إيران تعلن مجددا تخصيب اليورانيوم.. عقبة جديدة أمام المفاوضات النووية؟

أستمع للمادة

عقِب قرار “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” بأمر إيران بالتعاون بشكل عاجل مع تحقيق “الوكالة” في آثار اليورانيوم التي تم العثور عليها في ثلاثة مواقع غير معلنة، أعلنت إيران تخصب اليورانيوم بنسبة 60 بالمئة في موقع فوردو النووي باستخدام أجهزة الطرد المركزي (آي.آر6)، وهو ما يقل كثيرا عن نسبة 90 بالمئة اللازمة لصنع الأسلحة النووية ولكن أعلى بكثير من نسبة 20 بالمئة التي كانت قد وصلت إليها طهران قبل اتفاقية 2015 مع القوى الكبرى التي نصت على عدم تجاوز نسبة التخصيب 3.67 بالمئة.

غير أن هذا الإعلان يثير العديد من التساؤلات، لعل أبرزها حقيقة وهدف إيران من هذا الإعلان، وهل يُعتبر نوعا من التحدي للغرب، أو ربما تسعى إيران للحصول على أسلحة نووية في أقرب وقت ممكن، من أجل تحقيق مصالحها، إضافة إلى نتائج وعواقب إعلان طهران تخصيب اليورانيوم مرة أخرى. وفيما إذا ستكون هناك عقوبات أشد أم سيكون هناك تصعيد عسكري إسرائيلي ضد إيران، وكذلك مصير المفاوضات النووية بعد أن بدأت طهران بتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 بالمئة، وهي درجة قريبة من درجة النقاء اللازمة لصنع أسلحة نووية.

ضغط وابتزاز للغرب؟

تلفزيون “أس أن أن” الإيراني، أفاد اليوم الثلاثاء، إن إيران بدأت في تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60 بالمئة بموقع فوردو النووي باستخدام أجهزة الطرد المركزي (آي.آر6)، بحسب وكالة “رويترز”.

القناة التلفزيونية أردفت أن إيران ستبني أيضا مجموعة جديدة من أجهزة الطرد المركزي في الموقع، في وقت وافق مجلس محافظي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” المؤلف من 35 دولة، يوم الخميس الفائت، على قرار يأمر إيران بالتعاون بشكل عاجل مع تحقيق “الوكالة” في آثار اليورانيوم التي تم العثور عليها في ثلاثة مواقع غير معلنة وذلك حسبما قال دبلوماسيون أثناء التصويت الذي جرى خلال جلسة مغلقة.

يُعد هذا ثاني قرار يستهدف إيران خلال العام الجاري بشأن التحقيق الذي أصبح عقبة أمام محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 نظرا لمطالبة إيران بإنهاء التحقيق.

ضمن هذا الإطار يرى الأكاديمي والباحث السياسي، سامح مهدي، أن طهران تواصل أنشطتها المتشددة بهدف الضغط على القوى الخارجية أو بالأحرى ابتزازها، إذ إن الملف النووي الإيراني الذي لم تعد هناك أي شبهة بشأن أهدافه العسكرية غير السلمية وكذا الملف الصاروخي الباليستي، ناهيك عن الطائرات المسيّرة، يؤكد أن طهران تستغل كل ملفاتها المحلية والإقليمية للحصول على مكتسبات وتحقيق أهدافها الجيواستراتيجية.

كما ويلفت وفق تقدير مهدي إلى أن وجود وكلاء إيران في العراق أو اليمن أو لبنان إنما يعزز الفرضية ذاتها حيث إن “الحرس الثوري” الإيراني عندما يشعر بخوف وتراجع في منسوب الحوار وتأزم الأوضاع مع الولايات المتحدة على سبيل المثال فيما يخص الاتفاق النووي ومفاوضات فيينا، فإنه يواجه ذلك مع فرض العقوبات بعسكرة الإقليم بالإضافة الى عمليات القرصنة البحرية وزرع الألغام وتهديد الملاحة الدولية لبعث رسائل تحذيرية للاتحاد الأوروبي وتحريك مخاوفهم نحو مسألة تأمين وصول الطاقة.

قد يهمك: مصافحة السيسي وأردوغان.. مقدمة لعودة العلاقات المصرية التركية؟

تصدير الأزمات الإيرانية إلى الخارج؟

مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، التقى مع رئيس هيئة الأركانِ الإسرائيلي أفيف كوخافي، الذي يزورُ واشنطن، في حين قالت المتحدثةُ باسم مجلس الأمن القومي، أدريان واتسون، في بيان إن سوليفان أكد أيضا التزام الرئيس الأميركي جو بايدن، بضمان عدم حصول إيران على السلاحِ النووي.

كما أكد الجانبان عزمَهُما المشترك على معالجة التحديات الأمنية التي تؤثر على الشرق الأوسط، بما في ذلك التهديدات التي تشكلها إيران ووكلاؤها.

الجانبان بحثا أيضا أهمية اتخاذ خطوات لتهدئة الوضعِ الأمني في الضفة الغربية، حيث أكد سوليفان أن حل الدولتين يظل أفضل وسيلة لتحقيقِ سلام دائم.

مبعوث إيران لدى “الوكالة الدولية” محسن نذيري، ردا على قرار الوكالة الأممية للطاقة الذرية قال إن “الأهداف السياسية لواضعي هذا القرار المناهض لإيران لن تتحقق، لكنه قد يؤثر على العلاقات البناءة بين طهران والوكالة”، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية.

كما واتهم وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، يوم السبت الفائت، “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” بـ”التدخل” في شؤون بلاده، محذرا من أن طهران “سترد بإجراءات مماثلة” على أي قرار يصدر من الوكالة ضدها.

بالعودة إلى الباحث السياسي، سامح مهدي، فإن تخصيب اليورانيوم ليس بالأمر الجديد وفق رأيه، بل إن سياقه يؤكد كل ما سلف ذكره حيث يتماثل مع سوابقه.. فمع تأزم الأوضاع ووصلها لدرجة من الانسداد لاسيما مع الاحتجاجات المستمرة في أنحاء إيران لأكثر من شهرين وتصعيد طهران الأمني ضد المحتجين ومن ثم مقابلة ذلك بالعقوبات من قِبل الغرب وأميركا، حتى أن تقريرا حديثا من الاستخبارات الكندية، لمّح إلى جهود “الحرس الثوري” المحمومة لاصطياد المعارضة الخارجية واغتيالها يؤشر ذلك على طبيعة العقل البراغماتي الإيراني، الذي يسعى للتعمية وتصدير أزماته بضغوط أخرى.

مطلع تموز/ يوليو الماضي، قالت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، إن إيران صعّدت عملية تخصيب اليورانيوم من خلال استخدام أجهزة طرد مركزي متطورة من نوع (آي.آر6) بمنشأة فوردو الموجودة تحت الأرض، والتي يمكنها التبديل بسهولة أكبر بين مستويات التخصيب. وفي آب/ أغسطس الماضي، أظهر تقرير لـ “لوكالة الدولية للطاقة الذرية”، أن إيران تمضي قدما في تحديث برنامجها المتقدم لتخصيب اليورانيوم.

بحسب التقرير، فإن “إيران بدأت تخصيب اليورانيوم باستخدام واحدة من ثلاث مجموعات من أجهزة الطرد المركزي المتطورة (آي.آر6) التي ركبتها طهران في محطة التخصيب تحت الأرض في نطنز”.

صورة لمنشأة نظنز لتخصيب اليورانيوم “أرشيف”

يُعد (آي.آر6) أكثر جهاز إيراني من أجهزة الطرد المركزي تطورا وأكفأ كثيرا من الجيل الأول من (آي.آر1)، وهو الطراز الوحيد الذي سمح الاتفاق النووي الذي أُبرم قبل سنوات لإيران باستخدامه في التخصيب، وفقا لما نقلته “رويترز” عن دبلوماسيين حينها.

هذا وتستخدم إيران منذ أكثر من عام أجهزة الطرد المركزي من طراز (آي.آر6) لتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 بالمئة، القريبة من درجة النقاء اللازمة لصنع أسلحة، في محطة فوق سطح الأرض في نطنز.

قد يهمك: جهود أميركية لحماية الملاحة في الشرق الأوسط.. ما هي التهديدات؟

تحذير غربي

في سياق متّصل، رحَّبت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، يوم الجمعة الفائت، بتبني مجلس محافظي “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” قرارا شأن آثار اليورانيوم التي تم العثور عليها في مواقع غير معلنة بإيران، محذرة من “إجراءات أخرى” قد يتخذها المجلس في حال رفضت طهران التعاون.

عبر بيان مشترك، اعتبرت الدول الأربع أن القرار “جاء ردا على تعاون إيران غير الكافي مع “الوكالة” بشأن القضايا الخطيرة والعالقة المتعلقة بالتزامات طهران القانونية، بموجب اتفاقية الضمانات الخاصة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”.

كما وأشارت الدول الأربع، حسبما ورد في بيان مشترك للخارجية البريطانية، إلى أن القرار الذي يُعد الثاني في هذا الخصوص مثل “رسالة واضحة مفادها أنه من الضروري والمُلح أن تفي إيران بالتزامات الضمانات التي تتطلبها معاهدة حظر الانتشار النووي، وتتخذ الإجراءات المحددة دون تأخير”، مضيفة “يجب على إيران تقديم تفسيرات فنية مقبولة لوجود جزيئات اليورانيوم التي تم ضبطها في ثلاثة مواقع غير معلنة، وتوضيح مكان وجود المواد النووية ذات الصلة، والمعدات الملوثة”، مؤكدة على أن مجلس محافظي الوكالة سينهي النظر في هذه القضية فقط إذا تجاوبت إيران و “تمكَّن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، من الإبلاغ عن أن قضايا الضمانات التي لم يتم حلّها حتى الآن، لم تعد عالقة”.

اجتماع وكالة الطاقة الذرية “إنترنت”

بدورهم اعتبر دبلوماسيون غربيون، أن برنامج إيران النووي الذي يتوسع بسرعة، والقيود التي فرضتها على المراقبة الدولية، تدفع بها نحو أزمة خطيرة أخرى، كما تثير الشكوك حول مزاعمها بأن أنشطتها النووية سلمية، وفقا لما نقلته “بلومبرغ”.

وسط المحادثات غير المثمرة مع “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، وصلت المفاوضات النووية بين القوى الكبرى وطهران لإحياء اتفاق 2015 الذي يحد من برنامج إيران النووي إلى طريق مسدود، كما يُرجّح أن يدخل أطوار ومراحل أكثر تعقيدا، وهذا ما سيعقّد المشهد السياسي الإقليمي والدولي.

قد يهمك: تعثر المفاوضات بين إيران و”الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.. ما هي اتفاقية الضمانات؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة