الطائرات المسيرة.. سلاح الإرهاب القادم في إفريقيا؟

أستمع للمادة

الطائرات المسيّرة، السلاح الأبرز خلال الأعوام الأخيرة خاصة مع التوجه نحو عدم استخدام الجنود على الأرض بشكل كبير في ضرب أهداف محددة، ولكن في الآونة الأخيرة تصاعدت تحذيرات من خطورة انتشار الطائرات المسيّرة في أيدي الجماعات الإرهابية داخل القارة الإفريقية. فقد شهدت مالي، في آب/أغسطس 2022، هجوما إرهابيا خلّف مقتل حوالي 42 من رجال قواتها المسلحة على أيدي عناصر إرهابية خلال هجوم جمع بين قصف مدفعي وشاحنات مفخخة وطائرات مسيّرة، وهو ما يشير إلى أن خطر المسيّرات الإرهابية قد وصل القارة الإفريقية.

مخاطر وقوع المسيّرات بيد الإرهابيين

التحذيرات الدولية، حيث يزداد في القارة الإفريقية استخدام التقنيات المتقدمة، وأبرزها الطائرات المسيّرة، لاسيما في ضوء احتضان القارة العديد من الجماعات الإرهابية، والتي تنشط في ضوء انتشار الحروب الأهلية، بالإضافة إلى هشاشة بعض الحكومات، وتتسق المخاوف من استخدام الجماعات الإرهابية للطائرات المسيّرة مع تصريحات المبعوثة الهندية لدى الأمم المتحدة، السفيرة، روشيرا كامبوج، والتي أكدت استخدام الطائرات المسيّرة في شن هجمات في العديد من مناطق الصراع.

آثار هجمات جماعة بوكو حرام في نيجيريا “وكالات”

توفر الطائرات المسيرة، فمن المتوقع أن يبلغ السوق العالمي للطائرات المسيرة للهواة نحو 43 مليار دولار بحلول عام 2024، مع وجود توقعات بأن تصبح جنوب إفريقيا أبرز المستهلكين في القارة الإفريقية، وتتسم الطائرات المسيّرة التجارية بأنها متوفرة بشكل كبير مع سهولة تصنيعها بتكلفة قد لا تتعدى المئات من الدولارات، مما يجعل بعض التنظيمات قادرة على امتلاك هذه الطائرات، كما أنها قد تقوم بإدخال تعديلات تقنية عليها لاستخدامها كأسلحة موجّهة، كما تتميز هذه الطائرات بعجز العديد من الأنظمة الدفاعية على تحديدها، ومن ثم إسقاطها، نظراً لطيرانها على مستوى منخفض وبسرعة بطيئة نسبيا.

كما تتعدد الطرق التي يتم من خلالها إمكانية الحصول على الطائرات المسيّرة من قِبل الجماعات الإرهابية، حيث يمكنها الحصول عليها عبر أطراف ثالثة، مثل عصابات الجريمة المنظمة. كما يمكن شراء بعض الأنواع من الطائرات المسيّرة عبر المنصات الإلكترونية.

تهديد البنية التحتية، فقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن تصاعد توظيف الطائرات المسيّرة في استهداف البنية التحتية الاستراتيجية، على غرار شبكات الاتصالات ومحطات الطاقة والمطارات وغيرها. ولذلك من المتوقع أن تتجه الجماعات الإرهابية لاستخدامها لمهاجمة البنية التحتية الحرجة.

الأمور التي تحكم استخدام الطائرات المسيّرة

الدعم الخارجي، حيث يساعد الدعم الخارجي من قِبل دول أجنبية الجماعات الإرهابية في دعم قدراتها من خلال إمدادها بالمعرفة والتقنيات والتدريب، مثل الدعم الإيراني لجماعة الحوثيين في اليمن، مما مكّن تلك الجماعات من الوصول إلى طائرات مسيّرة أكثر تقدما من الفئة العسكرية متوسطة الحجم، وذلك على عكس الجماعات الإرهابية الأخرى، مثل “داعش”، والتي اضطرت للاكتفاء بتعديل الطائرات المسيرة التجارية.

وعلى مستوى القارة الإفريقية، أسست إيران علاقات سرية مع شباب “المجاهدين” في الصومال، وقامت بإمدادها بالسلاح. ولذا يمكن أن تقوم إيران بدعم “الحركة” ببعض الطائرات المسيرة القتالية.

السيطرة على الأرض، حيث تستخدم التنظيمات الإرهابية، على مستوى القارة الإفريقية، خاصة في دول الساحل على غرار “داعش”، و”بوكو حرام” و”القاعدة” الطائرات المسيرة، نظرا لسيطرتها على مساحات واسعة داخل دول المنطقة، فضلا عن معاناة دول المنطقة بسبب تراجع قدراتها الأمنية، بالإضافة إلى الفراغ الأمني الناتج عن انسحاب فرنسا من مالي بعد انتهاء عملية “برخان”، وإن كان من المتوقع أن تسعى لتجاوز ذلك عبر التعاون مع “فاغنر” الروسية.

امتلاك الخبرات الفنية، فكلما امتلك التنظيم عناصر فنية متخصصة قادرة على استخدام الطائرات المسيرة، كلما تم استخدامها على نطاق أوسع وبشكل أكثر فعالية. وتتميز حركة “الشباب” الصومالية، بقدرتها على استيعاب المبتكرات التقنيات الحديثة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2016، تبين أن الحركة تستخدم بشكل متزايد تكنولوجيا الأجهزة المتفجرة المتطورة في عملياتها، وسهّل ذلك الأمر استمرار وصول الخبراء الإرهابيين الأجانب لنقل المعرفة من مناطق النزاع الأخرى، خاصة من اليمن، وغيرها.

أساليب استخدام الطائرات المسيرة

الاستخدام الهجومي النشط، فقد أعلنت سلطات دولة مالي في آب/أغسطس 2022، مقتل 42 جنديا ماليا في هجوم متطور تم شنّه من قِبل تنظيم “داعش” في الصحراء الكبرى باستخدام طائرات مسيّرة ومدفعية وشاحنات مفخخة.

كما أظهرت “حركة الشباب” الصومالية، قدرة على استعمال المسيّرات. فعلى سبيل المثال، استطاعت الحركة عام 2016، تركيب المتفجرات والعبوات الناسفة على الطائرات المسيرة، وذلك لشن هجمات على منشآت الحكومة الصومالية.

الاستخدام السلبي للاستطلاع، أي توظيف الطائرات المسيرة لأغراض المراقبة والدعاية ونقل الأسلحة. ويُعد هذا الاستخدام هو النمط السائد بإفريقيا. ففي كانون الثاني/يناير 2022، استخدم تنظيم داعش في غرب إفريقيا طائرات مسيّرة لتصوير أجزاء من فيديو دعائي يعرض معسكرها التدريبي في نيجيريا.

كما تم رصد طائرات استطلاع مسيّرة في تموز/يوليو 2022 يستخدمها التنظيم فوق موقع القوات الحكومية النيجيرية قبل تنفيذها العملية الهجومية. وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية آنذاك، إلى حصول جماعة “بوكو حرام” النيجيرية على طائرات مسيرة، والتي تم استخدامها لأغراض استخباراتية، مع تأكيد التحليلات على أن طائرات “بوكو حرام” قد تكون أكثر تطورا من تلك المستخدمة من قِبل الحكومة النيجيرية.

أيضا في نقلة قد تعقّد مكافحة الحكومة الصومالية للإرهاب، تسعى حركة “الشباب” الإرهابية إلى اقتناء الطائرات المسيّرة في الوقت الذي لا يملك جيش البلاد التكنولوجيا اللازمة للتصدي لهذا السلاح، وبحسب خبراء فإن شبكة العلاقات الواسعة بين الجماعات الإرهابية حول العالم تسهّل تملك حركة “الشباب” لهذه الطائرات التي لن تهدد الصومال فقط، بل القرن الإفريقي برمته.

وفق المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، فإن الجماعات الإرهابية استخدمت الطائرات بدون طيار لجمع المعلومات الاستخبارية والأغراض الدعائية أو التسليم بالمتفجرات وتنفيذ هجمات وتهريب المخدرات.

في نفس الاتجاه، تحدثت دراسة لرابطة جمعية جيش الولايات المتحدة، في شباط/فبراير الماضي، عن أهداف الإرهابيين من الاتجاه للطائرات المسيّرة، ومنها تقليل تكاليف الهجمات، وقدرتها على اختراق المنظومة الأمنية لأي دولة تستهدفها بجمع المعلومات.

الجماعات الإرهابية، وأولها تنظيم “القاعدة”، تستخدم الطائرات بدون طيار منذ 1994، حيث وقع من وقتها حتى عام 2018 نحو 14 هجوم أو محاولة هجوم بها، وفي عام 2014، بدأ تنظيم “داعش” في استخدام هذه الطائرات على نطاق واسع في العراق وسوريا.

الجماعات الإرهابية تبذل جهودا متزايدة في استغلال الطائرات المسيّرة التجارية الصغيرة لشن هجماتها المسلحة، وتُعد جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا رائدة في هذا المجال، كما أن الحكومة النيجيرية تستخدم طائرات مسيّرة صينية الصنع مسلحة ضد “بوكو حرام”، بينما تطور أيضا طائراتها المسيرة المحلية بدعم من باكستان، إضافة إلى تنظيم “داعش” والتنظيم المنافس له في إقليم غرب أفريقيا “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التابعة لتنظيم “القاعدة”، ويتشابك نشاط هذه الجماعات من غرب القارة في مالي إلى بوركينا فاسو وساحل العاج والنيجر والسنغال وموزمبيق ونيجيريا والكاميرون وتشاد، وصولاً إلى شرقها في كينيا والصومال وإثيوبيا.

كيف تحصل الجماعات الإرهابية على المسيرات؟

بحسب متخصصين، تتواصل الجماعات الإرهابية عبر شبكة واسعة داخل إفريقيا وسوريا والعراق وجماعة “الحوثي” في اليمن و”حزب الله” في لبنان والميليشيات في ليبيا، و”حركة الشباب” في الصومال، وتنسق تهريب الأسلحة، ومنها المسيرات.

أيضا عبر الشركات المتخصصة في بيع تكنولوجيا الطائرات المسيرة التجارية، وهي متوفرة على نطاق واسع، ويمكن بسهولة تصنيع طائرة مسيرة هجومية، ويتراوح سعر الطائرات بدون طيار من 20 إلى أكثر من 20000 دولار.

حركة الشباب المجاهدين في الصومال “وكالات”

كما تمثل جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا أكبر سوق في القارة الإفريقية للطائرات المسيّرة في قطاعي التعدين والزراعة، فمعظم مواد تصنيعها متاحة قانونيا. وقد سمح حجمها بعرضها الذي يبلغ نحو 0.6 متر بكثافة إنتاجها تجاريا بكلفة منخفضة. وبعد أن بلغت مبيعاتها العالمية 14 مليار دولار في عام 2018، فإنه يتوقع أن تصل إلى 43 مليار دولار في عام 2024، وفقاً لموقع “درون إندستري إنسايتس”.

كما أن الطلب على الطائرات المسيّرة تزايد مع تزايد النزاعات إذ دخلت كأداة جديدة في الحروب الداخلية، وعمليات مكافحة الإرهاب، ضد “حركة الشباب” في الصومال، وتنظيم “القاعدة” في ليبيا، وفي النزاع الليبي الليبي، حتى إن المبعوث السابق للأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة وصف ذلك بأن “سماء ليبيا تحولت إلى أكبر مسرح لحرب الطائرات المسيّرة في العالم”.

الاستخدامات الإرهابية المستقبلية للمسيرات

تنفيذ هجمات كيميائية أو بيولوجية، حيث يمكن على سبيل المثال إرفاق ذخائر محمّلة بالمواد الكيميائية على طائرات مسيّرة انتحارية. ففي حزيران/يونيو 2013، ألقت قوات الأمن العراقية القبض على خلية تابعة لـ”داعش” بتهمة التخطيط لاستخدام طائرات مسيّرة يتم التحكم فيها عن بعد لرش غاز السارين وغاز الخردل على أهداف غير محددة في العراق ومناطق أخرى.

استخدام أسراب المسيّرات، أي قدرة الجماعات الإرهابية على شراء، أو تصنيع عدد كبير من الطائرات المسيّرة بتكلفة أقل إمكانية توظيف أسراب من الطائرات المسيرة لمهاجمة قواعد الجيش. ففي كانون الثاني/يناير 2018، هاجمت جماعة إرهابية في سوريا قاعدة للجيش الروسي في طرطوس بسوريا باستخدام 13 طائرة مسيرة بدائية محملة بالمتفجرات.

بالنسبة للصومال، فإن الدولة الصومالية ليس لديها أي قدرات عسكرية وتكنولوجية لمواجهة الطائرات المسيّرة، واستخدام “حركة الشباب” لها سيشكل نقل شديدة التعقيد في الصراع مع الدولة، وهذا السلاح سيزيد تهديدات “حركة الشباب” لدول القرن الإفريقي؛ فإثيوبيا منشغلة الآن في حرب داخلية، وهو ما سيساعد الحركة بتملكها للمسيّرات على شن هجمات هناك.

أيضا يشير متخصصون، إلى أن ساحة المعركة المقبلة بين الجماعات الإرهابية أو المتمردة والحكومات ستكون نتيجة للتوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، من واقع إمكان شرائها وتكييفها واستخدامها لتعطيل البنية التحتية للدولة المعينة مثل المطارات ومحطات الطاقة وشبكات الاتصالات وغيرها. وفي الوقت ذاته، يبرز احتمال استخدام الطائرات المسيرة في مكافحة الإرهاب ورد الهجمات من هذه الجماعات، مما يعني ازدواجية دورها، وما يمكن أن يقف عائقا في وجه الحكومات الآن، هو إمكان صياغة معايير قانونية واضحة تنظم هذه العمليات لاعتبارات عسكرية استراتيجية مسموح بها، أو لأغراض تنموية أو في برامج المساعدات الإنسانية مثل تلك التي أنشأتها منظمة “يونيسف” وهيئة “الإغاثة الدولية” و”برنامج الغذاء العالمي” في مالاوي وموزمبيق وغيرهما، لتكون أولويات مستقبلية، وفي المقابل، صياغة قوانين تجرم اتساع نطاقها لأهداف مشبوهة.

كما يضيف خبراء، إلى أنه لا يزال استخدام الجماعات الإرهابية للطائرات المسيّرة في طور البداية بالقارة الإفريقية، غير أنه لا يمكن إغفال أن انتشار تلك النوعية من التقنيات الناشئة سيكون مسألة وقت، وذلك في ضوء تشابك عدد من الجماعات الإرهابية مع أطراف خارجية. ولذا ستواجه الحكومات الإفريقية تحديات جسيمة لمواجهة انتشار تلك النوعية من الطائرات في أيدي التنظيمات الإرهابية، خاصة أن دول العالم المتقدم لاتزال تعكف على تطوير أنظمة دفاعية في مواجهتها.

إقرأ:جيبوتي بلد القواعد الدولية.. لماذا تستهدفه مطامع الصين؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة