اجتماع فصائل المعارضة في عنتاب.. تشكيل جسم عسكري جديد أم خطوة تركية نحو دمشق؟

اجتماع فصائل المعارضة في عنتاب.. تشكيل جسم عسكري جديد أم خطوة تركية نحو دمشق؟
أستمع للمادة

وسائل إعلام تركية كشفت عن تفاصيل اجتماع جمع مسؤولين أتراك مع قادة الفصائل المعارضة المقربة من أنقرة في سوريا، بهدف إعادة هيكلة الجماعات المناهضة لحكومة دمشق من الصفر، وقالت صحيفة “تركيا” المقربة من حزب العدالة والتنمية، إن الاجتماع الذي استمر 4 ساعات في ولاية غازي عنتاب جنوب تركيا، يمكن أن يُعتبر علامة فارقة لتنظيم الهيكل العسكري لفصائل المعارضة، سيما أن أنقرة أكدت رفضها لاستمرار حالة الفصائلية بين القوى العسكرية في الشمال السوري.

لكن في مقابل ذلك، يرى مراقبون أتراك، أن الطرح الجديد لا يمكن تنفيذه، لأن تركيا حاولت أن تجعل فصائل المعارضة كيانا واحدا عند تشكيل “الجيش الوطني” السوري لكنها فشلت، ومنتقدين لمساعي تركيا المتكررة لتوحيد فصائل المعارضة السورية على اعتبار أن ذلك يعوق التطبيع مع حكومة دمشق، ومضيفين “الجيش الثاني يعني دولة ثانية، أي تقسيم سوريا”.

من أحد اجتماعات فصائل المعارضة السابقة “وكالات”

المراقبون أضافوا، أن ما يجب أن يحدث ليس محاولة أنقرة المصالحة بين دمشق والمعارضة، بل سحب الدعم عن تلك الفصائل، لأن قطع الدعم عن المعارضة يعني أن التطبيع بين أنقرة ودمشق سيبدأ بالفعل، في حين رأى آخرون أن اجتماع غازي عنتاب بين مسؤولين أتراك وقادة المعارضة، كان رسالة واضحة بأن العملية ليست جعل المعارضة جيشا موحدا، بل أن كل من سيقوم باختلاق المشاكل تجاه التطبيع مع دمشق سيتم تجاهله.

هذا التضارب بين ما تم الكشف عنه حول ما جرى في الاجتماع، وما يتم تداوله بين مراقبين أتراك مؤيدين للتطبيع مع دمشق، يدفع للتساؤل حول حقيقة نية الحكومة التركية، إذا كانت ترغب بالفعل بتوحيد فصائل المعارضة في الشمال لتحقيق سياساتها على الأرض، أم أنها خطوات تمهيدية لتحقيق التطبيع مع دمشق.

استعادة لمفهوم “الجيش الوطني”

صحيفة “تركيا” المقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، أوضحت أنه تم “إبلاغ” جميع القادة العسكريين، أن الفصائل والمجموعات والأفراد ستكون تحت قيادة جيش “حقيقي” وموحد في شمال سوريا، كما سيتم نقل أمن المناطق الحرة إلى قيادة الشرطة في المنطقة.

الصحفي عقيل حسين، يرى أنه ليس هناك توحيد للفصائل، فهناك خلط في وسائل الإعلام وفي فهم ما الذي تريده أنقرة أو تنوي فعله، فتركيا تريد أن يتم خضوع الفصائل لمؤسسة “الجيش الوطني”، التي هي حتى الآن ورغم مرور نحو 5 سنوات على تشكيلها، إلا أنها ما زالت حبرا على ورق.

حسين وخلال حديثه لـ”الحل نت”، يبيّن أن هذه الإرادة التركية هدفها ضبط الفصائل لأنها تريد فرض الاستقرار في مناطق سيطرة “الجيش الوطني” في شمال سوريا، من أجل إعادة اللاجئين السوريين قبل الانتخابات التركية.

من جانبه الكاتب السياسي، صدام الجاسر، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن الاجتماع في عنتاب ضم كافة قادة الفصائل، وكان اجتماعا قاسيا بالفعل، مبينا أن الحكومة التركية تسعى لإعادة كافة الفصائل إلى مسمى “الجيش الوطني”، لإدارة المنطقة في شمال سوريا بمعزل عن “هيئة تحرير الشام”، كما أنه سيتم إزالة المعابر بشكل نهائي، أما الفصائل التي ستكون على ارتباط بـ”الهيئة” فسيتم عزلها تدريجيا ومن يخالف هذه الأوامر سيتم فصله والقضاء عليه.

الجاسر لفت إلى أنه سيتم تحجيم نفوذ “هيئة تحرير الشام” سواء في الشمال السوري أو في مناطق سيطرتها، أو سيتم ترحيلها إلى منطقة أخرى لكن على المدى البعيد.

إقرأ:اقتتال بين فصائل “الجيش الوطني المعارض”.. صراع نفوذ وتصفية وجود؟

لا نية للتطبيع مع دمشق

تصريحات تركية غابت خلال الآونة الأخيرة حول التطبيع مع دمشق، لتعود اليوم بنفس الأسلوب على لسان وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الذي أوضح أن أنقرة ستقيم رفع مستوى اتصالاتها مع حكومة دمشق إلى المستوى الدبلوماسي، في حال توفرت الأرضية المناسبة لذلك.

أوغلو قال خلال حديثه أمام لجنة التخطيط والميزانية البرلمانية التركية، اليوم الثلاثاء، أنه “إذا كانت هناك بيئة مناسبة لنقل التواصل بين أجهزة مخابرات النظام السوري ومخابراتنا، إلى المستوى الدبلوماسي، سنقوم بتقييم ذلك”.

عقيل حسين، يرى أن الحكومة التركية ليست جادة أو معنية أو مستفيدة من هذا التطبيع مع دمشق، لكن هناك بعض المحددات التي تخضع لها وتجبرها على اتخاذ خطوات بهذا الاتجاه من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو غير سياسية، داخلية وخارجية، فمن ناحية الرأي العام التركي تريد هذه الخطوة لأن المعارضة التركية تروج لها، وبالتالي أرادت الحكومة التركية سحب هذه الورقة من المعارضة.

من جهة ثانية، فإن روسيا تعمل على تعويم حكومة دمشق، وترى أن التطبيع بين الأخيرة وأنقرة مفيد جدا، ولتركيا مصالح كبيرة مع روسيا حاليا وبالتالي فتركيا تجاري روسيا على هذا الصعيد، لكن في النهاية إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه العملية، هذا مرهون بما سيقدمه شركاء تركيا في مسار أستانا بمن فيهم دمشق، من أجل حل مشكلة المخاطر التي ترى تركيا أنها تهدد أمنها القومي، بحسب حسين.

الجاسر يرى أيضا أنه لا نية لتركيا بالتطبيع مع دمشق، فالتصريحات التركية عبارة عن دعايات انتخابية، كما أن التطبيع يخضع لـ”فيتو” من قِبل الولايات المتحدة ودول عربية رئيسية هي مصر والسعودية.

ما أهداف تركيا في الشمال السوري؟

تركيا وعلى إثر الصراع الأخير بين فصائل المعارضة و”هيئة تحرير الشام” قامت بتعزيز نقاط عسكرية لها في كل من عفرين وإدلب، ما يثير التساؤل حول نية أنقرة الحقيقية في البقاء في هذه المناطق بشكل دائم أم لا.

عقيل حسين، يعتقد أن هناك هدفين تركيين رئيسيين في المرحلة القادمة. الأول، هو فرض الاستقرار في مناطق سيطرة المعارضة لإعادة نحو مليون لاجئ سوري قبل شهر حزيران/يونيو القادم، أما الثاني، فهو إبعاد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن حدودها الجنوبية إلى عمق ترى أنه كافٍ وآمن، وهي تطلب عمق 30 كم ولكن من الممكن أن تقبل بعمق أقل من ذلك ولا يهم من سوف يحل مكان “قسد” في هذه المنطقة الحدودية أو الشريط الحدودي، سواء كانت المعارضة أو الجيش السوري.

أما الجاسر، فيرى أن تركيا تهدف في المرحلة القادمة إلى البدء بعملية إلحاق الشمال السوري أي ربطه بتركيا بشكل تدريجي ليتم إلحاقه بها بشكل كامل في المرحلة النهائية، ولكن هذه المرحلة قد تتأثر بما يجري في المنطقة بشكل عام والتي تُعتبر مرشحة للانفجار بأي لحظة، سواء في إيران أو العراق أو لبنان، وهذا ما قد يؤخر المشروع.

اجتماع غازي عنتاب

الاجتماع عُقد في مدينة غازي عنتاب التركية في الثاني من الشهر الحالي، وضم جميع قادة فصائل “الجيش الوطني السوري” على رأسهم سيف أبو بكر قائد “فرقة الحمزة”، ومحمد الجاسم المعروف باسم “أبو عمشة” قائد فرقة “سليمان شاه”، وحسام ياسين قائد “الفيلق الثالث”، وفهيم عيسى قائد “هيئة ثائرون للتحرير”، بالإضافة إلى بعض القادة العسكريين والأمنيين في الجيش الوطني.

بحسب ما أُعلن عنه، فإن الهدف من الاجتماع هو دمج جميع فصائل “الجيش الوطني السوري” تحت قيادة عسكرية واحدة ومجلس عسكري واحد تتلقى جميع مكونات “الجيش الوطني” الأوامر منها، بالإضافة إلى إبعاد جميع الفصائل العسكرية عن الشؤون المدنية وتشكيل إدارة مدنية موحدة لمناطق “درع الفرات”، و”غصن الزيتون”، و”نبع السلام” شمالي البلاد.

نقطة عسكرية تركية في الشمال السوري”وكالات”

مصادر أشارت إلى أن، الفصائل العسكرية في حال التّعنت على عدم التوافق لقيادة عسكرية موحدة للمناطق المذكورة أعلاه، فإن الذراع المدنية والأمنية التابعة لـ “هيئة تحرير الشام” سوف تدخل للمنطقة وتُشرف على كافة مفاصل المنطقة الأمنية والخدمية والمحلية، كما ستُشرف الإدارة الموحدة التابعة للهيئة على عمل مؤسسات الحكومة السورية المؤقتة في ظل الإبقاء عليها ضمن المنطقة.

أما “هيئة تحرير الشام” تُبقي على بعض المجموعات الأمنية ضمن منطقة “غصن الزيتون” شمالي محافظة حلب، وذلك بالتخفي داخل الفصائل التي ساندتها في القتال ضد “الفيلق الثالث”، مثل “فرقة الحمزة”، و “فرقة سليمان شاه”، و”حركة أحرار الشام”، والتي تنتشر ضمن مدينة عفرين وبلدتي المعبطلي والباسوطة شمالي محافظة حلب.

“الهيئة” كانت قد دخلت بأرتال عسكرية إلى منطقة “غصن الزيتون” شمالي محافظة حلب قبل نحو شهر، للقتال إلى جانب “فرقة الحمزة” التي هاجمتها فصائل “الفيلق الثالث” في مدينة الباب الواقعة ضمن ما يُعرف بمنطقة “درع الفرات” شرقي محافظة حلب، وذلك بعد ثبوت تورط مجموعة من “فرقة الحمزة” باغتيال “الناشط الثوري” محمد عبد اللطيف المعروف باسم “أبو غنوم” وزوجته في مدينة الباب، شمال البلاد.

إقرأ أيضا:اقتتال مستمر بين فصائل “الجيش الوطني” المعارض.. صراع نفوذ وانفلات أمني

لا شيء واضح حتى الآن بالنسبة لمستقبل الفصائل أو مستقبل المنطقة التي تسيطر عليها في الشمال السوري، لكن الأمر الوحيد المؤكد هي رغبة تركيا بتحقيق مصالحها المختلفة، وعلى رأسها إعادة اللاجئين السوريين قبل انتخابات العام المقبل، وضبط حدودها الجنوبية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة