كيف سيؤثر تغير المناخ في صحة الناس بالعالم؟

كيف سيؤثر تغير المناخ في صحة الناس بالعالم؟
أستمع للمادة

تحت عنوان “العد التنازلي“، سلّط تقرير صادر عن إحدى المطبوعات الطبية الرائدة، ونقل عنه موقع “بي بي سي“، الضوء على تأثير تغيّر المناخ، مشيرا إلى أن تغيّر المناخ “يؤثر بشدة” في صحة الناس في جميع أنحاء العالم.

التأثيرات الناجمة عن تغيّر المناخ، سببها “اعتماد العالم المستمر على الوقود الأحفوري الذي يزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي والأمراض المعدية والأمراض المرتبطة بالحرارة“، حسب ما جاء في التقرير السنوي لمجلة “ذا لانسيت“، إحدى أقدم وأشهر المجلات الدورية الطبية في العالم، وتُعد واحدة من أبرز وأكثر المجلات تميزا.

خلاصة تقرير “ذا لانسيت“، دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، للرد عليه بالقول إنه “يجب على قادة العالم مواءمة العمل بما يتماشى مع حجم المشكلة“، في حين سيجتمع قادة العالم في مؤتمر المناخ في مصر الشهر المقبل.

الدراسة التي قدمها التقرير تتضمن عمل 99 خبيرا من المنظمات، بحسب “بي بي سي“، ومن بين المنظمات المشاركة “منظمة الصحة العالمية“، بقيادة “كلية لندن الجامعية“، ويصف التقرير كيف أدى الطقس المتطرف إلى زيادة الضغط على الخدمات الصحية على مستوى العالم التي تصارع بالفعل مع وباء كورونا.

وفي الوقت الذي تجاوزت فيه درجات الحرارة أرقاما قياسية في جميع أنحاء العالم في عام 2022، بما في ذلك بريطانيا، حيث سجلت فيها 40 درجة مئوية في تموز/يوليو الماضي، بالإضافة إلى أجزاء من أوروبا وباكستان والصين، فقد أشار التقرير إلى أن “الوفيات المرتبطة بالحرارة على مستوى العالم زادت بمقدار الثلثين خلال العقدين الماضيين“.

كذلك فأن الآثار الصحية للحرارة الشديدة تشمل “تفاقم حالات مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي، والتسبب في حدوث ضربات شمس وضعف الصحة العقلية“، بيد أن التقرير أشار إلى وجود حلول، ويخلُص إلى أنه “على الرغم من التحديات، هناك دليل واضح على أن الإجراءات الفورية يمكن أن تنقذ أرواح الملايين، مع التحول السريع إلى الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة“.

بدوره غوتيريش قال إن العالم يراقب دول مجموعة العشرين، التي تنتج 80 بالمئة من انبعاثات الاحتباس الحراري العالمية، مضيفا أنه يتعين عليها تكثيف الجهود لخفض الانبعاثات وقيادة الطريق من خلال زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة، لافتا إلى أن صحة الإنسان وسبل العيش وميزانيات الأسرة والاقتصادات الوطنية تتدهور، إذ يخرج إدمان البشر على استخدام الوقود الأحفوري عن السيطرة.

اقرأ/ي أيضا: الإيرانيون يتحدون تهديدات النظام بإحياء ذكرى أربعين مهسا أميني

تحديات دولية بمواجهة مكافحة تغير المناخ

من جهته، اعتبر جاستين رولات، محرر شؤون المناخ في “بي بي سي”، أن التقرير اليوم يُعد دعوة إلى أن نشمّر عن سواعد الجد، مبينا أن المؤلفين يأملون أن تظهر الأدلة التي يقدمها مدى الحاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة في مؤتمر الأمم المتحدة بشأن المناخ في مصر، مشيرا في الوقت ذاته إلى “القمة تواجه رياحا معاكسة قوية“.

وعن ذلك يقول رولات، إن “البلدان النامية سوف تطالب الدول التي أصبحت غنية باستخدام الوقود الأحفوري، أن تضخ المزيد من الأموال لتغطية تكاليف الخسارة والأضرار التي يسببها مناخنا المتغير“، كما ستسأل “ماذا عن 100 مليار دولار سنويا للعمل المناخي، وهو المبلغ الذي كان من المفترض أن توفره البلدان المتقدمة اعتبارا من عام 2020، ما زال ينقصنا بلايين الدولارات“.

في حين حذر المضيفون المصريون للمؤتمر الأطراف من حدوث “أزمة ثقة“، يبن محرر شؤون المناخ في “بي بي سي” أن العالم المتقدم يكافح أزمة تكاليف المعيشة مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، فيما كثير من الدول تنفق بالفعل المليارات على الدعم العسكري لأوكرانيا.

تقرير “ذا لانسيت” يأتي بعد أن حذر تقرير سابق لها نشرته في تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي، من التأثير الشديد للتغير المناخي على صحة الإنسان، مشيرا إلى أن هذه التوقعات ستزداد سوءا.

كما بيّن أن الجفاف يؤثر على إنتاج الأغذية، بينما يساهم ارتفاع درجات الحرارة في نشر أمراض خطيرة مثل الملاريا والكوليرا، بينما تشير الاتجاهات المناخية الراهنة إلى أن “الكوكب دق ناقوس خطر مع بلوغه مستوى الرمز الأحمر“، وتداعياته على الصحة المستقبلية.

“ذا لانسيت” تتبعت في تقريرها السنوي السابق، 44 مقياسا للتأثيرات الصحية للتغير المناخي، بينها تأثيره على انتقال الأمراض المعدية وإنتاج الأغذية، وفقا لما أظهرته الأبحاث التي قام بها خبراء تابعين لأكثر من 40 مجموعة للأمم المتحدة ومعاهد تربوية.

التقرير جاء فيه، أنه خلال ستة أشهر من العام 2020، تأثر 51,6 ملايين إنسان بـ 84 كارثة تسببت بها الفيضانات، والجفاف، والعواصف، وقد طالت هذه الكوارث دولا تعاني من جائحة فيروس كورونا.

اقرأ/ي أيضا: تبعات اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان

تغير المناخ يضع العالم تحت طائلة الأزمات

التقرير بيّن أن مؤلفي الدراسة قد كتبوا أن نتائج تقرير 2021 تظهر أن العالم ينوء تحت الأزمات الصحية العالمية المستمرة، ولم يوجد أي تقدم يذكر لحماية سكانه من الآثار الصحية المتفاقمة لتغير المناخ في الوقت نفسه، وهذه الكوارث وضعت أعباء على النظام الصحي، وأدت إلى ارتفاع درجات الحرارة، الأمر الذي ساعد في انتقال الأمراض المعدية.

كما لفت إلى أن التغير المناخي سجّل معدل حرارة قياسي عندما ضربت موجة الحر مناطق شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية المطلة على المحيط الهادئ، وتسببت بوفاة أكثر من ألف شخص.

وقتها أشار مؤلفو الدراسة إلى أنه “في حال ألقينا نظرة على عام 2021، نجد أن الأشخاص الأكثر تأثرا بتجاوز الحرارة حاجز الـ 40 درجة مئوية في المناطق المطلّة على المحيط الهادئ الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للولايات المتحدة الأمريكية وكندا في حزيران/يونيو 2021، هم من تخطت أعمارهم الـ 65 عاما، أو قلت عن سنة، بالإضافة إلى الأشخاص الذي يعانون من ظروف اجتماعية متردية. هذا حدث كان من غير الممكن وقوعه لولا تغير المناخ الذي يسببه الإنسان“.

وقال الدكتور جيريمي هيس، أستاذ طب الطوارئ والصحة العالمية في جامعة واشنطن، ومؤلف مشارك في التقرير، في لقاء إعلامي، إنه شهد مباشرة على بعض هذه التداعيات الصحية.

التقرير لفت إلى أن نتائج ارتفاع الحرارة أدت إلى زيادة عدد الأشهر التي تنتشر فيها الملاريا منذ الخمسينيات، وتوسع عدد المناطق التي تؤمن بيئة حاضنة لانتقال الكوليرا، كما ازدادت قدرة انتشار الفيروسات على الانتشار، وبينها الفيروسات المسببة لحمى الضنك وزيكا، على مستوى العالم، كما جاء في التقرير أن “نتيجة حركة التنقل العالمية والتوسع الحضري، يعتبر التغير المناخي سببا أساسيا لزيادة عدد الإصابات بحمى الضنك، التي تضاعفت كل عشر سنوات منذ العام 1990”.

إضافة إلى تلك المخاطر، فأنه هناك “نشوء أو إعادة ظهور كبيرة للأربوفيروسات المتناقلة عبر الحشرات، والتي لديها استجابة مشابهة مع التغير المناخي“، وسط ذلك رأى هيس أن تعافي الكوكب من جائحة “كوفيد-19” قد يسيء إلى الوضع المذري أصلا، لاسيما إن لم يكن “تعافيا أخضر“.

هيس شرح أن “العالم استثمر بموارد هائلة من أجل تحقيق التعافي، بيد أنه لم يستفد من الفرصة لاستثمار هذه الموارد في التعافي الأخضر الذي لا يستخدم الطاقة الأحفورية“، مبينا أن “هذه للأسف فرصة ضائعة بالنسبة إلينا، حيث كان في الإمكان الاستثمار في مستقبل صحي أكثر فورا، لأننا نمر حاليا بمرحلة محورية بالنسبة للسياسات المعتمدة في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، مرتبطة بالتغير المناخي، ولذا علينا اقتناص الفرصة“.

ما الذي يتطلبه مواجهة تغير المناخ

واضعو التقرير أشاروا إلى أن موضوع التغير المناخي يتطلب تناولا إسوة بكوفيد 19، وأن تقدم كل دولة استجابة طارئة ومنسّقة، من خلال استخدام الأموال المخصصة للتعافي من كورونا، لدعم وضمان الانتقال فقط إلى استخدام الكربون المنخفض مستقبلا، والتكيف مع التغير المناخي في كل الكوكب“.

ولتدارك تلك الأزمات، قالت الدكتورة رينيه سالاس، أستاذة مساعدة في طب الطوارئ في كلية “هارفرد الطبية” التي ساهمت في كتابة التقرير، في حديث لـ “سي إن إن“، إنه “كل جهد صغير يقام به من أجل الحد من انعدام المساواة الصحية، مهم، ولدى الولايات المتحدة الأمريكية فرصة لتأخذ إجراءات جذرية طارئة نحتاج إليها لحماية صحتنا“.

سالاس بيّنت أن “التغيّر المناخي هو أولا المسبب الأساسي للأزمات الصحية الناشئة حاليا، وكطبيبة طوارئ، لقد تعهدت بحماية صحة مرضاي، وأجد أن ذلك غير ممكن من دون إجراءات تتخذ في شأن التغير المناخي، وعليه فإن تحسين الصحة وتسريع العدالة، ليسا فقط السبب للتحرك، لكن يجب أن يعمدا إلى توجيهنا لكيفية استجابتنا“.

بدوره دكتور جورج بنجامين، المدير التنفيذي لـ “الجمعية الأميركية للصحة العامة“، رأى، “أننا أمضينا سنوات عديدة نستعد ونتحدث عن الجائحة، وبصراحة لم نكن مهيئين لها، فنحن لم نؤسس لبنية تحتية، كان يفترض أن تكون متوافرة“.

بنجامين يعتقد أيضا أنه “لم يتم الاستثمار في الأنظمة الصحية والصحة العامة، فأتى انعكاس ذلك كارثيا في سنتي انتشار الوباء الذي لم يتوقع أن يكون بهذا السوء“، لافتا إلى أن “المشكلة الحقيقية هي أننا على وشك تكرار الخطأ نفسه، إذا أننا سنختبر الأمر عينه مرة أخرى لأننا لم نستثمر في التخفيف والتكيف مع الآثار المسببة للتغير المناخي التي هي ضرورية حين نتناول هذا الموضوع“.

واضعوا الدراسة خلصوا في الختام، إلى أن “الرسالة الرئيسية هي أن العالم يحتاج إلى عصر جديد من الأبحاث يكون أقل تركيزا على التنبؤات الخاصة بتغير المناخ، وأكثر تركيزا على التنبؤات بالعواقب المجتمعية للاحترار في المستقبل، وكيفية التغلب عليها“، مشددين على أن “الخضوع لحالة الطوارئ المناخية ليس أمرا حتميا“.

اقرأ/ي أيضا: العالم في خضم أول أزمة طاقة حقيقية.. ما القادم؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة