عقيل عباس: العملية السياسية العراقية ميّتَة سريرياً ولا مستقبل للنفوذ الإيراني

عقيل عباس: العملية السياسية العراقية ميّتَة سريرياً ولا مستقبل للنفوذ الإيراني
أستمع للمادة

المشهد السياسي في العراق اليوم يسوده الهدوء بعد تشكيل حكومة جديدة، لكن المستقبل غير واضح بعد، والأمر ذاته ينطبق على الصراع في المنطقة والعالم، لا سيما مع تغلغل النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، والغزو الروسي لأوكرانيا وتهديدات الصين لتايوان.

لا أفق معلومة حول مستقبل كل تلك الملفات، لذا حاول “الحل نت” استقراء الفترة المقبلة من خلال حوار مع الأكاديمي والباحث السياسي، الدكتور عقيل عباس، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالسليمانية سابقا، وقبلها في جامعة هيوستن-داونتاون بولاية تكساس، وجامعة اولد دومنيون في فرجينيا.

بداية الحوار من الملف العراقي، إذ شهدت بغداد تشكيل حكومة جديدة على يد قوى إيران برئاسة محمد شياع السوداني، نهاية تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، وهذه الحكومة وضعت في منهاجها الحكومي انتخابات مبكرة تُجرى بعد عام فقط، أي في تشرين الأول/أكتوبر 2023.

هل ستنفذ حكومة شياع السوداني التي جاءت عبر دعم “الإطار التنسيقي” الموالي لإيران، وعدها في إجراء انتخابات مبكرة جديدة. “الأمر مرهون بتطورات الأحداث المقبلة في العراق”، بحسب ما يقول عقيل عباس لـ “الحل نت”.

الانتخابات المبكرة بتصور عباس، هي الورقة الأخيرة التي سيستخدمها “الإطار التنسيقي” الذي يقود هذه الحكومة؛ لأنه يرغب في الحكم حتى عام 2025، لكنه سيستخدمها قبل ذلك الوقت، في حال جوبه باحتجاج ما، وكذلك في حال بروز تحرك صدري، حينها سيتم تفعيل خيار الانتخابات المبكرة.

مقتدى الصدر

منذ مطلع أيلول/سبتمبر المنصرم، ثمة هدوء غير اعتيادي من قِبل “التيار الصدري” بزعامة مقتدى الصدر، الذي انسحب من العملية السياسية واعتزلها، حتى أنه لم يعلّق ولو بتغريدة على تشكيل خصمه “الإطار” للحكومة الجديدة، فهل سيستمر بالصمت والاعتزال.

مصير “الإطار” و”التيار”

بحسب عقيل عباس، لن يبقى “التيار الصدري” صامتا طويلا أو طويلا جدا، فهو الآن في مرحلة إعادة ترتيب الصفوف، ويحاول التعلم من تجربته السابقة بخصوص تشكيل حكومة أغلبية ثم الاحتجاجات ضد “الإطار” وصولا إلى الاعتزال السياسي، لكنه سيعود ولن يترك الساحة السياسية، “متى وفي أي سياق، هذا يصعب التنبؤ به”.

عن مستقبل “الإطار التنسيقي”، فإن مصيره هو التفكك، لأنه صاغ السياسة والحكومات في العراق بعد 2003 على نحو خاطئ وعميق، والآن بدأت تظهر آثار القرارات المبكرة والكارثية التي تبناها “الإطار”، على حدّ قول عقيل عباس.

المحاصصة والطائفية وتقويض المؤسسات السياسية لصالح الولاء الحزبي والمذهبي، كلها الآن بدأت تظهر نتائجها الخاطئة، بالتالي ليس من السهل إصلاح الأمور، دون أن يدفع “الإطار التنسيقي” بنفسه ثمن هذه الأخطاء، من خلال تفككه، وفق عباس.

“التيار الصدري”، مستقبله الوجود في الساحة؛ فهو تيار شعبي كبير. صحيح أنه ارتكب أخطاء عديدة وتحالف مع “الإطار” في حكومات سابقة، لكنه كان ناقدا دائما للحكومة وللعملية السياسية، وانسحابه من المشهد السياسي ورفضه الاشتراك بحكومة محاصصة، وهو الفائز في الانتخابات الأخيرة أبرز دليل على ذلك، بالتالي فإن مستقبله موجود على الأرض، بحسب عقيل عباس.

ماذا عن مستقبل العملية السياسية في العراق. لا مستقبل لها؛ لأنها فشلت فشلا ذريعا، وهي ميّتة سريريا الآن، ولا يستطيع “الإطار التنسيقي” أن يُحييها، هي بانتظار من يستبدلها، على حدّ تعبير الأكاديمي والباحث السياسي عقيل عباس.

سألنا عباس عن مستقبل قوى “تشرين”، وبحسبه فإن الإمكانيات أمامها واعدة لتكون هي البديل السياسي للعملية السياسية الحالية، لكن مشكلة قوى “تشرين” أنها عدوة نفسها، فهي لم تتعلم من صراع القوى التقليدية فيما بينها، غير أنها تحتاج لوقت أطول كي تتعلّم وتركز على المشتركات فيما بينها.

مستقبل النفوذ الإيراني بالمنطقة

بشأن النفوذ الإيراني في العراق، يعتقد عباس، أنه لن يكون له أي مستقبل على المدى البعيد؛ لأن القوى الوطنية ترفضه بشكل كبير، ناهيك عن فقدانه لتعاطف الشارع الشيعي معه شعبيا، فضلا عن ربط الناس لإيران بالميليشيات، كلها ستُضعف النفوذ الإيراني في العراق مستقبلا، خاصة وأنها خسرت كثيرا في بغداد بآخر 3 سنوات.

فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني في اليمن، يقول عباس، إن اليمن لم تكن أساسية في الفهم الإيراني للمنطقة. اليمن لحظة عابرة. إيران تدرك أنه لا يمكن أن تكون لها قواعد رصينة تعتمد عليها في اليمن على المدى البعيد، لأسباب كثيرة تتعلّق بتعقيدات اليمن.

الهوية الطائفية في اليمن ليست راسخة، وليست جزءا من الفهم اليمني للذات. بدأت تظهر في الصراع اليمني بآخر السنوات، لكن لا جذور راسخة لها، ولن تستطيع طهران ترسيخ تلك الجذور، بحسب قول عقيل عباس.

من حراك “تشرين” في العراق

النفوذ الإيران في لبنان راسخ وقوي، وسيستمر على المدى القريب والمتوسط. “حزب الله” في لبنان هو الأكثر تنظيما وفاعلية، وهو أكثر ارتباطا مع قاعدته الشعبية بخلاف القوى اللبنانية الأخرى، كما يقول عباس.

وجود “حزب الله” راسخ بين قواعده الشعبية، وإيران راسخة عند تلك القاعدة، وهذا يرتبط بحس المواجهة مع إسرائيل. شيعة لبنان يعتقدون أنهم في مواجهة مع إسرائيل وأن طهران حليف استراتيجي لمواجهة إسرائيل، وهو ما يرسخ النفوذ الإيراني في لبنان، بغض النظر عن مدى دقة أن لبنان بمواجهة مع إسرائيل، وفق عقيل عباس.

روسيا بمأزق.. ماذا عن الصين؟

سألنا عقيل عباس عن العلاقات السعودية الإيرانية، ومن وجهة نظره أنها لن تشهد تحسنا حقيقيا على المدى المتوسط. “نحن نتحدث عن دولتين كبيرتين في المنطقة. واحدة منهما لها مشروع إقليمي واسع يتمثل بفكرة المقاومة وتتزعمه إيران”.

وفق عباس، لن تتصالح السعودية مع إيران، ما لم تتخل عن مشروعها التوسعي في المنطقة، والسعودية لن تصمت إزاء ذلك، ولن تتحسن العلاقات بين طهران والرياض، حتى تتصالح إيران مع فكرة السيادة الوطنية للدول.

فيما يخص الغزو الروسي لأوكرانيا، يقول عباس، إن الروس دخلوا في مستنقع لم يحسبوا له حسابا. كانوا يتوقعون أنهم سيجتاحون أوكرانيا وينهار الجيش الأوكراني، ويرحب بهم جزء كبير من الناس، وينهون المعركة في أيام، لكن ذلك لم يحدث، ودخلوا في حرب استنزاف كبيرة، وخسروا كثيرا، وربما لن تخرج موسكو منتصرة.

الأمور اليوم لم تمضِ كما كانت تخطط لها موسكو، وما أنقذها هو ارتفاع أسعار النفط العالمية، وإلا فإن العقوبات الاقتصادية عليها كبيرة وشديدة، وإذا انخفضت أسعار النفط مستقبلا، فإن العقوبات ستكسر ظهر الاقتصاد الروسي، على حدّ قول الباحث السياسي عقيل عباس.

بخصوص التهديد الصيني بغزو تايوان، لا يعتقد عباس أن بكين ستقدم على تلك الخطوة؛ لأنها ستكون حماقة كبيرة، خاصة وأن هناك قانون أميركي ينص على مساعدة تايوان. السياسة الأميركية تجاه تايوان إزاء الصين يشوبها غموض استراتيجي، وهذا الغموض لا يعطي صورة واضحة لبكين، وبالتالي فهي لن تُقدم على حماقة الغزو لتايوان.

ما الذي يؤدي إلى الاستقرار في الشرق الأوسط. بحسب عباس، عندما تهيمن الأهداف التنموية على تفكير زعماء المنطقة ودولها، فإن الشرق الأوسط سيكون ذاهبا نحو الحل، ولكن إلى الآن لم يتم الوصول إلى هذه النقطة.

نزاعات أيديولوجية ونزاعات مذهبية وغيرها نزاعات كثيرة، كلها تمنع توحد مجتمعات المنطقة وساستها الذين في الحكم حول أهداف مشتركة. هذه هي كارثة الشرق الأوسط، إذ لا توجد أهداف مشتركة تستطيع أن تعمل عليها كل دول المنطقة، لذا لا حل قريب في الأفق بالمنطقة، يقول عقيل عباس مختتما.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مسودة2