روسيا تدعو للحوار بشأن غزوها لأوكرانيا.. موسكو في مأزق بعد التراجع العسكري؟

روسيا تدعو للحوار بشأن غزوها لأوكرانيا.. موسكو في مأزق بعد التراجع العسكري؟
أستمع للمادة

بعد الانحسار العسكري الروسي في أوكرانيا، وتمكن الجيش الأوكراني من استعادة مناطق بلاه التي غزتها روسيا مؤخرا، بدأت القيادة السياسية في موسكو تدعو للحوار وتصب جهودها لوقف الحرب، فهل دخلت روسيا في مأزق بعد تراجعها العسكري أمام الضربات الأوكرانية.

موسكو تدعو للحوار

“الكرملين” أعلن أمس الخميس، استعداداه لإجراء جولة جديدة من المفاوضات مع الجانب الأوكراني، متهما كييف بالتملص من الحوار وتبديل مواقفها، وهذه التصريحات جاءت بعد أيام قليلة من انسحاب القوات الروسية من مدينة خيرسون واستعادتها من قبل الجيش الأوكراني.

منذ استعادة كييف زمام المبادرة العسكرية ضد القوات الروسية، وتمكنها من إعادة السيطرة على العديد من المناطق، كان واضحا ازدياد الدعوات الروسية للحوار ووقف الحرب، حتى أن الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، قال، إن “أوكرانيا تقوم بتغيير مواقفها فيما يتعلق بإجراء محادثات سلام بين البلدين“.

بيسكوف أضاف في تصريحات نقلتها صحيفة “الشرق الأوسط” الخميس، أنه “لا يتصور الدخول في مفاوضات علنية معها، يجب العودة إلى طاولة الحوار الدبلوماسي“.

تزامنا مع هذه الدعوات، واصلت روسيا استراتيجيتها في استهداف البنى التحتية في أوكرانيا، وذلك للتغطية على خسائرها العسكرية أمام الجيش الأوكراني، حيث نقل موقع “بي بي سي عربي” عن مسؤولين أوكرانيين قولهم، إن روسيا قصفت الخميس مصنعا كبيرا للصواريخ ومنشآت لإنتاج الغاز في ضربات صاروخية جديدة على البنية التحتية المهمة في البلاد.

رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميهال، اتهم القوات الروسية بقصف منشآت إنتاج الغاز في كييف، في حين أشارت الإدارة الإقليمية لمنطقة كييف إلى أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرتين مسيّرتين من طراز “شاهد” الإيرانية (إيراني الصنع) فوق العاصمة الأوكرانية.

توازنات التفاوض

رغم رفضها الحوار خلال الأشهر الماضية، يبدو أن أوكرانيا أدركت على ما يبدو أنها أصبحت في موضع قوة بعد استعادتها بعض المناطق التي احتلتها روسيا، حيث قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قبل أيام، إن “أوكرانيا مستعدة للسلام والسلام لكل بلدنا“.

زيلينسكي أشار إلى أن الدعم الغربي العسكري من قِبل حلف “الناتو” والولايات المتحدة الأميركية، كان له دور هام في الانتصارات التي حققتها قوات بلاده، وأضاف “أنظمة صواريخ هيمارس من الولايات المتحدة أحدثت فرقا كبيرا في كييف“.

زيلينسكي أوضح خلال تصريحاته عقِب استعادة مدينة خيرسون، أن الحوار والتفاوض مرتبط باستعادة كامل الأراضي الأوكرانية، وقال “نحن نتقدم خطوة فخطوة نحو وطننا لاستعادة كافة الأراضي المحتلة، نحن نتقدم، وجاهزون للسلام، لكن سلامنا يعني استعادة كافة أراضي بلادنا، نحن نحترم قانون وسيادة البلدان كافة، لكننا نتحدث الآن عن وطننا، لذلك نحن نقاتل ضد العدوان الروسي“.

قد يهمك: تمديد اتفاق تصدير الحبوب الأوكرانية أربعة أشهر.. ما تأثيره على أزمة الغذاء العالمية؟

الباحث والمحلل السياسي مصطفى النعيمي، رأى أن الحوار ووقف الحرب يتطلب إرادة عسكرية وسياسية من قِبل موسكو، لا سيما بعد الهزائم التي تعرضت لها قواتها، مشيرا إلى أن التقدم العسكري والدعم الغربي جعل من عدم التفريط بالأقاليم الأربعة شرطا لقبول أوكرانيا بالتفاوض.

روسيا في مأزق

النعيمي قال في حديث سابق مع “الحل نت“، “أرى أن الأوكرانيين يقومون بالمعركة الدفاعية وليست الهجومية وإعلان السلام يتطلب وقف العمليات العدائية تجاه الشعب الأوكراني، لذلك قرار وقف الحرب يتمثل بتوفر الإرادة السياسية لدى القيادة الروسية“.

النعيمي يعتقد أن تقدم القوات الأوكرانية لن يتوقف عند مدينة خيرسون، لا سيما بعد تزويد الجيش الأوكراني بالأسلحة من قِبل الغرب، فصواريخ “هيمارس” أحدثت فارقا كبيرا في المعركة لصالح القوات الأوكرانية، وحدّت من قدرة الجيش الروسي على التقدم في مختلف الجبهات.

بشأن التفاوض بين الجانبين، أوضح النعيمي، أن روسيا دعت مؤخرا للحوار بسبب الضغوط العسكرية والسياسية التي تعاني منها، إضافة إلى المتغير الأكثر أهمية والمتمثل بالقرار الأممي الذي يدعو لتسهيل جمع الأدلة عن الانتهاكات الروسية في أوكرانيا، وإيجاد آلية دولية للتعويض عن خسائر الحرب وتحميل روسيا الانتهاكات وإجبارها على دفع تعويضات لأوكرانيا، بالتالي زيادة الأعباء الاقتصادية على الجانب الروسي، فضلا عن العقوبات الأميركية.

استعادة الجيش الأوكراني لمدينة خيرسون، كان له أثرا واضحا على سير عمليات الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث وصف محللون إخراج الجيش الروسي من المدينة، بـ“الخسارة الاستراتيجية الكبرى“، لما أظهرته المعركة من ضعف الدفاعات الروسية وانهيار في أساسيات العقيدة الروسية.

انسحاب الجيش الروسي من القتال في المناطق الجنوبية الأوكرانية، سيؤدي بطبيعة الحال إلى تبدد آمال الروسي بمتابعة التقدم إلى منطقة موكوليف، والسيطرة على كامل الشاطئ الأوكراني على البحر الأسود، والذي كان أحد أهداف الجيش الروسي من فتح معارك الجنوب.

الجيش الأوكراني، يبدو أنه سيسعى لاستغلال الارتباك السياسي والعسكري في الأوساط الروسية، لمواصلة التقدم واستعادة الأراضي التي غزتها موسكو منذ شباط/فبراير الماضي.

الجيش الروسي سعى خلال غزوه الأراضي الأوكرانية، إلى السيطرة على المنافذ البحرية والموانئ الحربية في أوكرانيا، وتحديدا تلك المطلة على البحر الأسود ونهر دنيبرو، وتُعد خيرسون من أهم الأقاليم التي تمتاز بموقعها الجغرافي والسياسي الحيوي، فهي ميناء ضخم لبناء وصناعة السفن، وهي من أولى المدن وأكبرها التي خضعت لسيطرة الجيش الروسي خلال الأيام الأولى لبدء العمليات العسكرية في شباط/فبراير الماضي.

الأهمية الجيوسياسية لخيرسون كغيرها من الأقاليم الأربعة الأوكرانية التي ضمتها روسيا، فهي تُعد من منطقة دونباس الصناعية وتقع شمال شرق جزيرة القرم، كما أن أهمية المنطقة مرتبطة بشكل مباشر بحجم الموانئ التي تقع على سواحلها، كما أنها تصل إلى جزيرة القرم الواقعة كذلك تحت سيطرة الجيش الروسي.

خيرسون، هو واحد من بين الأقاليم الأربعة التي أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضمها، فيما يؤكد محللون أن خيرسون هو الأهم من الناحية الاستراتيجية، لا سيما وأنه يحوي الطريق البري إلى القرم، ومصب نهر دنيبرو الشاسع الذي يشطر أوكرانيا.

خسائر متتالية لروسيا

بعد انحسارها في العديد من القطاعات الأوكرانية، لجأت روسيا إلى استهداف البنية التحتية ومراكز الخدمات، للتغطية على خسارة مجموعات جيشها في العديد من المناطق، لا سيما في المناطق الأربعة التي أعلنت ضمّها قبل أسابيع.

بالنظر إلى كثافة الهجمات الأوكرانية مؤخرا لاستعادة المناطق التي تقدمت إليها روسيا، يبدو أن القرار الرسمي والشعبي الأوكراني، هو إخراج القوات الروسية من بعض المناطق، مهما كان الثمن.

روسيا أخفقت منذ بدء غزوها لأوكرانيا في شباط/فبراير الماضي، عن طريق استخدام القبضة العسكرية الخشنة والمكثفة، في إملاء شروطها، فلم تنجح حسابات المعركة التي حسبها بوتين، على ما حصل في الميدان، لا سيما بعد أن باغت الأوكرانيون الجيش الروسي، وشنوا هجمات معاكسة خلال الأسابيع الماضية، ما عقّد من حسابات القيادة الروسية.

منذ بدء الدعم الغربي بكثافة للجيش الأوكراني، كان واضحا التفوق العسكري للقوات الأوكرانية في بعض المناطق، فكان للدعم الاستخباراتي دورا مهما في استهداف النقاط العسكرية الروسية، ما شلّ حركة الجنود الروس ومنع عنهم الإمدادات، ذلك ما اعترفت به القيادة الروسية نفسها.

يبدو أن دعوات روسيا للحوار توضح المأزق التي دخلت به موسكو بعد التراجع الأخير، بينما الكرة الآن في ملعب أوكرانيا، التي ستحاول في حال جلوسها على طاولة الحوار، مناقشة استعادة أراضيها التي غزتها القوات الروسية منذ شباط/فبراير الماضي.

قد يهمك: التهديدات النووية في العالم.. ما احتمالات التصعيد؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة