تحديد سعر النفط الروسي عقوبة أوروبية جديدة على موسكو.. ما آلياتها وآثارها؟

تحديد سعر النفط الروسي عقوبة أوروبية جديدة على موسكو.. ما آلياتها وآثارها؟
أستمع للمادة

العقوبات الأوروبية على النفط الروسي، من خلال تطبيق سياسة الحد الأقصى للسعر، باتت قاب قوسين من التطبيق، والأمور عالقة عند بولندا التي لا تزال تأمل بتخفيض الحد الأقصى، حيث نقلت وكالة “رويترز” للأنباء، عن ديبلوماسي في الاتحاد الأوروبي قوله، إن حكومات الدول الأعضاء اتفقت مبدئيا، يوم أمس الخميس، على حد أقصى لأسعار النفط الروسي المنقول بحرا قدره 60 دولارا للبرميل، مع آلية تعديل لإبقاء سقف السعر أقل بخمسة بالمئة من سعر السوق.

من جهتها، أوردت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، تصريحات مسؤولين وديبلوماسيين مشاركين في المناقشات بأن الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي طلب من الدول الأعضاء الـ 27 تحديد سعر النفط الروسي عند 60 دولارا.

إصرار أوروبي وإن كانت هناك بعض الخلافات حول تحديد سقف السعر للنفط الروسي بأقل من السوق العالمي، الأمر الذي يدعو للتساؤل حول الأهداف من هذا التحديد، ومدى تأثيره على روسيا وعلى سوق النفط العالمية.

الأهداف من تحديد سقف السعر

فرض الحد الأقصى لأسعار النفط الروسي، يأتي ضمن محاولة الغرب للضغط على عائدات “الكرملين” النفطية مع الحفاظ على الإمدادات العالمية ثابتة وتجنب زيادة الأسعار، وصُمم هذا الحد على أنه طريقة للسماح لروسيا، أكبر مصدر للنفط العالمي، بتزويد الأسواق، من دون أن تحصل موسكو على الفائدة الكاملة من بيعها النفط.

الخبير في الشأن الروسي، سامر إلياس، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن الأهداف الرئيسية من الخطة الأوروبية هي أهداف اقتصادية من أجل التأثير على الاقتصاد الروسي وإضعاف قدرة روسيا على الاستمرار في حربها على أوكرانيا أو تمويل الحرب، وأيضا توجيه ضربة مؤلمة للاقتصاد الروسي نظرا لأن النفط هو المكون الأساسي الذي يدعم الخزينة الروسية بأكثر 50 بالمئة من وارداتها.

إقرأ:ما خيارات كييف بعد ضم روسيا لـ 4 مناطق أوكرانية؟

في الأسابيع الأخيرة هناك تراجع بأسعار النفط بشكل كبير وهذا يضر بمدخولات روسيا، أيضا الجانب الآخر المهم في هذا الموضوع هو الحد من مبيعات النفط الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، لكن حتى الآن يجب الإشارة إلى وجود خلافات كبيرة بين عدد من الدول التي تريد وضع سقف لسعر البرميل بـ 30 دولارا مثل بولندا ودول البلطيق، ودول أخرى تريد تحديد سقف سعر البرميل بـ 60 دولارا أي بأقل من السعر العالمي بـ 5 دولارات.

آثار تحديد سقف السعر

من شأن تحديد سقف سعر النفط عند هذا المستوى أن يضع أسعار الخام الروسي أقل بكثير من المعيار الدولي المسمى “برنت”، والذي تم تداوله عند نحو 87 دولارا للبرميل أمس الخميس، وأشار المسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، الذين قادوا دفع الحد الأقصى للسعر، إلى أنهم يؤيدون تحديد الحد الأقصى عند 60 دولارا للبرميل.

بحسب سامر إلياس، فإن هذا التحديد له آثار اقتصادية كبيرة تبدأ من تراجع واردات الخزينة الروسية، وعجز في الموازنة الروسية للسنوات الثلاث القادمة، وقد يصل هذا العجز إلى 5 أو 6 بالمئة، وسيؤدي إلى تراجع إنتاج النفط بشكل كبير، أضافة إلى تأثير سلبي على الأسعار بالنسبة للنفط الروسي وللأسواق العالمية.

هذا الوضع مرتبط أيضا بالقرار الأساسي الذي سوف تتخذه منظمة “أوبك بلس” في اجتماعها الشهري القادم أي هذا الشهر، وتحديدا في موعد تحديد سقف سعر النفط الروسي، وإذا واصلت “أوبك بلس” سياستها ذاتها بالخفض، فالأمر يسير باتجاه معين يتعلق بأن هناك نقصا بالنفط المعروض في السوق العالمية نظرا لأن روسيا لوحت لأكثر من مرة على لسان مسؤوليها ومن بينهم الناطق باسم “الكرملين”، أنها لن تصدر النفط إلى البلدان التي ستقوم بتحديد سقف سعر النفط الروسي.

هذا الأمر سيؤدي بحسب إلياس، إلى النقص في الأسواق العالمية بكمية تتراوح ما بين 1,5 – 2 مليون برميل نفط كحد أدنى، ولكن السؤال هنا، هل هناك تفاهمات مع السعودية والإمارات بوصفهما المنتجين الأساسيين في “أوبك بلس” لتعويض النفط الروسي، حيث لا توجد مؤشرات تدل أن هناك اتفاقا بين أميركا وهاتين الدولتين حول ذلك.

بكل تأكيد التأثير على الأسواق العالمية سيكون كبيرا لأن المفقود يشكل أكثر من 2 بالمئة من حجم السوق العالمية، لكن هناك مصادر أخرة للتعويض حسب إلياس، وهنا أيضا نقطة مهمة، أن التأثير على السوق العالمية النفطية قد لا يكون كبيرا نظرا لحالة الركود في الكثير من الاقتصادات الأوروبية وحالة الإغلاق في الصين بناء على سياسة “صفر كوفيد”، وتراجع الطلب في العالم هذا قد يجعل من التأثير السلبي محدودا.

لكن بطبيعة الحال، لا يمكن استبعاد أن يكون هناك أثر سلبي لهذه الخطوة على الأسواق العالمية قبل ارتفاع السعر حاليا، والنقطة المهمة الأخرى هنا، أنه قد تحدث مشكلة على المستوى المتوسط والبعيد نظرا لأنه في حال انخفاض أسعار النفط فهذا يعني أن الاستثمارات في القطاع النفطي قد تتراجع في الفترة القريبة المقبلة وسيكون هناك نتيجة لذلك أزمة بعد سنوات إضافة إلى الأزمة على المدى المنظور.

ما هو رد الفعل الروسي وانعكاساته؟

27 دولة في الاتحاد الأوروبي، وافقت في حزيران/يونيو الماضي على حظر شراء النفط الخام الروسي اعتبارا من 5 كانون الأول/ديسمبر الحالي، ومن الناحية العملية، يريد الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الولايات المتحدة واليابان وكندا والمملكة المتحدة، خفض عائدات النفط الروسية بشكل كبير في محاولة لاستنزاف صندوق حرب “الكرملين” بعد غزو أوكرانيا.

لذلك، فإن المخاوف من أن الحظر الكامل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط الخام، دفعت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى إلى التفكير في وضع حد أقصى للمبلغ الذي ستدفعه مقابل النفط الروسي.

سامر إلياس، يشير إلى أن الرد الروسي واضح بأنه سوف تتم مقاطعة الدول الأوروبية التي حددت سقفا للسعر، والبديل بالنسبة لروسيا سيكون زيادة المبيعات إلى الصين والهند، وهنا يرتبط كل شيء بقرار الصين والهند، فيما إذا التزمتا بهذا الأمر مع روسيا أم لا، أو ابتزاز روسيا من أجل الحصول على حسومات أكثر.

منذ أيام خلال منتدى الطاقة الروسي الصيني، أوضح المسؤولون الروس أن هناك زيادة في صادرات النفط إلى الصين، ووعدوا بأن هناك مشروعات جديدة ربما يتم افتتاحها وزيادة التصدير من شركة “روس نفط” المقربة من الرئيس بوتين.

بحسب إلياس، فإن روسيا ستسعى لزيادة صادراتها للصين والهند والتي تُباع حاليا بخصمٍ يصل إلى نحو 35 بالمئة من السعر العالمي، وهذا الأمر سيؤثر على قدرة روسيا على الاستمرار بالحرب في أوكرانيا بطبيعة الحال، ولكن بالنسبة للرئيس بوتين، لو تعرض لخسارة اقتصادية فسيواصل غزوه لأوكرانيا نظرا لأنه يسوقها على أنها حرب لبناء نظام عالمي جديد، وهي حرب بين روسيا والغرب لا بين روسيا وأوكرانيا، لو قامت روسيا بإيقاف تصدير النفط للدول التي حددت سقف السعر، فإن قطاع النفط الروسي سيتأثر كثيرا وسيتم إغلاق حقول للنفط لن تكون روسيا قادرة على إعادة تشغيلها مرة أخرى.

من الواضح أن القرار الأوروبي بتحديد سقف لسعر برميل النفط الروسي سيترك آثارا واسعة ليس فقط على روسيا أكبر المتضررين، إنما على الدول الأوروبية نفسها التي تعاني من النقص في الطاقة مع دخول الشتاء، وتعريض الاحتياطات النفطية الأخرى في العالم للنقص في حال زادت عمليات التصدير منها لتعويض الفقد من النفط الروسي.

قد يهمك:ظهور منافس لبوتين على الرئاسة في روسيا؟




كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة