ما تأثير التظاهرات الإيرانية على نظام خامنئي؟

ما تأثير التظاهرات الإيرانية على نظام خامنئي؟
أستمع للمادة

مع دخول الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث، تتسع رقعة الاحتجاجات يوما بعد يوم وبشكل مستمر، حتى وصلت إلى داخل الجامعات والمدارس ومعظم المدن الإيرانية، كما توسعت لتشمل المطالب الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط التنديد بقتل الشابة الكُردية الإيرانية، مهسا أميني (جينا أميني)، ونتيجة للممارسات القمعية للنظام الإيراني في قمع أصوات الشعب الإيراني، استنكرت العديد من الدول والمسؤولين السلوك الهمجي لإيران، وحتى الولايات المتحدة الأميركية بصدد فرض عقوبات إضافية على إيران، إثر ممارساتها ضد المتظاهرين المدنيين.

مما لا شك فيه أن هذا الأمر يضعف ويقلل من فرصة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، وهذا بالمجمل له آثار سلبية وضغوط كبيرة على الوضع الاقتصادي في البلاد، إضافة إلى الضغوط السياسية التي تتسع مع استمرار الاحتجاجات واستمرار رفض الشارع الإيراني لهذه السلطة الحاكمة. ومن هنا يجدر التساؤل في خضم الاحتجاجات المستمرة في المدن الإيرانية وفي ظل الوضع الاقتصادي السيء، حول تأثير هذه الاحتجاجات على النظام الإيراني، ومدى استمرارية هذه الاحتجاجات في عموم البلاد.

قد يهمك: القصف الإيراني لكردستان العراق.. سبب صمت أربيل وأهداف طهران

التبعات الاقتصادية

رغم اتساع الاحتجاجات وتصاعدها، إلا أن الصحف ووسائل إعلام النظام، تدّعي أن موجة الاحتجاجات قد انتهت، وأن “الأعداء فشلوا في أهدافهم من هذه الاحتجاجات”، متهمة المتظاهرين بالعمل لصالح الأعداء وتنفيذ مخططاتهم.

أما عن مواقف الصحف الإصلاحية التي تدّعي في كثير من الأحيان أنها أقرب إلى صوت الشارع من الصحف الأصولية، فهي الأخرى لم تكن بالمستوى المطلوب في تغطيتها للأحداث ولم تتوسع في تحليلاتها لمعرفة الأسباب الحقيقية لاندلاع هذه الاحتجاجات، واكتفت بترديد مطالب ليست بذات شأن بالنسبة للمتظاهرين في هذه المرحلة على الأقل، مثل “حل شرطة الأخلاق” أو “مناقشة الحصول على إذن قانوني للقيام بالتظاهر”، فالشارع الإيراني اليوم قد تجاوز هذه المطالب، ولم يبال بأن تسمح الشرطة له بالتظاهر أم لا، وفق تقرير لموقع “إيران إنترناشيونال”.

صحيفة “كيهان” الإيرانية

هذا بالإضافة إلى موضوع فرص القيود على الإنترنت، فبينما حذّرت بعض الصحف الإيرانية، مثل “أترك” من التبعات الاقتصادية والسياسية لتقييد الإنترنت، وحجب عدد من المواقع والتطبيقات، يُلاحظ في المقابل دعوات بعض الصحف المتشددة إلى ضرورة الاستمرار في هذا الوضع باعتباره ضامنا لـ”استقلال” إيران وحاجزا أمام نفوذ الأعداء وتغلغلهم في الداخل، كما رأت صحيفة “كيهان” التابعة للمرشد علي خامنئي.

في حين، عنونت صحيفة “هم ميهن”، بكلام الخبير السياسي والدبلوماسي السابق، سيد جلال ساداتيان، وكتبت: “عقوبات أميركية جديدة في الطريق”، موضحا أن واشنطن سوف تغير من مواقفها تجاه إيران، وتكون أكثر صرامة وتشددا في التعامل مع طهران.

وضمن هذا السياق، قال الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبد الرحمن، إنه من المعروف أن العقوبات المفروضة على إيران أثرت بشكل كبير على الوضع الاقتصادي، لا سيما انخفاض قيمة العملة الإيرانية مقابل الدولار إلى مستويات كبيرة، بالإضافة إلى زيادة نسبة التضخم بشكل مهول، كما أن الشركات الصغيرة والمتوسطة أغلقت أبوابها، فضلا عن ارتفع معدل البطالة في جغرافيا إيران، والاحتجاجات الأخيرة زادت من عدد العاطلين عن العمل.

وأردف عبد الرحمن، في حديثه لـ”الحل نت”، أنه من المعروف أيضا أن هناك عددا كبيرا من الإيرانيين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي لمزاولة أعمالهم.

يوجد قرابة 11 مليون شخص في إيران يعملون على وسائل التواصل الاجتماعي، و 9 ملايين منهم على منصة “انستغرام” فقط. وبالتالي ساهم حجب الإنترنت في تعطيل 11 مليون شخص هناك، وبالتالي سيؤدي هذا الأسلوب إلى انضمام هؤلاء إلى قائمة المحتجين، وفق عبد الرحمن.

لذلك لا شك أن الاحتجاجات كان لها تأثير سلبي كبير على الاقتصاد الإيراني، بالإضافة إلى تحمّل السلطات الإيرانية التكاليف المالية الأخرى لتحركات قواتها الأمنية في قمع الاحتجاجات، وبالتالي فإن التكلفة المالية كبيرة على النظام الإيراني، نتيجة لهذه المظاهرات، على حد قول عبد الرحمن.

قد يهمك: أنظمة سياسية ضعيفة في إيران وروسيا لهذا السبب!

لماذا الاحتجاجات مختلفة هذه المرة؟

الكاتب والصحفي المتخصص بالشأن الإيراني، نزار جاف، يرى أن ما يميز الاحتجاجات الحالية ثلاث ملاحظات مهمة، وهي أنها ترفض قيم ومفاهيم النظام القائم، والتي يجب الاعتراف بأن “الحجاب” أهم ما يرفضه الشارع، وأن الانتفاضة التي تندلع بشكل رئيسي بسبب “الحجاب”، تعتبر تصويتا شعبيا لرفضه، وهو ما يعني أيضا رفض معظم تشريعات النظام الأخرى.

بالإضافة إلى مشاركة الطلاب والشباب فيه على نطاق واسع، بحيث تعيد للأذهان أواخر عام 1978 وبداية عام 1979، التي سبقت سقوط نظام الشاه الإيراني. كذلك، الاهتمام الدولي بالاحتجاجات والضغط المتزايد على النظام ودعمه للشعب الإيراني، وفق حديث جاف لموقع “الحل نت”.

بحسب اعتقاد جاف، فإن كل المؤشرات تدل على استمرار الاحتجاجات، وحسن أداء طلاب جامعة “فردوسي”، في مدينة مشهد حين رددوا شعارات منها “هذا لم يعد احتجاجا.. بل بداية ثورة”، بمعنى آخر وبتعبير أدق، فإن النظام الحالي يواجه نفس السيناريو الذي أدّى إلى إسقاط نظام الشاه.

وبالعودة إلى الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبد الرحمن، فإنه يرى أن الاحتجاجات مختلفة هذه المرة، ومن المعروف أن كل الاحتجاجات التي اندلعت في الماضي لم تستمر أكثر من أربعة أيام، نتيجة القمع والقتل والاعتقال.

بحسب اعتقاد عبد الرحمن، فإن عوامل هذا الاستمرارية عدة، بما في ذلك خروج مدن ومحافظات للاحتجاجات لم تشارك من قبل على الإطلاق، مثل المحافظات الشمالية الإيرانية، والأمر الآخر أن الاحتجاجات السابقة كانت تخرج في مناطق معينة فقط ويتم قمعها بسهولة، لكن هذه المرة مختلفة، بالنظر إلى حجم الاحتجاجات الحاشدة.

العامل الآخر الذي ساهم في استمرار هذه الاحتجاجات هو “الإعلام”، بالرغم من حجب الانترنت تمكن القادة والناشطون من خلال بدائل في بعض المناطق من سحب والتقاط الصور ومقاطع الفيديو، وإرسالها إلى الخارج، والأهم من ذلك كله هو الدعم السياسي من الدول الغربية وخاصة قرار أميركا بمعاقبة الأشخاص الذين يساهمون في قمع الاحتجاجات، على حد تعبير عبد الرحمن لـ”الحل نت”.

قد يهمك: طهران تصرف الأنظار عن احتجاجات الداخل بقصف المناطق الكردية العراقية؟

أزمة مستمرة

في سياق متّصل، أصدر رئيس الوزراء الإيراني السابق والزعيم الإصلاحي، الذي يقيم تحت الاقامة الجبرية مير حسين موسوي، بيانا خاطب فيه القوات المسلحة الإيرانية حول الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد بعد مقتل الشابة مهسا أميني، بعد استدعاءها من قبل الشرطة الأخلاقية.

وقال في البيان، إن القدرات المعطاة لكم هي من أجل الدفاع عن الشعب وليس لقهرهم، وهي من أجل حماية المظلوم وليس لخدمة الأقوياء. متمنيا على القوات المسلحة أن تقف إلى جانب الحق وإلى جانب الشعب. وتابع إن مهسا أميني هي ابنة إيران، ابنة كردستان، ابنة البشرية وسلبت من أحلامها بموتها المفجع، وفق تقرير لموقع “جادة إيران”.

وبالعودة إلى الكاتب والصحفي المتخصص بالشأن الإيراني، نزار جاف، يقول: “لأن النظام الديني المتشدد في إيران واجه العديد من الحركات الاحتجاجية الكبيرة للشعب الإيراني، خاصة بعد مقتل الشابة الكُردية مهسا أو جينا أميني، على يد ما يسميه النظام الإيراني بدوريات الإرشاد، مختلفة تماما عن الاحتجاجات السابقة، ذلك لأن الاحتجاجات السابقة كانت لأسباب سياسية واقتصادية ومعيشية، ولم تحمل كل الأسباب أو المبررات الشاملة بمعنى تجاوز وتخطي الأبعاد السياسية والاقتصادية، وتحويلها إلى احتجاجات شاملة تعبّر عن الرأي العام الإيراني”.

الاحتجاجات في إيران “وكالات”

وبالنظر إلى الوضع في إيران قبل مقتل الشابة أميني، يمكن القول إنها كانت محتقنة وتشبه بركانا رآه الجميع يغلي وينتظر لحظة ثورانه. كان مثل الأرض التي مهدت للإسراع في دفع الوضع المزدحم إلى ذروته، وأصبح مقتل أميني، الشرارة والمبرر لانفجار بركان الغضب الإيراني، على حد قول جاف لـ”الحل نت”.

وفق اعتقاد جاف، فإن قيام خامنئي بتنصيب إبراهيم رئيسي، رئيسا لإيران، وهو المعروف لدى الشعب الإيراني بـ “الجزار”، لدوره في مذبحة آلاف السجناء السياسيين عام 1988، بعد فشل لعبة “الاعتدال والإصلاح”، التي قام بها النظام الإيراني خلال فترات الرئاسة الأربع لمحمد خاتمي وحسن روحاني، لا سيما في عهد روحاني، حيث شهدت احتجاجات واسعة النطاق، لا سيما نهاية عامي 2017 و 2019، عندما هتف الناس ضد أصل النظام وضد مرشد النظام نفسه. وبدلا من اعتراف خامنئي، بأخطاء النظام والسعي لتصحيحها، اختار الهروب إلى الأمام بتنصيب رئيسي، رئيسا لدولة إيران واللجوء إلى خيار استخدام القبضة الحديدية ضد كل من يقف في وجه الحكومة الإيرانية.

“كان النظام الإيراني ولا يزال يواجه أزمة خانقة في جميع المجالات، يجب الاهتمام بها وأخذها بعين الاعتبار. والأهم أنه حتى لو رفعت العقوبات الدولية عن النظام وأطلق سراح أصوله المجمدة، فلن يتمكن من حل أزمته الاقتصادية باعتراف خبرائه الاقتصاديين، لأن الظروف السلبية لهذا النظام في الواقع، هو نتيجة تراكم المشاكل والسلبيات الموروثة منذ إنشاء هذا النظام، أي أن الخطأ الأساسي والرئيسي، يكمن في النظام نفسه وفي النهج الذي يصر على التمسك به وجعل كافة إمكانيات وموارد بلد في خدمتها”، على حد قول جاف.

هذا وارتفع عدد القتلى أثناء قمع الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ نحو ثلاثة أسابيع إلى 92 شخصا على الأقل، وفق حصيلة جديدة أعلنتها الأحد، منظمة “حقوق الإنسان”. كما اتسعت دائرة هذه المظاهرات إلى مدن عدة في العالم من بينها لندن وباريس ومدريد وتورنتو، السبت تضامنا مع التحركات في إيران.

قد يهمك: إعادة تموضع إيراني في سوريا.. ما تأثيراته؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة