مظاهرات واسعة و50 قتيلا وأكثر من 300 جريح.. ما الذي يحصل في تشاد؟

مظاهرات واسعة و50 قتيلا وأكثر من 300 جريح.. ما الذي يحصل في تشاد؟
أستمع للمادة

على خلفية تمديد “الفترة الانتقالية” في تشاد لمدة عامين، والتي كان من المقرر أن تنتهي يوم الخميس 20 تشرين الأول/أكتوبر، اندلعت مظاهرات حاشدة في العاصمة التشادية نجامينا، وطالب المتظاهرون الرئيس التشادي المنتهية ولايته بالتنحي. في نهاية أيلول/سبتمبر الماضي، تم الإبقاء على الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إيتنو، كرئيس حتى إجراء انتخابات حرة وديمقراطية متوقعة في نهاية الفترة الانتقالية الثانية، والتي سيتمكن خلالها ديبي، من الترشح لمنصب الرئاسة أيضا.

عقِب هذه الاحتجاجات اندلعت مواجهات بين القوات الأمنية والمتظاهرين. حيث قُتل نحو 50 شخصا، معظمهم في نجامينا وموندو وكومرا، وأصيب أكثر من 300 آخرين. من جهتها، تتهم السلطة التشادية المعارضين بتنظيم تمرد شعبي مسلح، بدعم من قوى خارجية.

احتجاجات واسعة

يوم الخميس الفائت، شهدت العاصمة التشادية نجامينا، مواجهات دامية بين رجال الأمن والمتظاهرين، سقط على إثرها عشرات القتلى والجرحى، خلال مظاهرات رافضة لتمديد للمجلس العسكري الحاكم في الفترة الانتقالية، مطالبين بتنحّي الرئيس محمد إدريس ديبي، بعد انتهاء الفترة الانتقالية الأولى. حيث خرج مئات المتظاهرين للشوارع في العاصمة ومدن أخرى رغم حظر السلطات للاحتجاجات.

ناشطون على مواقع التواصل بثوا مقاطع مصورة تظهر احتجاجات في نجامينا وإضرام متظاهرين النيران في إطارات السيارات. بدوره، قال حزب “صناع التغيير” المعارض إن قوات الأمن قتلت 8 أشخاص على الأقل، مشيرا إلى أنها استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، ضد أنصار المعارضة الرافضين لسيطرة الجيش على الحكم.

في حين قالت وكالة الصحافة الفرنسية، إن مراسلها في العاصمة التشادية شاهد 5 جثث في مستشفى بالمدينة، مضيفة أن مصدرا طبيا أكد أن الضحايا توفوا جراء تعرضهم لطلق ناري، وتم أيضا استخدم قنابل الغاز المسيل للدموع، وأُقيمت حواجز في كثير من مناطق المدينة، وأحرقت إطارات على طرق رئيسة لعرقلة حركة السير.

الاشتباكات اندلعت بعد تمديد المرحلة الانتقالية والسلطة تتهم المعارضين بتنظيم عصيان شعبي ومسلح “رويترز”

ضمن هذا الإطار، أعلن رئيس الوزراء التشادي صالح كبزابو، أن الاحتجاجات التي شهدتها مدن عدة في البلاد أسفرت عن مقتل نحو 50 شخصا، كما أعلن تعليق جميع الأنشطة لأحزاب معارضة رئيسية وفرض حظر تجول، مضيفا يوم الخميس الماضي، إن نحو 50 قتيلا سقطوا خصوصا في نجامينا وموندو وكومرا، وجرح أكثر من 300، وأشار إلى أن حظر التجول لمدة 12 ساعة يبدأ يوميا منذ السادسة مساء وسيستمر حتى “الاستعادة التامة للأمن في نجامينا وموندو ودوبا وكومرا”.

إلى جانب أن كبزابو، حذر من أن الحكومة “ستفرض النظام في كامل البلاد، ولن تتسامح بعد الآن مع أي انزلاق أيّا كان مرتكبه”، وفق تعبيره.

من جانبها أعلنت جمعية الصليب الأحمر التشادي، أنها نشرت “عشرات الفرق” في المناطق المتوترة في العاصمة. وصرح رئيسها الخلا احمد السنوسي لوكالة “فرانس برس” قائلا، “نقدم الاسعافات الاولية وننقل عشرات الجرحى بالسيارة الى المستشفيات”.

هذا وقد مُنعت التظاهرة يوم الأربعاء الفائت من قِبل السلطات. وقال عباس محمد البالغ 35 عاما، “خرجت للتظاهر للتنديد بحوار الواجهة هذا الذي يكرّس النظام وللمطالبة بتغيير السلطة. خلال 31 عاما، لم نشهد أيّ تغيير إيجابي في بلدنا”.

هذا وكان الحوار الوطني الشامل في تشاد، الذي اختتم السبت الماضي أقرّ بعد مشاورات استمرت 6 أسابيع خريطة طريق لمرحلة انتقالية، مع إبقاء رئيس المجلس العسكري محمد إدريس ديبي رئيسا للبلاد مدة عامين. أما خريطة الطريق، فإنها تشمل بنودا عدّة أبرزها، تمديد فترة حكم ديبي، وترشيحه في الانتخابات القادمة، وتوسعة المجلس التشريعي، وتخصيص 45 مقعدا فيه للحركات المسلحة التي وقّعت “اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد”.

يُشار إلى أنه في 20 نيسان/أبريل 2021، أعلن الجيش تعيين ديبي الأبن (38 عاما) رئيسا لمجلس عسكري انتقالي يضم 15 جنرالا، وذلك بعد إعلان وفاة والده إدريس ديبي، الذي قُتل في معارك ضد جبهة الوفاق من أجل التغيير في شمال كانم (شمالي تشاد)، وذلك بعدما حكم تشاد نحو 30 عاما.

كذلك، وعد الجنرالات يومها بإجراء “انتخابات حرة وديمقراطية” في ختام مرحلة انتقالية تستمر 18 شهرا، قابلة للتمديد مرة واحدة، بعدما حلّوا البرلمان والحكومة وألغوا الدستور.

قد يهمك: مستقبل النظام الدولي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا

ما علاقة فرنسا

أثناء التظاهرات الواسعة التي اندلعت في تشاد، توجه بعض المتظاهرين إلى مقر حزب “الاتحاد الوطني للديمقراطية والتجديد” الذي يتزعمه رئيس الوزراء صالح كبزابو، المعارض التاريخي لنظام ديبي، الذي عُين رئيسا للوزراء، مؤخرا.

في حين تشكلت حكومة وحدة وطنية يوم الجمعة الماضي لقيادة تشاد للعامين المقبلين حتى إجراء الانتخابات. لكن معارضين طالبوا بعودة بشكل أسرع للديمقراطية وتغيير الحكومة، بعد حكم ديبي الطويل.

سيليستين توبونا، نائب رئيس حزب “الاتحاد الوطني للديمقراطية والتجديد”، لوكالة “رويترز” عبر الهاتف، “تعرض مقرنا للنّهب ثم أُضرمت فيه النيران هذا الصباح”.

في أيار/مايو الماضي، أطلقت قوات الأمن، الغاز المسيل للدموع واستخدمت خراطيم المياه لتفريق احتجاجات مناهضة لفرنسا. وفي سياق التظاهرات الحالية، دانت فرنسا عبر وزارة الخارجية، أعمال العنف. وقالت الوزارة في بيان، إن “عنفا وقع صباح يوم الخميس في تشاد، خصوصا مع استخدام الأسلحة الفتّاكة ضد المتظاهرين، وهو ما تدينه فرنسا”، مؤكدة في الوقت ذاته أن باريس لا تلعب “أي دور في هذه الأحداث، والتي تشكل مسألة مرتبطة حصرا بالسياسة الداخلية لتشاد. وكل المعلومات الكاذبة بشأن تورط مزعوم لفرنسا لا أساس لها من الصحة”.

قد يهمك: التغلب على الصين وكبح جماح روسيا.. استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة

تنديد دولي

ضمن هذا الإطار، دانت دولة الجزائر بشدة ما وصفته “استخدام القوة المميتة” ضد متظاهرين في تشاد، الذين خرجوا احتجاجا على تمديد الفترة الانتقالية بالبلاد. وقالت الخارجية الجزائرية في بيان يوم الجمعة الفائت، إن الجزائر “تدين بشدة استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، مما تسبب في إزهاق أرواح العديد منهم وإلحاق إصابات خطيرة بآخرين في عدة مدن عبر أنحاء البلاد”.

هذا وحثّ البيان، “الأطراف التشادية إلى ضبط النفس والحفاظ على الأرواح والممتلكات وتعزيز الحوار من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة الحالية”، مضيفا أن ” الجزائر تشجع القادة التشاديين على تعزيز الانتقال التوافقي نحو الاستعادة الفعلية والدائمة للنظام الدستوري، الذي يظل السبيل الوحيد لتحقيق التطلعات المشروعة للشعب وتجنب المخاطر التي يشكلها الوضع الحالي على السلم والاستقرار، في البلد الذي تجمعه بالجزائر علاقات أخوية مبنية على التضامن والتعاون”.

احتجاجات تشاد “إنترنت”

بدورها دولة قطر، دعت جميع الأطراف في تشاد إلى تجنب التصعيد وتجاوز الخلافات بالحوار وضبط النفس، وقالت وزارة الخارجية، في بيان عبر حسابها الرسمي على منصة “تويتر”، يوم الجمعة الفائت “تتابع دولة قطر بقلق بالغ التطورات الحالية في جمهورية تشاد”.

الخارجية القطرية دعت في بيانها “الأطراف كافة إلى تجنّب التصعيد وممارسة أقصى درجات ضبط النفس والاحتكام لصوت العقل وتغليب المصلحة الوطنية العامة”، معربة عن “أمل دولة قطر في أن تنتهج جميع الأطراف الحوار سبيلا لتجاوز الخلافات”، إلى جانب أنها أكدت أنها تتطلع إلى “الحفاظ على مكتسبات اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد، بما يحقق تطلعات الشعب التشادي في السلام والتنمية والازدهار”، وفقا لـ”رويترز”.

قد يهمك: الأردن غير قادر على التعايش مع الوضع.. جهود متزايدة للحل في سوريا

ما هو “الحوار الوطني” التشادي؟

منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر، أقرّ الحوار الوطني الشامل في تشاد الذي اختُتم في نجامينا، خارطة طريق لمرحلة انتقالية، مع إبقاء رئيس المجلس العسكري محمد إدريس ديبي، رئيسا للبلاد مدة عامين. وبعد مشاورات استمرت شهرا ونصفا، تم الاتفاق على خارطة الطريق التي أقرها الفرقاء التشاديون، وتشمل بنودا عدة أبرزها تمديد فترة حكم محمد إدريس ديبي (38 عاما) سنتين، وترشيحه في الانتخابات القادمة، وتوسعة المجلس التشريعي، وتخصيص 45 مقعدا فيه للحركات المسلحة التي وقّعت “اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد”.

الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحوار الوطني في 20 آب/أغسطس الماضي “الجزيرة”

بدوره، قال ديبي، إنه سيجري الإفراج عن كل أسرى الحرب لتعزيز جهود المصالحة المتضمنة في اتفاقية الدوحة للسلام. هذا وكان “الحوار الوطني الجامع والسيادي”، قد افتتح في 20 آب/أغسطس بعد إرجائه مرارا، بخطاب ألقاه ديبي، بحسب ما نقله “الوكالات” الدولية.

إن هذ الحوار قاطعه قسم كبير من المعارضة السياسية والمجتمع المدني، منددين بما اعتبروه “توريثا للحكم”، إضافة إلى عدد من أقوى حركات التمرد المسلحة.

قد يهمك: هل تنجح إيران باستعادة العلاقات الدبلوماسية مع السعودية؟

ضرورة حياد رجال الدين؟

في وقت سابق، صرح رئيس المجلس العسكري الانتقالي التشادي، محمد إدريس ديبي، إن انشغال قادة الكنائس بالسياسة وانحيازهم إلى طرف يعيدان للأذهان أسباب الحرب الأهلية في البلاد، معتبرا أن ما قام به بعض رجال الدين المسيحي في تشاد أمر خطير وعليهم الرجوع عنه، في إشارة إلى انسحاب ممثلي الكنائس من الحوار الوطني الشامل.

ديبي، أردف في حديث تلفزيوني إن الباب مفتوح لقادة الكنائس للعودة للحوار الذي انطلق بعد توقيع أطراف الصراع، اتفاقية سلام في الدوحة في آب/أغسطس الماضي، قائلا “رجال الدين هم رجال الله، وفي نظام جمهوري ودولة علمانية لا علاقة لرجال الدين بالسياسة، وعليهم ألا ينحازوا لأي طرف، ما قاموا به أمر خطير، وهو الذي قادنا إلى الحرب الأهلية عام 1978”.

وجاءت تصريحات ديبي، بعد قرار انسحاب ممثلي الكاثوليكية والبروتستانتية من “الحوار الوطني الشامل” بحجة عدم شموليته، وأنهم لا يريدون أن يكونوا إلى جانب جماعة وصفوها بالظالمة، بالإضافة إلى أن ديبي كان قد حذر في وقت سابق من محاولات تقسيم تشاد، وأشار بالقول، إن “جماعات تعمل واجهات لجهات أجنبية نجحت في تجزئة بلد كبير مجاور لبلاده، وتسعى مستغلة الدين إلى تكرار الشيء نفسه في تشاد”.

في وقت سابق، قبل نحو شهرين، أعلنت جماعة متمردة في تشاد أنها قتلت 10 جنود شمال البلاد، وهو ما نفته الحكومة ووصفت تلك الادعاءات بـ”الكاذبة”. جماعة “مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية”، قالت في بيان، إن الجيش التشادي هاجم قواتها في منطقة تيبيستي الشمالية المتاخمة للنيجر وليبيا. وأضاف البيان، أن مقاتلي الجماعة تمكنوا من قتل 10 جنود وأسر 8 آخرين آنذاك.

المتحدث باسم الحكومة التشادية عبد الرحمن كلام الله، ردا على بيان الجماعة المتمردة قال، إنه على الرغم من دخول نحو 20 عربة تابعة للجماعة المتمردة البلاد مؤخرا، إلا أنه لم يسجل حصول أي “مناوشات” مع القوات الحكومية، مشيرا إلى أن القوات الحكومية كانت تراقب “هذه الأرتال بالطائرات، وقد غادرت الأراضي التشادية قبل أيام”، واصفا بيان الجماعة بأنه “أخبار كاذبة”.

محمد إدريس ديبي “AFP”

الجدير ذكره أن مجلس القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية، كان من بين الجماعات المتمردة التي رفضت المشاركة في الحوار الوطني لاستعادة الحكم المدني، كما لم توقّع الجماعة على اتفاق السلام الذي تم بالدوحة في الثامن من آب/أغسطس الجاري.

هذا وتعيش الدولة الشاسعة التي يقودها الجيش وتقع في وسط إفريقيا، حالة اضطراب منذ الموت المفاجئ للرئيس إدريس ديبي في أبريل/ نيسان 2021. وحكم ديبي بقبضة من حديد لثلاثة عقود ولقي حتفه أثناء زيارته للقوات التي تقاتل المتمردين.

إلى جانب أن هناك مقاومة لمجلس عسكري انتقالي، برئاسة نجل ديبي الذي تولى السلطة بعد وفاة والده الرئيس إدريس ديبي، في معارك بين الجيش ومتمردين، وأرجأ الانتخابات إلى تشرين الأول/أكتوبر 2024.

بحسب التقارير، فإنه منذ استقلال تشاد عن فرنسا عام 1960 شهدت منطقة تيبيستي ظهور العديد من حركات التمرد، وبعد اكتشاف مناجم الذهب فيها عام 2012 تدفق للمنطقة آلاف المنقبين إضافة إلى جماعات متمردة من تشاد والسودان المجاور، تسعى للسيطرة على مناجم ذهب هناك لتمويل عملياتها المسلحة.

وتشكل مجلس القيادة العسكرية عام 2016 بعد حدوث انقسام داخل جماعة جبهة التغيير والتوافق “فاكت” المتمردة، التي تقف وراء الهجوم الذي أدى إلى مقتل الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي عام 2021.


قد يهمك: على خطى حزب “البعث”.. “الشيوعي” الصيني يسيطر على السلطة

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة