مرحلة جديدة للمعارك في العمق الروسي.. استهداف القواعد الجوية “نقطة تحوّل”؟

أستمع للمادة

في تطور لافت في الحرب الروسية الأوكرانية، نفّذت أوكرانيا هجوما جريئا على الأراضي الروسية، يوم أمس الإثنين، مستهدفة قاعدتين عسكريتين على بُعد مئات الأميال داخل البلاد، باستخدام طائرات بدون طيار، وفقا لوزارة الدفاع الروسية، ومسؤول أوكراني كبير تحدث لصحيفة “نيويورك تايمز“، الأميركية.

الصحيفة نقلت عن مسؤول أوكراني، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لحساسية المعلومات، قوله إن “إطلاق الطائرات بدون طيار تم من الأراضي الأوكرانية، وتم تنفيذ واحدة على الأقل من الضربات بمساعدة القوات الخاصة القريبة من القاعدة التي ساعدت في توجيه الطائرات بدون طيار إلى الهدف”.

التطور الجديد على درجة كبيرة من الأهمية، إذ يدفع للتساؤل حول إمكانية نقل المعارك إلى العمق الروسي، ودور الطائرات المسيّرة في الحرب، وردة الفعل الروسية على ذلك.

هل تنتقل المعارك إلى العمق الروسي؟

الضربات بحسب الصحيفة الأميركية، أشارت إلى استعداد جديد من جانب كييف لنقل المعركة إلى قواعد في قلب روسيا، مما زاد من المخاطر في الحرب، وأظهرت لأول مرة قدرة أوكرانيا على الهجوم على مسافات طويلة.

حيث استهدفت الضربات الأوكرانية كلّا من قواعد في “ريازان” و”إنجلز” على بُعد حوالي 300 – 450 ميل من الحدود الأوكرانية، وهو ما يتجاوز مدى أي صاروخ معروف في ترسانة أوكرانيا.

طائرات مسيرة أوكرانية “وكالات”

الدكتور طارق وهبي، الخبير في العلاقات الدولية، لا يعتقد أن المعارك سوف تنتقل إلى العمق الروسي، مبينا خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن هذا الاعتقاد مبني على أساس أنه لا يوجد حتى الآن ما يمكن تسميته الحركة اللوجستية للإمدادات الأوكرانية، وهذا غير ممكن إلا إذا حصل حركة ارتدادية أو حركة ضد النظام الروسي في العمق الروسي.

من جهته، ديمتري بريجع، الخبير في الشأن الروسي، يرى أن المعركة بدأت بالتحول إلى العمق الروسي، فالأوكرانيون بدأوا باستخدام هذه الاستراتيجية ردا على الاستراتيجية التي تتبعها روسيا باستهداف محطات الكهرباء والبنية التحتية الأوكرانية.

إقرأ:حرب الطيران المسيّر من أوكرانيا إلى سوريا.. ما تأثيرها؟

بريجع يضيف أن ما جرى هو رد على الهجوم الروسي، وهناك حديث بأن الجانب الأوكراني بدأ يطور طائرات مسيّرة خاصة به، إلى جانب الطائرات التركية، وهذا الأمر يفسح المجال للقوات الأوكرانية للهجوم واستهداف مطارات في العمق الروسي.

دور الطائرات المسيّرة

“الكرملين” قال إن الأسلحة التي أطلقتها أوكرانيا كانت طائرات بدون طيار من الحقبة “السوفيتية”، فيما رفضت الحكومة الأوكرانية الاعتراف علنا بالضربات، تماشيا مع ممارستها مع الهجمات الأخرى على روسيا وشبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا.

وهبي يشير إلى أن المسيّرات المستخدمة من قِبل أوكرانيا هي مسيّرات تركية الصنع، كما حصلت أوكرانيا مؤخرا على مسيّرات أميركية بعيدة المدى، يمكن تسييرها أيضا عبر طائرات كطائرات “الأواكس”.

كما لفت وهبي إلى أن ما حصل لن يكون سهلا بالنسبة لروسيا التي استخدمت طائرات انتحارية مسيّرة إيرانية الصنع، وما تقوم به أوكرانيا هو رد على الكميات الكبيرة من الصواريخ التي تلقتها من روسيا، وهذا لا يمكن اعتباره تعادلا في القوى ولكن يدل على أن الحكومة الأوكرانية تريد القول للأوكرانيين أنها تستطيع الرد، وهي تريد أن تعطي ردا وإن كان نسبيا، وهذا الرد لن يكون سهلا على الأوكرانيين لأنه سيكون مكلفا جدا.

أيضا فإن استخدام الطائرات المسيّرة، سيدعو القادة الروس لإعادة التفكير بأن هناك خللا في الخطط العسكرية الروسية، ما جعل هذه الطائرات تتمكن من عبور الأجواء الروسية.

بريجع يرى أن استخدام المسيّرات يهدف إلى شلل الطيران الروسي، وإرسال رسالة واضحة للروس بأن أوكرانيا مستعدة لضرب العمق الروسي كما يفعل الروس في أوكرانيا، لأنه واضح بأن الروس بدأوا باستخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية كبداية، ثم استهداف البنى التحتية الأوكرانية لإجبار الشعب الأوكراني والقيادة الأوكرانية على تغيير توجهها نحو روسيا، وإجبارهم على التفاوض مع روسيا وفق شروطها.

إذا فالطرف الأوكراني بدأ باستعمال نفس الاستراتيجية الروسية، وهي استراتيجية تقوم على إخافة الطرف الآخر، وإجباره أيضا على تغيير رأيه وإرسال رسالة واضحة بأن أوكرانيا قادرة على فعل ما تفعله روسيا ضدها، بحسب بريجع.

نقطة تحول

موسكو قالت إن قواتها اعترضت الطائرات المسيّرة، وأن “سقوط وانفجار الحطام” “ألحق أضرارا طفيفة” بطائرتين، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة أربعة آخرين، حيث وقع الانفجار الأول في مطار “إنجلز”، على نهر الفولغا في جنوب روسيا، وهو قاعدة لبعض القاذفات الروسية بعيدة المدى ذات القدرة النووية، بما في ذلك “توبوليف-160″ و”توبوليف- 95”.

فيما وقع الانفجار الآخر في قاعدة “دياجيليفو” العسكرية في مدينة ريازان بوسط البلاد، على بُعد حوالي 100 ميل فقط من موسكو، وفقا لوزارة الدفاع الروسية، وهناك وقع القتلى والإصابات.

وهبي يؤكد أن ما جرى نقطة تحول، حيث أن الحكومة الأوكرانية تثبت للأوكرانيين أنها قادرة على الضرب في العمق الروسي وهذا يخيف الروس، ولكن من المؤكد أن ردة الفعل الروسية ستكون كبيرة كالعادة، ومن الممكن أن تتعامل بقوة مفرطة.

أيضا إضافة إلى الضربات التي ستشنّها روسيا من جديد ضد أهداف أوكرانية، سيكون هناك تركيز روسي كبير على أمر جديد، وهو من أين يتم إطلاق هذه المسيّرات ومن أين هي قادمة، وستعمل على إيقافها وهنا يوجد نقطة مهمة، أن الرادارات الروسية لم تتمكن من التقاط الطائرات حتى تمكنت من تنفيذ مهمتها والعودة.

بريجع يشير إلى أن الاستهداف الأوكراني للقواعد الروسية، سيزيد من التوتر بين الطرفين وقد يزداد الهجوم الروسي على المحطات الكهربائية والبنى التحتية الأوكرانية أكثر من السابق، وهذا ما يدفع المعارك للتصاعد بشكل كبير جدا.

الاستهداف للقواعد الروسية أمر منطقي

مسؤولون أوكرانيون يقولون حول استهداف العمق الروسي بالطائرات المسيرة، إنها أيضا نقطة انطلاق لحملة روسيا المستمر من الهجمات الصاروخية على البنية التحتية، والتي تركت ملايين الأوكرانيين يعانون نقص الطاقة في بداية فصل الشتاء.

إحدى القواعد الروسية التي تم استهدافها “وكالات”

الدكتور نصر اليوسف، الباحث والخبير في الشأن الروسي، يرى خلال حديثه لـ”الحل نت”، أن الاستهداف الأوكراني للمواقع الروسية أصبح أمرا منطقيا، لأن القاذفات الاستراتيجية الروسية التي تم استهدافها تقوم بطلعات وتوجه ضربات للمناطق الأوكرانية، وبالتالي عرفا وقانونا يحق لأوكرانيا استهداف هذه المناطق، خاصة وأنها استخدمت الطائرات المسيّرة التي اشترتها من تركيا ولم تستخدم الأسلحة التي منحها الغرب لأوكرانيا.

بالتالي الغرب لن يكون عليه لوم بشكل مباشر، ولن يكون هناك أي ذريعة لروسيا أنها استخدمت صواريخ “هيمارس” أو غيرها، في قصف المواقع الروسية، بحسب اليوسف الذي يضيف، أن الاستهداف الأوكراني لروسيا سيزداد مع الزمن ومع قوة تسليح الجيش الأوكراني.

تصعيد مهم في المعارك الدائرة بين روسيا وأوكرانيا بعد الاستهداف الأوكراني للعمق الروسي، لا يزال من غير الواضح إلى أين سيصل كما أنه يدفع الطرف الروسي للتفكير في الاستمرار باستهداف المنشآت والبنى التحتية الأوكرانية، فالرسالة الأوكرانية باتت واضحة لموسكو، أنها لن تقف مكتوفة الأيدي بعد اليوم.

قد يهمك:خسارات روسية متلاحقة في أوكرانيا.. ماذا بعد؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة