د.أيمن سلامة: استحالة استخدام السلاح النووي في الوقت الراهن لأن التاريخ لن يرحم

أستمع للمادة

طال أمد الحرب الروسية في أوكرانيا، وهو مرشح لمزيد من الإطالة، وسط تساؤلات حول إدارة روسيا حربها وفعالية أسلحتها، ومدى نجاحها أو إخفاقها في تحقيق أهدافها الإستراتيجية، بالمقابل هناك تحركات تدور في المنطقة يستشف منها محاولة لتأسيس تحالف مواجه لإيران الهدف منه تخفيف منسوب ودرجة الأضرار التي أحدثتها في الإقليم بعد سنوات طويلة.

العديد من الأسئلة والمحاور المتعلقة بالسياسة والاستراتيجيات العسكرية والمفاوضات المتعلقة بالحرب الروسية الأوكرانية، بجانب أسئلة حول فرص تشكيل تحالف ضد خطر التمدد الإيراني في المنطقة، ناقشها موقع “الحل نت” مع العقيد والدكتور أيمن سلامة، خلال حوار خاص.

أيمن سلامة، العقيد المتقاعد وضابط الاتصال السابق في “حلف الشمال الأطلسي” (الناتو)، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، عضو مجلس كلية الألسن بجامعة “عين شمس” المصرية، ورُشح أيضا سلامة للعمل مستشارا قانونيا بالمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، عام 2001.

سلامة يحمل في رصيد خبراته ومسيرته الأكاديمية العديد من المهام والأعمال، أبرزها أنه عمل مستشار قانوني لـ”اللجنة الدولية للصليب الأحمر” في جينيف بين عامي 2018-2019 للتعليق على تعليقات خبراء اللجنة حول اتفاقية جنيف الثالثة لمعاملة المعتقلين وأسرى الحرب عام 1949م، كذلك، أستاذ القانون الدولي الزائر بالمعهد الدولي لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، فرنسا، إلى جانب الأستاذ الفخري للقانون الدولي بمعهد حقوق الإنسان في جامعة “ديبول”، بشيكاغو، الولايات المتحدة الأميركية.

مدى الحاجة إلى تطوير القانون الدولي الإنساني

في سياق الحرب الدائرة في أوكرانيا، وحول مدى الحاجة إلى تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني، قال سلامة في حواره الخاص لـ”الحل نت”، إن الحرب الروسية الأوكرانية لن تتغير في زمن الأسلحة البالغة التعقيد. وهذه الحرب التي دارت رحاها منذ 24 شباط/ فبراير 2022، أكدت الحاجة الماسة لتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالنزاعات المسلحة الدولية، وذلك بالنظر لحجم الدمار الشامل والخسائر البشرية الفادحة والمعاناة الإنسانية التي طالت المقاتلين والمدنيين على حد سواء.

بحسب تقدير سلامة، أنه وبالرغم من تطور التقنيات العسكرية الحديثة، والاستخدام غير المسبوق في النزاعات المسلحة التي برزت في إنتاج الأسلحة والمعدات والأدوات الخاصة بالصراع المسلح، و لم تقتصر هذه التقنيات الحديثة على فرع واحد من الأسلحة المقاتلة لطرفي النزاع المسلح، ولكنها شملت كافة هذه الأفرع، لكن تغاير كل ذلك مع حجم الدمار الذي لم تشهده البشرية منذ الحرب العالمية الثانية؛ وأضحت أوكرانيا ساحة لتجارب أحدث الأسلحة لدى روسيا فضلا لحلف “الناتو”؛ لذلك بات لزاما أن يبذل المجتمع الدولي الجهد الحثيث من أجل تطوير المواثيق الدولية للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني.

سلامة سرد في حديثه المطول مع “الحل نت”، حول مفهوم الأسلحة الفتاكة المتفجرة المثيرة للقلق، وأضاف أنه نتيجة ما شَهدت الكثير من الأعمال العدائية العسكرية بين الدولتين المتحاربتين روسيا وأوكرانيا، استهداف المناطق المأهولة بالسكان بأنواع كثيرة من الأسلحة المتفجرة التي تثير شواغل إنسانية عند استخدامها في المناطق المأهولة، وهذه الأسلحة، تمتد آثارها إلى مساحة واسعة، أو تُخلِّف آثارا وأضرارا واسعة النطاق.

سلامة لفت بالقول، “تطالعنا وسائل الإعلام العالمية وعلى مدار الساعة بأحدث الأسلحة الروسية التي لم تُجرب بعد في الحروب التي خاضتها روسيا في أفغانستان، والشيشان، وسوريا، ووكيلتها الشهيرة، فاغنر، في ليبيا وإفريقيا الوسطي”. وجَليٌ وفق سلامة، أن المتحاربين سواء في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية ينتهكون العديد من قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا تُعد الحرب الروسية الأوكرانية استثناءً في هذا الصدد.

بحسب ما قاله سلامة، فإن القانون الدولي الإنساني يهدف إلى أنسنة النزاعات المسلحة، وينصرف ذلك المبدأ إلى حقيقة قانونية جوهرية وهي الباعث من النزاع المسلح، وهو إضعاف قوة العدو بشكل كبير وليس إبادته كما كان يحدث في القرون الغابرة، حيث كانت الحرب وسيلة مشروعة لتسوية النزاعات الدولية، قبل صدور ميثاق “عصبة الأمم” ومن بعده ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

نافل القول، بحسب سلامة يمثل القانون الدولي الإنساني الإطار القانوني المطبق على الأسلحة الحديثة، حيث يضع هذا الأخير القواعد المتعلقة بوسائل وأساليب القتال، في معاهداته الاتفاقية والعرفية، إذ أن جُلَّ هذه القواعد المتعلقة بتنظيم الأسلحة الحديثة نجدها في البروتكول الإضافي الأول، خاصة فيما يتعلق بمراجعتها ومشروعيتها أثناء تطويرها أو تحديثها أو تصنيعها، وكذا مدى التزامها بما جاء به شرط “مارتنز” الذي يُعتبر من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

إن المقصود بحظر أو تقييد الأسلحة يحمل مفهوم مزدوج، فمن جهة يقصد بالتقييد التقييد القانوني لاستخدام بعض الأسلحة، أي تحريم ومنع أساليب خاصة في استخدام هذا السلاح، معنى ذلك جواز استخدامه بشروط، ومن جهة أخرى الحظر القانوني لاستخدام بعض الأسلحة، أي تحريم اللجوء إليها في كل الحالات ومهما كانت الطريقة والهدف. حيث يُقصد بالحظر بناء على ذلك بموجب القواعد الثانوية مسؤولية الدول، يتعين على الدول اتخاذ جميع التدابير لوقف انتهاك القانون الدولي الإنساني وتقديم وسائل مناسبة لجبر الضرر والتحقيق في كثير من الحالات كخطوة مبدئية في أي إجراء، بحسب سلامة.

في ختام حديث سلامة عن محور مدى الحاجة إلى تطوير القانون الدولي الإنساني، فقد أشار إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية أماطت اللثام عن عديد الانتهاكات الجسيمة لمبادئ وقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحكم النزاعات المسلحة الدولية، ودقت ناقوس الخطر هذه الانتهاكات التي تسببت فيها بشكل كبير الأسلحة الحديثة الفتاكة غير المميزة بين المقاتلين والمدنيين.

لذلك صار لزاما على المجتمع الدولي وفي الصدارة “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” العمل الحثيث علي تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني السارية المعنية باستخدام الأسلحة الحديثة مثل الطائرات المسيّرة، فضلا عن أساليب وأدوات الحروب الحديثة مثل الهجمات السيبرانية.

قد يهمك: د.محسن أبو النور لـ“الحل نت“: لن يكون هناك استقرار في الشرق الأوسط بوجود إيران

لا مفاوضات روسية أوكرانية

في إطار الغزو الروسي لأوكرانيا، وردا على سؤال “الحل نت”، حول إمكانية وجدوى المفاوضات الروسية الأوكرانية، قال سلامة إن المفاوضات لن تجري بين روسيا وأوكرانيا في الوقت الحاضر أو في الأسابيع المقبلة على الأقل، ما لم يحدث تطور دراماتيكي كبير ومهم، أي تطور هام في ميدان المعركة، في العمليات العسكرية، وتحديدا في الأراضي الأوكرانية التي يحتلها الجيش الروسي، سواء في جنوب أو شرق أوكرانيا.

لذلك، فإن المد من المساعدات والمعونة العسكرية والاقتصادية والمالية وأنواع أخرى من المساعدات العسكرية الغربية لأوكرانيا لم يسبق له مثيل في تاريخ جميع الحروب، بمعنى أنه عندما كانت قوات هتلر النازية على تخوم العاصمة الروسية موسكو، وحاصرها الجيش الألماني، أثناء حكم هتلر، خلال الحرب العالمية الثانية، وألحقوا العديد من الهزائم بالجيش الروسي “الأحمر السوفياتي سابقا”، سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها بمدِّ عسكري، وجسرا بريا وبحريا وجويا للجيش السوفيتي آنذاك ليصمد أمام جيش هتلر، وبدون ذلك الدعم الغربي، لم يكن لينتصر الجيش “الأحمر السوفياتي سابقا” على جيش هتلر “الألماني” في ذلك الوقت.

إن حدث تململ من قبل بعض الدول الغربية، التي بدأت ترى أنها تعاني من مشاكل اقتصادية نتيجة الدعم المقدم لأوكرانيا، فسيؤثر ذلك على العمليات العسكرية في ميدان الروس والأوكرانيين ومن ثم فإن هذا من شأنه أن يقلل من الثقل السياسي لكييف وفق تقدير سلامة.

سلامة نوّه إلى أنه إذا انخفض الثقل والنفوذ السياسي لأوكرانيا ضد روسيا، فإن ذلك سيجعل أوكرانيا ربما تذعن وتذهب إلى طاولة المفاوضات وبالتالي لن تشترط على روسيا الشروط والسقف الأعلى من المطالب الأوكرانية والتي تتمثل في الانسحاب الفوري من جميع الأراضي المحتلة من قِبل روسيا، وأولها شبه جزيرة القرم.

قد يهمك: د.أسامة القاضي لـ“الحل نت“: الأسوأ لم يأت بعد في الاقتصاد السوري

استخدام النووي ومآلات الحرب

إذا لجأت موسكو إلى استخدام الأسلحة النووية، فستكون هناك مواقف من الدول الغربية، كما ستكون هناك أيضا تحركات ودعم ستقدمه الدول الغربية للحكومة الأوكرانية في حال تصعيد روسيا. ضمن هذا الإطار، يعتقد سلامة أنه ليس ثمة دولة نووية على الإطلاق في العقود المقبلة جاهزة لتغامر وتخاطر باستخدام الأسلحة النووية، مرة أخرى، منذ حادثتي “هيروشيما” و “ناكازاكي” الكارثية.

إن التفكير المطلوب بفعل التحول الجذري في الحرب، والذي تسبب به اختراع الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضا هذه المخاطر الرهيبة على المستوى المحلي لأنها في العصر الكوني الحالي، لها انعكاسات دولية، والحرب المستعرة والحامية الوطيس في أوكرانيا شهدت التهديدات المتواترة باللجوء للخيار النووي، وصار العالم ودون مبالغة على شفير سيناريو “هيروشيما” و “ناكازاكي”.

سلامة استدرك ذلك بالقول، “تراجعت روسيا وتحديدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومستشاروه، بعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر الانتصارات الأوكرانية. قبل هذه الانتصارات، وتحديدا على الجبهة الجنوبية الأوكرانية، انسحبت القوات الروسية من عدة مناطق وقطاعات، وذلك على إثر تزويد الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، كييف بأسلحة متطورة للغاية وربما لم يتم استخدام بعضها بعد، ونتيجة للخسائر الروسية المباغتة خلال الأسابيع الماضية، بدأ بوتين التلويح باستخدام السلاح النووي، لتتلقى واشنطن من جانبها هذه التهديدات بجدية بالغة، وكان الرد الأميركي حازما حينها، ونتيجة لذلك، تراجعت موسكو عن تهديداتها الجدية، ومن ثم أعرب بوتين عن ترحيبه الكبير للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما لم يظهره في بداية غزوه لأوكرانيا”.

ميدالية حفظ السلام للقوات المسلحة الإيطالية في سراييفو للعميد أيمن سلامة

أما بالنسبة لوجهة نظر سلامة، في مسار الحرب في أوكرانيا وإلى أين تتجه، وشكل الصراع الذي سيكون بين الغرب وروسيا في حال حدوث أي تطور آخر في ساحة المعركة، قال إنه من الصعب التوقع بمآلات الحرب هناك، لأن أحدا لم يتوقع أو يتصور أن أوكرانيا ستصمد طوال هذه الأشهر العشرة أمام الجيش الروسي، ولم يتوقع أحد أن تعاني روسيا الكثير من الهزائم الكبيرة في الأسابيع الأخيرة من الحرب الدائرة حتى الآن بين موسكو وكييف.

لكن، إن تيقّن بوتين، على الرغم من عناده وإصراره وإدارته الفردية للشؤون السياسية والإستراتيجية، وقراراته الأحادية في أصغر وأدق الأمور وتفاصيل الحرب مع أوكرانيا، يعتقد سلامة أن الحالة الوحيدة التي ستجعل الرئيس بوتين يتنازل عن العديد من مطالبه وشروطه على طاولة المفاوضات مع أوكرانيا، بأن يحدث تصعيد نوعي دراماتيكي للحرب.

كذلك، إذا تيقّن بوتين من أنه ليس ما خسره والجيش الروسي في الأسابيع الأخيرة هو ما سيضغط عليه، ولكن إذا كان متيقنا أيضا من أن أوكرانيا ستفتح جبهة أخرى في الأراضي المحتلة في العام الجديد 2024، فإن بوتين لا يريد أن يخسر المزيد في الميدان العسكري أو على طاولة المفاوضات السياسية.

قد يهمك: عقيل عباس: العملية السياسية العراقية ميّتَة سريرياً ولا مستقبل للنفوذ الإيراني

تحالف غربي ضد إيران؟

فيما يتعلق بتوسع وتمدد الميليشيات الإيرانية في المنطقة، والحروب بالوكالة سواء في العراق أو لبنان أو سوريا أو اليمن، لا يعتقد سلامة أن هناك تحركا غربيا قريبا ضد واحتواء خطر تمدد الميليشيات الإيرانية، سواء من قبل “الحرس الثوري” الإيراني مع خبرائها ومستشاريها، أو حتى من قِبل القوات الإيرانية الموجودة في الداخل السوري. وأرجع سلامة ذلك إلى انشغال الدول الغربية بالحرب الأوكرانية.

أما تشكيل تحالف غربي ضد إيران، فهو مستثنى في الوقت الحاضر إلا في حالة واحدة، وهي موجودة بالفعل في الخليج العربي وتحديدا في مضيق “هرمز”، وتتمثل في التحالفات البحرية، سواء من قِبل “الناتو” أو دول غربية أخرى، من أجل تأمين الملاحة الدولية التي تُهَدد من حين لآخر من قِبل “الحرس الثوري” الإيراني.

قد يهمك: حسن الرداد: إيمي سمير غانم تمتلك حس كوميدي واستشيرها في بعض أدواري

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول دولي