بولندا تغيّر مسارها.. قبول نظام الدفاع الجوي الألماني الدلالات والتبعات

أستمع للمادة

حتى الآن ما تزال قواعد مواجهة الغرب للغزو الروسي لأوكرانيا غير ثابتة، فهي تتبدل وفق التطورات العسكرية التي تشهدها المدن الأوكرانية، لا سيما بعد أن تمكن الجيش الأوكراني من استعادة مساحات واسعة كانت روسيا قد غزتها خلال الأشهر الماضية.

بعد أسابيع من رفضها تثبيت صواريخ “الباتريوت” الألمانية، يبدو أن بولندا وافقت على تثبيت الصواريخ الألمانية في أراضيها، وذلك بعد أن كانت الرغبة البولندية تدفع باتجاه تثبيت هذه الصواريخ على الأراضي الأوكرانية كجزء من الدعم الغربي العسكري للقوات الأوكرانية.

باتريوت في بولندا

وارسو أعلنت الأربعاء قبولها العرض الذي طرحته برلين قبل أسبوعين، القاضي، بنصب بطاريات صواريخ “باتريوت” في الأراضي البولندية.

وزير الدفاع البولندي ماريوش بلاشتشاك، قال عبر حسابه في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” بحسب ما نقلت صحيفة “البيان“، إنه تحدث الثلاثاء مع نظيرته الألمانية كريستين لامبرخت، و“قبلتُ بخيبة أمل قرارها رفض دعم أوكرانيا“.

الرغبة البولندية في بداية المقترح الألماني، كانت تذهب لنصب هذه الصواريخ في الأراضي الأوكرانية، واعتبر بلاشتشاك أن وجود الصواريخ غربي أوكرانيا، كان من شأنه تعزيز أمن البولنديين والأوكرانيين في آن معا.

الكاتب والمحلل السياسي الدكتور باسل معراوي، رأى أن موقف بولندا مرتبط برغبتها دفع حلف “الناتو” للعب دور أكبر في دعم أوكرانيا على مختلف الأصعدة، في إطار مواجهتها الغزو الروسي، مشيرا إلى أن وارسو تخلت عن مطلب تثبيت الصواريخ في أوكرانيا بعد الإصرار الألماني.

معراوي قال في حديث خاص مع “الحل نت“، “بولندا من تيار الصقور بحلف الناتو الذي يدعو لدور أكبر للحلف في دعم أوكرانيا لوجستيا وماليا وعلى مستوى إرسال أسلحة أكثر تطورا وذات مدى بحيث تستطيع استهداف المدن الروسية الكبيرة، وقد ساهمت منذ بداية الحرب بإمداد الجيش الأوكراني بأنواع من أسلحة سوفييتية الصنع موجودة عندها كطائرات الميغ ومنظومة إس 300”.

“الناتو” والمواجهة مع روسيا

معراوي يعتقد أن “الناتو” لن يقبل جره بشكل مباشر، للاصطدام مع روسيا، وذلك عبر تقديم أسلحة بعيدة المدى من شأنها تغيير مسار الحرب، الأمر الذي قد يضع روسيا أمام خيارات غير تقليدية لا يرغب العالم برؤيتها.

لذلك لم تقبل ألمانيا الاقتراح البولندي الخاص بإرسال هذه الأسلحة وتثبيتها في الأراضي الأوكرانية، وعندما أيقنت بولندا الموقف النهائي لبرلين، وافقت على تثبيت الصواريخ في أراضيها كحماية لها وحائط دفاعي فعّال يُضاف لدفاعات “الناتو”.

وفق معراوي فإن قبول بولندا تثبيت الصواريخ، لن يكون له تأثير مباشر على العمليات العسكرية في أوكرانيا، وذلك بعدما أثبتت الخطة الغربية فعاليتها، باستعمال مجموعات صغيرة من الجنود مع أسلحة خفيفة ومزودة بتكنولوجيا غربية ترتبط بأقمار صناعية، تستطيع هزم فرق روسية كاملة تضم عديد من البشر والآليات الثقيلة.

لذا فإن استنزاف الروس بهذه الطريقة التي اثبتت نجاعتها، هي الخيار الواضح الآن وذلك لإطالة أمد الحرب، وتحقيق الاستنزاف العسكري والاقتصادي للدولة والجيش الروسي.

قد بهمك: ترقب لـ“الاتفاق الإطاري“.. عودة الحكم المدني السوداني؟

منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا كان واضحا تفوق الكثافة النارية والقوة الجوية الروسية، على الدفاعات الأوكرانية، خلال المعارك التي دارت على مدار نحو تسعة أشهر في مناطق أوكرانية عدة.

منذ بدء الدعم الغربي بكثافة للجيش الأوكراني، كان واضحا التفوق العسكري للقوات الأوكرانية في بعض المناطق، فكان للدعم الاستخباراتي دورا مهما في استهداف النقاط العسكرية الروسية، ما شلّ حركة الجنود الروس ومُنع عنهم الإمدادات، ذلك ما اعترفت به القيادة الروسية نفسها.

كما ساهم هذا الدعم باستعادة أوكرانيا للعديد من المناطق التي استولت عليها روسيا، وتحول الجيش الأوكراني من حالة الدفاع إلى الهجوم، ووفقا لتقرير “معهد دراسة الحرب” ومقره واشنطن، فإن الجيش الأوكراني استعاد منذ بدء الهجوم المضاد شرقي البلاد مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، مناطق واسعة وهي أكثر مما استولى عليه الروس في جميع عملياتهم منذ نيسان/أبريل الماضي.

حل نقطة الضعف

لكن نقطة الضعف في المواجهة العسكري حاليا، هي منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية، إذ تستخدم كييف الآن، مزيج من أنظمة الدفاع الجوي المتوافرة لديها، ضد سلاح الجو الروسي، وهي خليط من أنظمة قديمة طويلة المدى سوفييتية الأصل مثل نظام “إس 300” الذي ورثته كييف عن الاتحاد السوفييتي، أو تلك التي قدمها أعضاء بـ “الناتو” كانوا جزءا من الكتلة الشرقية.

الهجمات الروسية الأخيرة، أظهرت على ما يبدو للدول الغربية هشاشة أو نقطة ضعف في النظام الدفاعي الجوي الأوكراني، لذلك فإن الدول الأوروبية مدفوعة بأهمية أمن القارة العجوز، بحثت عن سد هذه الثغرة عبر مساعدة كييف في تأمين مجالها الجوي.

محللون للوضع العسكري في أوكرانيا، يرون بالمقابل أن تطوير نظام الدفاع الجوي في أوكرانيا قد يحتاج لبعض الوقت، مع الإشارة لأهمية هذا التطوير لتحقيق التوازن العسكري في أرض المعركة، كذلك فإن الضربات الكثيفة للجيش الروسي زادت الضغط على حلفاء أوكرانيا الغربيين.

ضباط الجيش الأوكراني، ربما يواجهون مشكلة في مدى القدرة على التأقلم مع الأنظمة الغربية، في ظل تبنيهم لعقيدة القتال السوفييتية، لكن وبحسب محللين عسكريين، فإن “الناتو” بدأ بالفعل بتنظيم تدريبات للضباط الأوكرانيين على أنواع الأسلحة المختلفة وأنظمة الدفاع الجوي الغربية.

أوكرانيا تسعى من جانبها، لتطوير الأنظمة الدفاعية الجوية بالتعاون مع الدول الأوروبية، وذلك لتقليل فجوة التفوق الجوي والصاروخي لصالح موسكو خلال المواجهات، إذ أكدت القيادة الأوكرانية أنها تسعى “لبناء نظام دفاع جوي متكامل ومنسق بالتعاون مع الحلفاء“.

خسائر متتالية لروسيا

بعد انحسارها في العديد من القطاعات الأوكرانية، لجأت روسيا إلى استهداف البنية التحتية ومراكز الخدمات، للتغطية على خسارة مجموعات جيشها في العديد من المناطق، لا سيما في المناطق الأربعة التي أعلنت ضمّها قبل أسابيع.

بالنظر إلى كثافة الهجمات الأوكرانية مؤخرا لاستعادة المناطق التي تقدمت إليها روسيا، يبدو أن القرار الرسمي والشعبي الأوكراني، هو إخراج القوات الروسية من بعض المناطق، مهما كان الثمن.

روسيا أخفقت منذ بدء غزوها لأوكرانيا في شباط/فبراير الماضي، عن طريق استخدام القبضة العسكرية الخشنة والمكثفة، في إملاء شروطها، فلم تنجح حسابات المعركة التي حسبها بوتين، على ما حصل في الميدان، لا سيما بعد أن باغت الأوكرانيون الجيش الروسي، وشنوا هجمات معاكسة خلال الأسابيع الماضية، ما عقّد من حسابات القيادة الروسية.

ومنذ استعادة كييف زمام المبادرة العسكرية ضد القوات الروسية، وتمكّنها من إعادة السيطرة على العديد من المناطق، كان واضحا ازدياد الدعوات الروسية للحوار ووقف الحرب، حتى أن الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، قال إن “أوكرانيا تقوم بتغيير مواقفها فيما يتعلق بإجراء محادثات سلام بين البلدين“.

ويبدو أن الصواريخ التي سيتم تثبيتها في بولندا، ستكون بمثابة خط دفاع إضافي ضد الهجمات الروسية، في حال تنفيذها هجمات بعيدة المدى غربي أوكرانيا، تزامنا مع تثبيت الغرب لسياسة استنزاف روسيا عسكريا واقتصاديا، دون الوصول إلى ذروة التصعيد العسكري.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة