بعد انسحاب أكثر من 1000 شركة دولية.. ما مصير الاقتصاد الروسي؟

بعد انسحاب أكثر من 1000 شركة دولية.. ما مصير الاقتصاد الروسي؟
أستمع للمادة

في الوقت الذي تحاول فيه روسيا التغطية على تداعيات غزوها لأوكرانيا، سواء عسكريا أو اقتصاديا، يبدو أنها متجهة نحو أزمة اقتصادية كبيرة على عكس تصريحات المسؤولين الروس حول الأداء الإيجابي للاقتصاد الذي يحاول إيهام الشعب الروسي والعالم بها، بأن الاقتصاد أفضل مما كان عليه سابقا.

اقتصاديون نقلوا صورة مخالفة تماما عن ما تحاول روسيا تصديره، كما توقعوا مستقبلا سيئا في ظل العقوبات الغربية الواسعة ضد موسكو، وانطلقت توقعاتهم من انسحاب أكثر من 1000 شركة دولية من روسيا، وهو ما يحدد ملامح الصعوبات التي سيواجهها الروس على المدى الطويل.

الاقتصاديون أكدوا ذلك في دراسة حديثة شارك فيها 19 خبيرا اقتصاديا وأكاديميا متخصصا من جنسيات أميركية وبريطانية وألمانية وروسية، مشيرة إلى انعكاس ذلك بشكل سلبي على الشعب والاقتصاد.

الدراسة استندت في نظريتها على الأرقام الحكومة الروسية نفسها، والجمعيات التجارية وإحصاءات نقل البضائع وأرقام الموانئ وأرقام شركاء روسيا التجاريين، مبيّنة أن هناك اهتمام أوروبي وغربي بما يجري مع اقتصاد روسيا لقياس مستوى تأثير العقوبات وعزل روسيا، على أمل أن يقتنع “الكرملين” بأن الحرب ستكون نتائجها في غير مصلحة موسكو.

يأتي ذلك في وقت يتوقع خبراء مستقبلا قاتما للاقتصاد الروسي مع تلاشي مكاسب ارتفاع أسعار الطاقة وتشديد العقوبات الغربية، ومعاناة البلاد لاستبدال أوروبا كمشتر رئيسي للنفط والغاز.

إذ أكدت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير لها، إن روسيا ستشهد ركودا أكبر من أي اقتصاد كبير هذا العام، وفقا لتوقعات جديدة من بنكها المركزي، مشيرة إلى أن الاقتصاد الروسي يعاني من تأثير العقوبات وانسحاب الشركات الغربية في أعقاب غزو أوكرانيا في شباط/فبراير الماضي.

اقرأ/ي أيضا: خطر الهجوم الصيني على الفلبين.. ما احتمالية تفعيل “الدفاع المشترك” لواشنطن؟

تأثر الاقتصاد الروسي بسوق الطاقة

الصحيفة لفتت إلى أنه في حين استفادت روسيا من ارتفاع أسعار الطاقة هذا العام، يتوقع الاقتصاديون أن تنخفض الإيرادات بشكل حاد مع تباطؤ الاقتصاد العالمي وإيجاد الغرب بدائل للطاقة الروسية، حيث من المرجح أن يكون الانكماش المتوقع هو الأكبر الذي يسجله عضو في مجموعة أكبر 20 اقتصادا.

مع تلك التوقعات، تُبيّن الدراسة التي أعدها أكاديميون أغلبهم من جامعة “ييل” الأميركية، على رأسهم مؤسس ورئيس معهد القيادة التنفيذية وعميد كلية الإدارة في الجامعة جيفري أ.سونينفيلد، لاحظ الباحثون أن بيانات موسكو وأرقامها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا كانت مزيفة.

الدراسة جاءت في 118 صفحة تحت عنوان “مقاييس النشاط الاقتصادي الحالي والتوقعات.. تأثير مدمر على روسيا“، وخلُص المشاركون إلى “شلل الاقتصاد الروسي بسبب التراجعات والعقوبات التجارية“.

ما قدمه الباحثون في مراجعتهم لاقتصاد روسيا شيء مخالف تماما لضغط الدعاية والأرقام المتفائلة زمن الحرب، فاستنادا إلى الأرقام منذ آذار/مارس، وبعد أسابيع من غزو أوكرانيا، تتبع الخبراء تراجع عائدات النفط والغاز بأكثر من 50 بالمئة في أيار/مايو الماضي، ورأى القائمون على الدراسة أن الاقتصاد الروسي الذي كان قبل الحرب يحتل المرتبة 12 عالميا بدأ الآن يعاني آثار العقوبات وانسحاب الشركات الدولية.

الدراسة لاحظت، توقف الروس عن نشر البيانات الشهرية المتعلقة بالتجارة الخارجية وإنتاج النفط والغاز والاستثمار الأجنبي، بل حتى الشركات الملزمة قانونا بإصدار بيانات مالية توقفت عن ذلك، في الوقت الذي تستعد فيه شركات تدقيق دولية للخروج من روسيا، وذلك سيضفي المزيد من الغموض على ما يجري، ويشير إلى مشكلة عميقة.

من بين المنسحبين من السوق الروسية شركة الأثاث والأدوات المنزلية السويدية إيكيا، ففي أواخر حزيران/يونيو الماضي، أبلغت الشركة موظفيها الـ 15 ألفا على مستوى روسيا بأنه بإمكانهم شراء آخر ما تبقى في المتاجر والمخازن بأسعار مخفّضة، قبل أن يتحولوا إلى طوابير البطالة، وأظهر أحد أشرطة الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع، حالة تسابق وتدافع الموظفين لاقتناص فرصة الهيمنة على البضائع بأسعار زهيدة.

اقرأ/ي أيضا: الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.. العقبات والتداعيات

الاقتصاد الروسي أمام تحديات جيوش العاطلين

إلى جانب أن الشركات المنسحبة، وبما فيها التصنيعية والخدمية، احتضنت 5 ملايين موظف، وشكلت نسبة غير قليلة من إجمالي الاقتصاد الروسي، فإن وقف دفع مرتبات هؤلاء وإغلاق الأبواب سيؤديان إلى مزيد من البطالة.

بالتالي وبحسب الدراسة، أن التأثير السلبي على اقتصاد روسيا، يتمثل بكشف الفوارق بين الحقائق والدعاية الرسمية من “الكرملين” التي أوقعت بها عدد من المؤسسات الصحافية، ففي الأول من حزيران/يونيو الماضي ذهبت وكالة “بلومبيرغ” إلى نشر تقرير موسع جعل من اقتصاد روسيا في زمن الحرب وكأنه أفضل حالا من سنوات السلم، بل إن “الوكالة” اعتبرت أن قطاع النفط والغاز يتوقع له هذا العام أن يحقق إيرادات تفوق العام الماضي.

معدّو الدراسة حلّلوا أيضا، محاولات روسيا رفع وضعها السياسي في وقت تعاني فيه أوضاعا مأزومة على مستوى الاقتصاد والسياسة، من خلال ما أسمته بـ “خرافة الاتجاه شرقا“، مشيرين إلى أن تسويق روسيا للتوجه بغازها نحو الشرق، أي إلى الصين والهند وغيرهما في آسيا، هو مجرد تضليل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الدراسة أوضحت أن أقل من 10 بالمئة من قدرات روسيا من الغاز هي غاز طبيعي مسال، لذا تظل صادراتها من الغاز معتمدة على نظام خطوط الأنابيب الثابتة التي تحمل الغاز، وينطبق ذلك على الغاز الموجه من غرب روسيا إلى أوروبا، فهذه الأنابيب غير قابلة للتوصيل بشبكة منفصلة من خطوط الأنابيب التي تربط شرق سيبيريا بآسيا، والتي تحتوي فقط على 10 بالمئة من قدرة شبكة خطوط الأنابيب الأوروبية.

كذلك لفتت إلى أن نحو 16 مليار متر مكعب جرى تصديرها إلى الصين خلال العام الماضي، وهي أقصى قدرة توصيل، ومثّلت أقل من 10 بالمئة من 170 مليار متر مكعب أُرسلت عبر الخطوط إلى القارة الأوروبية.

بالتالي ونظرا إلى أن خطوط الإمداد نحو آسيا لن تكون جاهزة قبل سنوات، رغم الاستعجال في استكمالها، فالاقتصاد الروسي الذي يعاني ماليا، حتى في تمويل مدّ تلك الأنابيب، سيصبح أكثر معاناة، كما رأى الباحثان سونينفيلد وتيان في استخلاص النتائج.

اقرأ/ي أيضا: هل ستنجح موسكو في تجنيد “الكوماندوز” الأفغاني لصالح حربها في أوكرانيا؟

الاقتصاد الروسي بالأرقام

يُشار إلى أنه وبعد الغزو مباشرة، توقع “البنك الروسي” أن ينكمش الاقتصاد بين 8 بالمئة و10 بالمئة هذا العام، وبنسبة تصل إلى 3 بالمئة في العام المقبل، كما يتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بين 1 بالمئة و4 بالمئة في العام المقبل.

وقبل غزو روسيا لأوكرانيا، توقع “البنك المركزي” أن ينمو الاقتصاد بنسبة تصل إلى 3 بالمئة في عام 2022، وهذا يعني أن الحرب كلفت البلاد أكثر من 7 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي.

بدوره أبقى “البنك المركزي الروسي” على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير في أول اجتماع منذ آذار/مارس، أعقبته ستة تخفيضات متتالية في أسعار الفائدة إلى 7.5 بالمئة من 20 بالمئة مع نجاح صناع السياسات في استقرار الروبل والنظام المالي في أعقاب العقوبات الغربية.

في غضون ذلك، حذّر “البنك المركزي” من أن الاقتصاد قد يعاني من انخفاض أكبر في الإنتاج العام المقبل إذا واجهت روسيا عقوبات أكثر صرامة، أو طلبا أضعف من الاقتصاد العالمي المتباطئ. ويهدف “الاتحاد الأوروبي” إلى فرض عقوبات جديدة على شحن الخام الروسي في جميع أنحاء العالم.

ليس ذلك فحسب، بل أن البنك قال إن النمو قد يتأثر أيضا نتيجة لقرار الحكومة في سبتمبر بتجنيد 222 ألف جندي إضافي، في وقت أضرت العقوبات والانسحاب الطوعي للشركات الغربية ببعض أجزاء الاقتصاد بشدة، وفقا للأرقام الصادرة عن “دائرة الإحصاءات الفيدرالية الحكومية” في وقت سابق.

في حين توقع معهد “بروغل للأبحاث” في دراسة نُشرت في وقت سابق، إن حصة روسيا من الصادرات العالمية من النفط والغاز قد تنخفض إلى النصف بحلول عام 2030.

اقرأ/ي أيضا: الصين عالقة في فخ من صنعها.. ما أثر ارتفع إجمالي حالات “كوفيد” اليومية عالميا؟

مجموعة مؤثرات

بدورها الدراسة الأميركية أشارت إلى أنه في المجمل ليس خروج الشركات والبنوك من روسيا وحده ما يؤثر سلبا في اقتصادها، بل أن نزيف الأدمغة التي بدأت تتوسع مع هجرة أصحاب المؤهلات والكفاءات من البلاد سيتسبب بالأضرار كذلك.

الدراسة تلاحظ أيضا أن ما يجري يفوق ما جرى قبل 3 عقود، حيث تعود الأمور إلى ما قبل وصول الاستثمار الأجنبي، وبدء هروب رأس المال والمواهب وصولا إلى نحو نصف مليون شخص، ويعتبر هؤلاء أن تأثير الدومينو سيبدأ خلال الفترة القادمة.

بالمحصلة، أن ما يعنيه كل ذلك بحسب الباحثين، توقف الإنتاج المحلي في روسيا، دون القدرة على تعويض الأعمال والإنتاج والمواهب المفقودة، آخذين بالاعتبار انسحاب قطاعات صناعية كالسيارات وغيرها من السوق الروسي.

تأكيدا لذلك، لفتت الدراسة إلى أن صحيفة “كوميرسانت” سجلت خلال الأيام الماضية، بداية فقدان في أجهزة الكمبيوتر المحمولة المزودة بلوحات مفاتيح روسية في وقت تحاول ماكينة دعاية “الكرملين” أن تظهر عدم التأثر بالعقوبات الغربية.

فسلاسل الإلكترونيات الروسية بدأت عمليا التخلي عن بعض موظفيها، مع تراجع السلع، وذلك أيضا مضاف إلى انخفاض مبيعات السيارات بنسبة 75 بالمئة، حيث في العموم تواجه الصناعة الروسية المتبقية تحديات هائلة لأنها معزولة الآن عن قطع الغيار.

يوجه الخبراء أنظارهم خلال الأشهر القادمة للقياس الفعلي للتأثر السلبي لمجمل الصناعات الروسية، وليس أقلها عالية التقنية والمواد الغذائية وغيرها من القضايا الهامة في يوميات حياة الروس، وفقا لمعدي الدراسة.

اقرأ/ي أيضا: باتريوت ألمانية في أوكرانيا.. هل تحل نقطة الضعف العسكرية لكييف أمام روسيا؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد