صيانة الترسانات النووية.. عودة للتسلح الخفي بين أقطاب العالم؟

أستمع للمادة

وسط المتغيرات السياسية على الساحتين الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى التوترات والصدامات السياسية والعسكرية المباشرة وغير المباشرة، وتزايد التحركات العدائية من قِبل كلّ من الروس والصينيين في عدة مناطق حول العالم، فإن مخاطر العودة إلى التسلح النووي يرتفع إلى مستويات غير مسبوقة لم يشهدها العالم منذ نهاية الحرب البارد.

فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا وتكبد الجيش الروسي خسائر فادحة على إثر الهجوم المباغت للقوات الأوكرانية خلال الأسابيع الماضية، لجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى التهديد باستخدام الأسلحة النووية في الحرب الأوكرانية، وبالتالي خيّم القلق الدولي وعاد الاهتمام نحو الاتفاقيات المنظمة للحدّ من الانتشار النووي التي تلزم أطرافها بعدم إنتاج أسلحة نووية.

معهد “ستوكهولم الدولي لبحوث السلام” (سيبري)، أظهر في تقرير نُشر في حزيران/ يونيو الفائت، أن عدد الأسلحة النووية في العالم سيرتفع في العقد المقبل بعد 35 عاما من التراجع، وسط تفاقم التوترات العالمية والغزو الروسي لأوكرانيا. وبينما ترتبط الولايات المتحدة الأميركية وروسيا اللتان تستحوذان على نحو 90 بالمئة من الأسلحة النووية بالعالم بمعاهدات “ستارت 1 و2″، الخاصة بتفكيك الأسلحة النووية فإن الدول المعنية ترصد المليارات لتحديث ترساناتها.

إضافة إلى ذلك، فإن ما يُزيد من مخاطر عودة التسلح النووي مرة أخرى، وإن كان بطريقة خفية، هو تخلي بعض الدول المسلحة نوويا عن الاتفاقيات والمعاهدات الخاصة بالتخلص من الترسانات الحالية، بل وربما تذهب إلى تطوير وتحديث أسلحة نووية جديدة، إضافة إلى جهود دول جديدة لامتلاك أسلحة نووية، مثل إيران التي تزعزع استقرار المنطقة وتسعى لتوسيع نفوذها، في وقت يصعب فيه الحل داخل أروقة مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، وبالتالي هذا الأمر يضع العالم على خيط رفيع جدا من خطر سباق تسلح نووي جديد.

على ضوء ذلك، تثار تساؤلات عدة حول مساعي وأهداف بعض الدول، وخاصة الصين وروسيا، في إنفاق كل هذه المبالغ الضخمة لصيانة وتجهيز أسلحتهم النووية، وهل يعني ذلك العودة إلى تسلح نووي خفي، إلى جانب فرص سنّ القوانين والمعاهدات الدولية للحد من انتشار واستخدام الأسلحة النووية. وأيضا، ما إذا كان توسع الصين ومضاعفة عدد الأسلحة النووية التي تمتلكها يغذي صراعا محتملا مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى السؤال الأبرز أيضا وهو ما هي فرص رغبة إيران في امتلاك أسلحة نووية، وسط كل هذا.

التسلح من أجل “المصالح الذاتية”

بحسب تقارير صحفية، فقد كشفت فرنسا عام 2018 عن خطة لإنفاق نحو 37 مليار يورو لصيانة ترسانتها النووية وتحديثها بين عامي 2019 و2025، أي أكثر من 10 بالمئة من كلفة الموازنة العامة فيما يتعلق بقانون التخطيط العسكري على مدى السنوات السبع. فيما ستكون واشنطن قد أنفقت نحو 600 مليار دولار بحلول عام 2030 لتحديث ترسانتها النووية ضمن خطة أطلقتها في 2014.

ما يُزيد من مخاطر عودة التسلح النووي، هو تخلي بعض الدول المسلحة نوويا عن الاتفاقيات والمعاهدات “أ ف ب”

طبقا لـ باحثينَ في اتحاد العلماء الأميركيين فإن “جميع الدول المسلحة نوويا لديها برامج طموحة لتحديث أسلحتها النووية. ويبدو أنها تهدف إلى إطالة العصر النووي إلى أجل غير مسمى”. ووفقا لمعهد “ستوكهولم الدولي لبحوث السلام”، تمتلك تسع دول هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل والمملكة المتحدة وفرنسا والهند وباكستان وكوريا الشمالية معا حوالي 13400 سلاح نووي، ونوّه التقرير السنوي للمعهد إلى أن “كل هذه الدول إما تطور أو تنشر أنظمة أسلحة جديدة أو أعلنت عزمها على ذلك”، فكل من الولايات المتحدة وروسيا تنفقان أكثر وتعتمدان بشكل أكبر على الأسلحة النووية في التخطيط العسكري المستقبلي، وتسعى الصين إلى اللحاق بهما. كما تواصل كوريا الشمالية إعطاء الأولوية لبرنامجها النووي العسكري وتجري اختبارات “صواريخ باليستية” متعددة.

الأكاديمي السياسي والمراقب الدولي العسكري السابق لدى “الأمم المتحدة”، كمال الزغول، يرى أن الدول تسعى إلى التسلح النووي ليس من أجل السلاح نفسه، لأن الدول الكبرى لديها ما يكفي من هذا السلاح. يعود سبب التسلح، وفق اعتقاد الزغول الذي تحدث بشكل خاص لموقع “الحل نت”، أولا إلى دمج الأسلحة النووية بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.

الزغول استدرك ذلك بمثال لمعاهدة “أوكوس” بين بريطانيا وأميركا وأستراليا والتي غيرت البنية الهيكلية لأحد مكونات الثالوث النووي والممثل في الغواصات لضمان عملها السريع والدائم على الوقود النووي، وهو ما يؤهل بدوره هذه الدول لقوة ردع جديدة في ظل تسرب التكنولوجيا الغربية إلى دولة كبرى مثل الصين.

العامل الآخر بحسب الزغول، هو فشل بعض الدول الغربية في مواكبة برامج الصين الصاروخية “الفرط صوتية”، الأمر الذي دعا إدارة الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، إلى “دعم برامجها الصاروخية بنفقات كبيرة، تبدأ بالإنتاج والتطوير في عام 2023 وتنتهي بإنتاج كبير في عام 2040. أيضا ولكي تؤخر الولايات المتحدة برامج الصين وروسيا في هذا المجال، بدأت المنافسة في المحيط الهادي وأوكرانيا، وحدث الانسحاب من أفغانستان”.

الصين تعقد المشهد

أما العامل الثالث، وفق الزغول، فهو عرض سلاح الردع النووي من قبل كل دولة يُجبر جميع الدول على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لتمديد معاهدة “نيو ستارت” أو معاهدة “ستارت 3″، والتي تتضمن تبادل إجراء عشر عمليات تفتيش على الأسلحة الاستراتيجية المنتشرة. وثماني عمليات تفتيش للأسلحة المخزنة والثابتة. المعاهدة دخلت حيز التنفيذ عام 2011، وهي في اعتقاد الزغول، في طريقها إلى التجديد بين روسيا وأميركا، على الرغم من تأجيل موسكو للاجتماع الذي كان من المقرر انعقاده في العاصمة المصرية، القاهرة، بين روسيا والولايات المتحدة لمناقشة إمكانية استئناف عمليات التفتيش بموجب معاهدة “نيو ستارت”.

قد يهمك: خيار عسكري لمنع “إيران النووية“.. ما تبعات المواجهة العسكرية على منطقة الشرق الأوسط؟

وفق تقدير الزغول، فإن التعقيد في ملف معاهدات نزع السلاح النووي يكمن مع الصين وكيفية التعامل معها في هذا الملف، ذلك لأن مفاجآت بكين كثيرة فيما تتعلق بتطوير الصواريخ والفضاء وتسريب تكنولوجيا الأسلحة النووية لدول إقليمية.

بحسب تقرير “سيبري”، فإنه في إطار برنامج تحديث خطط موسكو بين 2011-2020 خضعت الصواريخ الباليستية الروسية العابرة للقارات لتحديث كبير، شمل استبدال أنظمة قديمة تعود للحقبة السوفياتية بأخرى حديثة من طرازات “أر إس-12-إم1″ و”إم2 توبول-إم” المصنفة باسم “إس إس-27 مود1” من قبل منظمة “حلف شمال الأطلسي” (ناتو)، ثم صاروخ “أر أس-24 يارس” أو “إس إس-27 مود2″، فما مجموعه 102 من النظام الأخير، كان في الخدمة بحلول أوائل عام 2018. كما جرى تحديث الغواصات الاستراتيجية النووية. وفي 2018، اعتمد برنامج تسليح روسي جديد يمتد حتى عام 2027، يشمل الحصول على صواريخ باليستية عابرة للقارات من طراز “أر أس-24” وصاروخ جديد متعدد الرؤوس ليحل محل آخر مع استمرار تحديث وتطوير صواريخ أخرى تعود للحقبة السوفياتية.

هذا ويبدو أن الأمر لا يتعلق بالتنافس بين الولايات المتحدة وروسيا فحسب، فبينما استهدفت إدارة بايدن، تقليص مخزون الأسلحة النووية، فإنه سرعان ما عدلت الإدارة عن قرارها وسط تقديرات استخباراتية أميركية تفيد بتوسيع الصين مخزونها من الأسلحة النووية.

مجلة “تايم” الأميركية، قالت في تحقيقا سابق لها، نُشر خلال هذا العام بعنوان “داخل مهمة الـ 100 مليار دولار لتحديث الصواريخ النووية الأميركية المتقادمة”، نقلت فيه عن مسؤول في إدارة بايدن قوله، “عندما تراقب الصين وهي تتوسع بسرعة وتتطلع إلى مضاعفة عدد الأسلحة التي تمتلكها ثلاث مرات، لا يبدو من المناسب أن تسعى الولايات المتحدة من جانب واحد إلى خفض ترسانتها في هذه المرحلة الزمنية” وتعزّز هذا الرأي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

هذا وترفض بكين الانضمام إلى واشنطن وموسكو في أي معاهدة نووية، وقبل عامين رد سفير الصين لدى الأمم المتحدة تشانغ جون على مطالب الولايات المتحدة لبلاده بأن تكون طرفا في معاهدة نزع الأسلحة النووية، قائلا “أعتقد بأن الجميع يعرف أن الصين ليست على المستوى ذاته للولايات المتحدة والاتحاد الروسي في ما يتعلق بالأسلحة النووية”.

في حين تمتلك كل من الولايات المتحدة وروسيا حوالى 1550 سلاحا منتشرا طويل المدى، فإن الصين تمتلك حوالى 300 قطعة وتقف في منتصف عمليات تحديث مهمة لترسانتها النووية، بحيث تعمل على تطوير ما يسمى “ثالوثا نوويا” يتكون من صواريخ برية وبحرية جديدة وطائرات قادرة على حمل الطاقة النووية.

بعد انخفاض وصفه تقرير “سيبري” بأنه “هامشي” العام الماضي، من المتوقع أن “تنمو الترسانات النووية خلال العقد المقبل. كما أن التنافس الاستراتيجي مع الصين، وسعي الصين إلى أن تصبح القوة العالمية الأولى في 2050 قد دفعها إلى تطوير قدراتها النووية، بحيث تتقارب مع الولايات المتحدة”.

هل تمتلك إيران أسلحة نووية؟

في إطار سعي إيران لامتلاك السلاح النووي وسط المتغيرات السياسية على الساحتين الإقليمية والدولية، يرى الأكاديمي السياسي، كمال الزغول، أن طهران في طريقها لامتلاك هذا السلاح عاجلا أم آجلا طالما أنها لا تخضع لأية معاهدة أو اتفاق من هذا النوع. وكلما تأخر توقيع اتفاق نووي مع إيران، كلما اقتربت من امتلاكها للسلاح النووي.

قد يهمك: مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية.. ما تبعات ذلك على الصعيد الإقليمي والدولي؟

الزغول خلُص حديثه بالقول “المنافسة على زيادة الترسانة النووية تأتي لأسباب عديدة. أولها، عملية دمج هذا السلاح وتركيب رؤوس نووية على أسلحة حديثة ذات طابع تكنولوجي متقدم. وثانيها، سباق تكنولوجي مع مجاراة الخصم وإعداد برامج التسلح لذلك. ثالثا، إثبات الوجود والحضور في كل مسرح من قبل القوى العظمى كوسيلة لردع الخصوم من أجل التفاوض والتوصل إلى معاهدات حول تلك الأسلحة، ولكن ذروة التعقيد هو كيفية التعامل مع الصين في هذا الملف واندلاع الحرب أم لا يعتمد على مدى تورط الصين في المعاهدات النووية وقبولها في ترتيب حدود النظام العالمي بدون حروب”.

هذا ورغم دخول معاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية حيز التنفيذ أوائل 2021 وتمديد معاهدة “نيو ستارت” الأميركية الروسية لمدة 5 سنوات، فإن الوضع يتدهور في الفترة الأخيرة، وما يثير القلق أيضا من بين أمور أخرى، هو برنامج إيران النووي وتطوير صواريخ فرط صوتية بشكل متزايد.

موسكو وواشنطن تمثلان وحدهما 90 بالمئة من الترسانة النووية في العالم. ولا تزال روسيا أكبر قوة نووية بامتلاكها 5977 رأسا حربيا في أوائل عام 2022، ويشير المعهد إلى أن أكثر من 1600 من رؤوسها الحربية النووية جاهزة للاستعمال.

أما الولايات المتحدة فتمتلك 5428 رأسا حربيا، أي أقل بـ 120 من العام الماضي، لكن لديها رؤوس منتشرة أكثر من روسيا، ويبلغ عددها 1750، ومن ناحية الأرقام الإجمالية، تأتي الصين في المرتبة الثالثة بامتلاكها 350 رأسا حربيا نوويا، تليها فرنسا وتملك 290، ثم بريطانيا ولديها 225 رأسا حربيا نوويا، تتبعها باكستان وتملك 165 رأسا نوويا، تعقبها الهند ولديها 160 رأسا حربيا نوويا، وأخيرا إسرائيل بامتلاكها 90 رأسا حربيا نوويا.

أما بالنسبة لكوريا الشمالية، فإن نظام كيم جونغ أون، يمتلك للمرة الأولى الآن 20 رأسا نوويا، ويُعتقد أن بيونغ يانغ لديها ما يكفي من المواد لإنتاج حوالي 50 رأسا.

في المجمل، يبدو أن الدول لا تسعى فقط إلى الحفاظ على ترساناتها النووية، بل تحديثها بإحلال المتقادم بما هو أكثر تطورا في ما يشبه سباق تسلح خفي، وهو ما يضع العالم على صفيح ساخن من النزاعات والصراعات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة