبة للمتعاقدين، بيّن الأمين، أنه تم استقبال أعداد كبيرة منهم بتعاقد سنوي متجدد يتم تثبيتهم بعد عملهم لمدة فترة محددة في حال رغبوا بتجديد التعاقد، أو التثبيت ليصبح موظفا على ملاك المشفى، علما أن المتعاقد ملتزم بالعمل في المشفى، وفي حال اختار فك التعاقد فيجب تبليغ الإدارة قبل شهر من انفكاكه ليتم القبول دون أي تبعات قانونية.

الهجرة بحثا عن أجور أعلى

بحسب تقرير لصحيفة “الوطن” المحلية، اليوم الثلاثاء، فإن عددا كبيرا من الممرضين والممرضات يطالبون بضرورة تحسين الواقع المعيشي والعملي من خلال منحهم حقوقهم بالتوصيف الوظيفي بشكل عام.

وطرح ممرضون مطالبهم تجاه العمل المجهد الذي يقومون به من دون أي زيادة في أجورهم أو طبيعة عمل وحوافز تنصف تعبهم، ما جعل عددا منهم يتقدم باستقالته في بعض مفاصل القطاع الصحي لعدم قدرتهم على مواصلة العمل وسط الظروف الحالية.

ونقل التقرير عن مصدر عمالي أن 31 عاملا من فئات عدة ضمن قطاع الصحة في محافظة اللاذقية، تقدموا بطلبات استقالة من العمل خلال الفترة الحالية، بسبب تدني الدخل مقارنة بالمصروف وخاصة فيما يتعلق بأجور النقل والمواصلات، التي باتت تثقل كاهل الموظفين كافة ممن يقطنون بمناطق بعيدة عن أماكن عملهم مطالبين بالنظر في أوضاعهم ونقلهم إلى أماكن عمل قريبة من سكنهم.

وحذر أحد الممرضين من ظاهرة هجرة وسفر العاملين بمهنة التمريض نحو العراق وليبيا واليمن، بحثا عن أجور أعلى تناسب عملهم المجهد وخبرتهم، مشيرا إلى أنه في حال لم يتم تحسين الواقع المهني للمرض سيكون خيار الاستقالة أو ترك العمل والهجرة، هو الحل الوحيد لمواجهة ظروف الحياة المعيشية القاهرة.

كما طالب عدد من الممرضين بضرورة تفعيل نقابة التمريض وفق المرسوم رقم 38 لعام 2012، وإقرار نظامها الداخلي والمالي وانتخاب نقيب للتمريض وإحداث صندوق تقاعد للمرضين، وبالتالي منح راتب تقاعدي من النقابة المحدثة في حال تفعيلها، إضافة لأهمية استحداث منصب نائب وزير الصحة لشؤون التمريض، بما يساهم في معالجة كل مشاكل المهنة على حد قولهم.

وحول فرص العمل للممرضين الشباب، أشار عدد من الكادر التمريضي إلى ضرورة تفعيل التقاعد المبكر وفق القانون، ومنح خريجي كلية العلوم الصحية والتمريض، فُرصا في المسابقات التوظيفية وتوسيع الملاكات في القطاع الطبي، لوقف نزف الكادر وهجرة الخريجين الشبان والشابات، لعدم وجود فرص عمل تناسب الواقع الراهن للممرضين.

هجرة مستمرة

في حديث سابق لـ”الحل نت”، أكد الطبيب، عبد الرحمن حاج هشام، أن هجرة الأطباء من سوريا مستمرة حتى اليوم، وأن أي طبيب يجد فرصة وعقد عمل يسافر على الفور، لا سيما بعد انهيار الوضع الاقتصادي للأطباء من جهة، وللمواطنين من جهة أخرى.

وبيّن حاج هشام، أن الضائقة المالية انعكست على الأطباء، قائلا، “الطبيب خلال عمله لا يستطيع أخذ كشفية من مواطن لا يملك ثمن ربطة خبز، كما أن الطبيب حاليا في سوريا لا يستطيع جلب أجهزة طبية حديثة بسبب الوضع الاقتصادي، وغلاء ثمنها الذي لا يتوفر حاليا مع الطبيب”.

وأشار تقرير سابق لـ”الحل نت”، إلى أن العشرات من الأطباء يفضلون العمل خارج سوريا، وفي بلدان تعاني من اضطرابات، لكن الفارق أنهم يحصلون على أجور أعلى بكثير مما هو الحال عليه في سوريا.

وأوضح التقرير، أن العراق يعتبر أحد الوجهات المهمة للكوادر الطبية السورية، إضافة للفنيين مثل مساعدي الأشعة ومساعدي التخدير والعناية المشددة وفنيي المختبر وطفل الأنبوب، والتمريض التخصصي كممرضات العمليات والعناية المشددة والحواضن.

وبيّن التقرير، أن المؤسسات الطبية العراقية تدفع للممرضة السورية ما بين 600 دولار وألف دولار، بالإضافة إلى أن القابلات اللاتي تصل رواتبهن إلى 800، بل وحتى 1500 دولار شهريا لذوي الخبرة.

دول مختلفة تجذب الأطباء السوريين

تقرير سابق لموقع “الحل نت”، أشار إلى أن ليبيا دخلت أيضا على خط استجرار عمالة التمريض والكوادر الفنية في الآونة الأخيرة، بعد العراق، حيث أن دول الخليج التي تشترط تعديل الشهادات للممرضين وتحتاج دوله إلى إتقان الإنكليزية، بخلاف العراق وليبيا اللتين تعترفان بالشهادة السورية.

ولفت التقرير، إلى أن تدفق كبير للأطباء في الآونة الأخيرة لأطباء التوليد من الخريجين الجدد، وتعتبر الصومال وليبيا والعراق واليمن أبرز وجهاتهم، حيث يتراوح راتب الطبيب منهم بين 2000 – 3000 دولار شهريا، بينما تتراوح رواتب التخصصات النادرة كجراحي الصدر والعظام والعمود الفقري، وأطفال الأنبوب ما بين 20 – 30 ألف دولار شهريا.

بيّن التقرير، أن هناك 300 طبيب سوري في الصومال، مقابل حوالي 1000 طبيب في العراق، وهو عدد ليس بالقليل، رغم أنه لا يؤثر على العمل الطبي في بعض التخصصات داخل سوريا، لكنه يؤثر في تخصصات أمراض الأوعية الدموية والصدر والجهاز العصبي والرئوي، بينما محافظة حلب لديها ثلاثة أطباء صدرية فقط ونفس العدد من جراحي الأوعية الدموية، وهو عدد ضئيل للغاية.

مرسوم توطين الأطباء

في مطلع العام الحالي، وقّع الرئيس السوري، بشار الأسد، مرسوما تشريعيا هو الأول في عام 2022، لتعويض العاملين في مستشفيات السرطان الحكومية عن طبيعة عملهم على أساس راتب شهري مقطوع في موعد أداء العمل. في حين رأى مراقبون أن التحرك الجديد للأسد، هو لمنع الأطباء من الهجرة بعد أن شهدت المستشفيات السورية عجزا في الكوادر الطبية خلال الفترة السابقة.

من داخل أحد المشافي السورية “وكالات”

وفي هذا السياق، أشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بسام إبراهيم، إلى أن القرار شمل العاملين في المشافي العامة المختصة بالأورام، الذين يتعرضون لمخاطر أثناء قيامهم بواجباتهم، وكذلك تشجيعا لدخول هذه التخصصات الطبية وتعويضها.

وأضاف إبراهيم، أن نسبة الزيادة لتعويض طبيعة العمل تتراوح بين 20 – 65 بالمئة، بحسب التصنيف الوظيفي. مبينا أن القرار يسري على الكوادر الطبية والفنية والإدارية والخدمية في الجامعات التي تقدم خدمات العلاج الكيميائي والإشعاعي وزرع الخلايا الجذعية والخلايا الجذعية النقية، بغض النظر عن الانتماء لوزارات التعليم العالي والعلمي.

وتعليقا على القرار، أعرب طبيب الأورام، عبد الرحمن المسالمة، خلال حديث سابق لـ”الحل نت”، عن القلق العميق الذي استشعرت به الحكومة في سوريا بشأن تأثير الانهيار الاقتصادي والأزمات المتعددة على الشعب، وقال إن هجرة الأدمغة بين العاملين الصحيين في البلاد أثارت قلق دوائر الصحة عامة.

وأوضح المسالمة، أن سوريا الذي يبلغ عدد سكانها حاليا ما يقارب 16 مليون نسمة، تحتاج إلى دعم طارئ وتنموي لمعالجة نقص الأدوية والوقود والمشاكل الهيكلية، مثل هجرة المهنيين الطبيين. وقال إن هجرة الأدمغة تحرم البلاد، التي كانت ذات يوم مركزا طبيا في المنطقة، من الموارد البشرية الأساسية.

 وتابع المسالمة، أنه لأشهر، كانت رفوف الصيدليات خالية، وتفاقمت بسبب الشراء بدافع الذعر واحتجاز الموردين للأدوية، على أمل بيعها لاحقا بأسعار أعلى وسط خطط لإلغاء الدعم الحكومي.

ووصلت المستشفيات إلى نقطة الانهيار، وبالكاد تستطيع تأمين وقود المازوت للحفاظ على المولدات والآلات، المنقذة للحياة تعمل يوما بعد يوم في الوقت الذي تكافح لا نرى فيه الحكومة التي تعاني من ضائقة مالية تكافح من أجل استيراد المواد الأساسية.

إقرأ:سوريا.. 80 بالمئة من الأطباء بالكاد يعيشون

لا حلول ناجحة حتى الآن استطاعت ثني الأطباء والكوادر الطبية عن الهجرة، فالأوضاع الاقتصادية في تردٍ مستمر، والأوضاع باتت لا تحتمل من قبلهم، وفي الوقت نفسه تنعكس هذه الهجرة على السوريين الذين يعانون في حالات المرض والحاجة للعلاج خاصة مع انتشار العديد من الأمراض والأوبئة، ومنها مؤخرا الكوليرا.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول شرق أوسط