عقوبات أميركية على شبكات التكنولوجيا.. الجيش الروسي يخسر داعميه؟

عقوبات أميركية على شبكات التكنولوجيا.. الجيش الروسي يخسر داعميه؟
أستمع للمادة

وفقا لتحليل جديد من مكتب مدير المخابرات الوطنية الأميركية، فقد حدّت العقوبات الغربية بشدة من قدرة روسيا على تجديد الذخائر التي تستخدمها في أوكرانيا، مما أجبر موسكو على تكليف أجهزتها الاستخباراتية بإيجاد طرق للتهرب من القيود وشراء التكنولوجيا الحيوية، وأجزاء لدعم مجهودها الحربي.

في ضوء ذلك، أعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان، أمس الإثنين، فرض عقوبات جديدة على شبكة لشراء التكنولوجيا تدعم المجمع الصناعي العسكري الروسي، وذكر بيان مشترك للوزارتَين أنه تم تحديد شبكة عالمية من شخصيات تقوم بتيسير الأمور المالية والأدوات لنخبتَين مرتبطينَ “بالكرملين”، لهما علاقات مالية بالغرب.

العقوبات شملت 14 شخصا و28 كيانا، كما تم تحديد 8 طائرات، على أنها ممتلكات محظورة. وبيّنت وزيرة الخزانة، جانيت يلين، في البيان، أن الولايات المتحدة “ستواصل فضح وتعطيل سلاسل الإمداد العسكري الخاصة بالكرملين، وحرمان روسيا من المعدات والتكنولوجيا التي تحتاجها لشن حربها غير القانونية ضد أوكرانيا”.

استخدام العقوبات لإضعاف الجيش الروسي في ساحة المعركة وتقليص الإيرادات التي يستخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتمويل غزوه، كيف سيكون ضرره على قدرة روسيا في تجديد الإمدادات العسكرية، وما دور العقوبات التكنولوجية في شل آلة الحرب الروسية.

روسيا تتراجع تكنولوجيا

وفقا لتقرير صادر عن مركز أبحاث “الأمن الأميركي”، في تشرين الثاني/أكتوبر الفائت، فإن العقوبات الدولية وضوابط التصدير المفروضة على روسيا في أعقاب غزوها لأوكرانيا، أعاقت وصول البلاد إلى التقنيات الحيوية اللازمة لأنظمة أسلحتها المتقدمة، مما أدى إلى قيام موسكو بتوثيق العلاقات مع الصين والتركيز بشكل أكبر على قدراتها النووية.

الخبير في السياسة الأميركية تجاه روسيا وعلاقات القوى العظمى، مايكل ماكفول، أوضح لـ”الحل نت”، أن التحليلات أظهرت أن روسيا فقدت أكثر من 6000 قطعة من المعدات منذ بدء الحرب قبل ثمانية أشهر تقريبا، في حين يكافح الجيش الروسي للحصول على الرقائق الدقيقة والمحركات وتكنولوجيا التصوير الحراري اللازمة لصنع أسلحة جديدة.

القيود الغربية الشاملة على الصادرات إلى روسيا، أدت بحسب ماكفول، إلى إجبار المنشآت الصناعية الدفاعية الروسية على التوقف عن العمل بشكل دوري، حيث اضطر اثنان من أكبر مصنّعي الإلكترونيات الدقيقة في البلاد إلى وقف الإنتاج مؤقتا لأنهم لم يكونوا قادرين على تأمين المكونات الضرورية. كما أدى النقص في أشباه الموصلات إلى تقويض إنتاج الدبابات والطائرات والغواصات والأنظمة العسكرية الأخرى.

تأثير العقوبات الغربية على إيرادات الحكومة الروسية وقدرتها على الوصول إلى التكنولوجيا، ومدى تدهور الجيش الروسي في أوكرانيا، هذا الأمر سيفرض خيارات على “الكرملين” حول كيفية تحديد أولويات النفقات العسكرية، وأيضا على القدرات العسكرية الروسية المستقبلية من خلال تقييد وصول روسيا إلى التكنولوجيا.

وفقا لماكفول، فإن هذا النقص في الوصول يعني أنه من المحتمل أن تشهد روسيا درجة معينة من التراجع التكنولوجي، حيث يتضاءل نطاق وتطور المنتجات المتاحة في البلاد بمرور الوقت، بسبب الضغط الدولي المستمر، إلى جانب الخسائر العسكرية والمعدات في أوكرانيا، ولذلك يبدو أن موسكو ستسعى بالتأكيد قريبا إلى تكييف تكتيكاتها، وإنشاء شركات واجهة جديدة، وشهادات مزورة ونقاط إعادة شحن من أجل شراء التقنيات اللازمة لأنظمة أسلحتها.

هل ستؤثر العقوبات على سلوك الجيش الروسي؟

على الرغم من أن روسيا تحولت بشكل متزايد إلى الصين للحصول على التكنولوجيا، إلا أن هذه المواد لم تكن قادرة على مطابقة جودة العناصر التي استوردتها روسيا سابقا من أوكرانيا أو الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة مثل ألمانيا واليابان. بمرور الوقت، قد يكون لهذه المشاكل تأثير على جودة وتحمل الأسلحة التقليدية الروسية المتقدمة، والتي تُعد سلعة التصدير الروسية النهائية الوحيدة المعترف بها دوليا.

حتى في وقت مبكر من شهر أيار/مايو الفائت، بعد بضعة أشهر فقط من الغزو، يشير ماكفول، إلى أن صناعة الدفاع الروسية وجدت نفسها تعاني من نقص في الإمدادات والمكونات لمحركات الديزل البحرية وأجزاء طائرات الهليكوبتر والطائرات وأنظمة مكافحة الحرائق، وتحولت روسيا إلى الدبابات التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، حيث أخرجتها من المخازن لاستخدامها في أوكرانيا.

منذ بداية الغزو، عانت روسيا من خسائر فادحة وواجهت بعض أسلحتها المتطورة الفشل، قال مسؤولون أميركيون عندما استخدم الجيش الروسي الذخائر الموجهة بدقة، عانى الجنود من معدلات فشل تصل إلى 60 بالمئة.

الآن، تقول الولايات المتحدة، إن روسيا تنفق الذخائر بمعدلات غير ثابتة وتتوجه إلى إيران وكوريا الشمالية للحصول على المساعدة، في إشارة إلى أوجه القصور التي تواجه صناعة الدفاع المحلية في البلاد بعد أن حظرت الولايات المتحدة ودول أخرى، تصدير التقنيات الرئيسية اللازمة للأسلحة المتطورة في بداية الحرب.

مدى مساعدة بكين لروسيا في جهودها الحربية كان موضوع تدقيق مكثف في واشنطن، وفق ماكفول، وذلك نتيجة تحذير الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الصيني شي جين بينغ، في مكالمة هاتفية في وقت سابق من هذا العام من تقديم المساعدة العسكرية لموسكو، وباتت الولايات المتحدة تلاحق الشركات والمعاهد البحثية الصينية لدعمها الجيش الروسي.

لا يمكن للصين أن تقدم لروسيا ما لا تملكه الصين، بحسب ماكفول، إذ لا تنتج الصين أشباه الموصلات الأكثر تقدما، لذا فإن روسيا تبحث عن هذه الأشياء في أماكن أخرى، ولهذا السبب يستخدمون أجهزتهم الاستخباراتية والشركات الواجهة لمحاولة الحصول عليها؛ لأن البلدان التي سيتجهون إليها بطبيعة الحال لا تمتلكها.

تحليلات مركز أبحاث “الأمن الأميركي”، تشير إلى إن روسيا سعت إلى الالتفاف على القيود الغربية على التكنولوجيا الحيوية من خلال شبكات واسعة من الأوليغارشية الغنية والشركات الواجهة، مستهدفة أوروبا وأميركا الشمالية على وجه الخصوص في محاولة لشراء المكونات المطلوبة.

من بين العناصر الخاضعة لضوابط التصدير الصارمة الأميركية في البداية، كانت أشباه الموصلات وأجهزة الكمبيوتر والاتصالات السلكية واللاسلكية ومعدات أمن المعلومات والليزر وأجهزة الاستشعار. بعد ذلك، تم توسيع هذه القيود من خلال استهداف قطاع تكرير النفط الروسي وتشديد الرقابة على تصدير وإعادة تصدير التكنولوجيا، أو البرامج أو السلع الحساسة ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن استخدامها لدعم المجهود الحربي الروسي.

علاوة على ذلك، أصبحت شركات الطيران الروسية الكبرى (إيروفلوت، وأفياستار، وأزور إير، ونوردويند إيرلاينز، وبوبيدا، وروسيا، وإس 7 إيرلاينز، ويوتير) ضمن قيود التصدير المفروضة سابقا، والتي مُنعت هذه الخطوط الجوية من الطيران في مسارات دولية من وإلى روسيا.

في تقرير حديث لمجموعة من العلماء البارزين، وصِف الاقتصاد الروسي بأنه “مورد عملاق فاسد داخليا يعتمد على التكنولوجيا الغربية” ويعاني من لعنة الموارد الطبيعية، ولكن يعتقد ماكفول، أن القول الذي يرجح بأن تأثير العقوبات التكنولوجية سيستغرق سنوات غير دقيق في ظل التطور التكنولوجي وحاجة الجيش الروسي الملحة له، فإن العقوبات حاليا هي الأكثر قوة وتأثيرها على صناعة الدفاعات الروسية سيظهر على المدى القريب.

طريق روسيا إلى الخراب الاقتصادي

بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على غزو روسيا لأوكرانيا، تشير قراءات أرقام التضخم في الناتج المحلي الإجمالي، إلى الضرر شديد في الاقتصاد الروسي والمتجه إلى فترة طويلة من الركود.

وفقا لتحليل مستقل أجراه “البنك” الدولي وصندوق “النقد” الدولي ومنظمة “التعاون الاقتصادي والتنمية”، سيكون عام 2022 عاما سيئا للاقتصاد الروسي. من المرجح أيضا، أن يكون لهذه الإجراءات تأثير كبير على الاقتصاد الروسي.

بناء على العقوبات المعلنة منذ آذار/مارس 2022، وبحلول نهاية عام 2022، سينخفض الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بنسبة 11 بالمئة، والاستثمار بنسبة 17 بالمئة، وسيرتفع التضخم إلى 22 بالمئة، وستنخفض الصادرات والواردات بنسبة 31 بالمئة و35 بالمئة على التوالي.

بشكل عام، قد يعاني الاقتصاد الروسي من انهيار العلاقات التقنية والعلمية والثقافية مع الغرب، وقد يؤدي هذا إلى “هجرة العقول” من الروس الأصغر سنا والذين يتطلعون إلى الخارج والذين لا يرغبون في البقاء في بلد يتحول بسرعة إلى منبوذ على المسرح العالمي.

مع انفصال الاتحاد الأوروبي عن روسيا بكل الطرق، بما في ذلك الفصل الدائم للطاقة، تفقد روسيا شريكا اقتصاديا مهما للغاية. وفي حين أن روسيا قد تجد طرقا للتخفيف من بعض الآثار المرتبطة بالعقوبات، فمن المرجح أن تكون الخسارة الإجمالية في النشاط الاقتصادي دائمة، حتى قبل أن تبدأ التأثيرات المتوسطة والطويلة الأجل للعقوبات بالظهور.

لسوء الحظ بالنسبة لأوكرانيا، فإن آثار هذه العقوبات، على الرغم من كونها واضحة، ليست مدمرة بما يكفي لوقف آلة الحرب الروسية على المدى القصير، ولكن مع مرور الوقت والتطبيق الصارم، قد تتحسن فعاليتها بشكل كبير، لا سيما إذا كبحت الدول جهود روسيا للتهرب منها بفرض عقوبات ثانوية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة