قوة “حفظ السلام” الإفريقية.. مآلات إعادة هيكلة البنية الأمنية في القارة السمراء

أستمع للمادة

مفهوم النهضة الإفريقية يدعم التصميم المتزايد على إيجاد “حلول إفريقية لمشاكل القارة السمراء”، وفي مجال السلام والأمن، أعرب عن هذا الشعور بوضوح الأمين العام لمنظمة “الوحدة الإفريقية”، سالم أحمد سالم، في السابق خصوصا فيما يتعلق بالجهاز المركزي للمنظمة، إذ لم يعد بوسع الدول الأعضاء في دول الاتحاد الإفريقي أن تقف بمعزل وتتوقع من المجتمع الدولي أن يهتم بمشاكلها أكثر مما تهتم به، أو أن يجد في الواقع حلولا لتلك المشاكل التي كانت في كثير من الحالات من صنع الدول نفسها. 

الحقيقة البسيطة التي يجب مواجهتها اليوم هي أن العالم لا يدين لبعضه بلقمة العيش أو فرض الأمان، أو منع الصراعات من الخروج عن نطاق السيطرة، ولعل “حفظ السلام” هي الكلمة الأكثر اختلالا في عالم العلاقات الدولية، فمما لا شك فيه أن التهديدات والفرص الناشئة عن “البيئة الأمنية المتغيرة في إفريقيا” قد أسهمت في تحول ممارسة حفظ السلام الدولية.

إعلان قادة دول غرب إفريقيا، في اجتماع عُقد، الأحد الفائت في العاصمة النيجيرية أبوجا، بضرورة إنشاء قوة إقليمية هدفها التدخل ليس فقط ضد الجهاديين، وإنما أيضا في حال وقوع انقلابات كتلك التي شهدتها المنطقة في العامين الأخيرين، وللمساعدة في استعادة الأمن والنظام الدستوري في المنطقة، يجدر تسليط الضوء عليه، من خلال فعالية هذا القرار في التنمية الإفريقية، وتعزيز الاستقرار من خلال السلام والأمن، والأسباب التي أدت إلى ذلك، فضلا عن احتمالات نجاح إنشاء قوة إقليمية وإعادة هيكلة البنية الأمنية في مناطق الصراع.

المنطقة تعاني من عدم الاستقرار

نال نهج الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي حول التنمية الإفريقية الذي يتميز بالانطلاق من القاعدة إلى القمة وبتعدد القطاعات والشراكة المشتركة، ترحيبا داخل إفريقيا، كما أنه يقدم نموذجا لقيمة الشراكات طويلة الأجل لتعزيز التنمية والسلام والأمن.

ثلاثة أسباب جعلت من القارة السمراء بؤرة لعدم الاستقرار، الأمر الذي وجه قادة غرب إفريقيا إلى الاهتمام بالأمن في المنطقة. وإعلانهم الآن لإنشاء قوة حفظ سلام إقليمية وهذا من أجل التدخل في الدول الأعضاء كلما لزم الأمر للمساعدة في استعادة الأمن والنظام الدستوري في المنطقة.

اضطرابات داخلية وحالة عدم استقرار، مشاهد باتت في تزايد ملحوظ في دول غرب إفريقيا، وسط سيناريوهات مختلفة تلف المستقبل القريب لتلك المنطقة المهددة باتساع رقعة الفوضى والتهديدات، لاسيما في ظل الأزمات السياسية الطاحنة التي تعيشها، وغياب الحكم الرشيد في عدد من دول الأقاليم، إضافة لانتشار الجهاديين، ما كان عاملا أساسيا لتكرار الانقلابات العسكرية.

منطقة الساحل الغربي بإفريقيا تواجه العديد من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، والتي تفاقمت بسبب الإرهاب والتطرف العنيف والعنف الطائفي واللصوصية. بينما تعمل مفوضية الاتحاد الإفريقي وشركاؤها معا لمواجهة هذه التحديات من خلال مناهج مبتكرة، أدى تجدد الانقلابات إلى زيادة هشاشة المنطقة وهدد الأساس الديمقراطي للدول المتضررة. 

هناك مخاوف متزايدة من أن الجماعات الإرهابية قد تستغل هذه الشكوك السياسية لترسيخ موقفها وتوسيع أنشطتها إلى أجزاء أخرى من غرب إفريقيا وما وراءها. على هذه الخلفية، يمكن التساؤل كيف يمكن لهذه الانقلابات الأخيرة وما يرتبط بها من عدم الاستقرار السياسي أن تؤثر على الحرب ضد الإرهاب والتطرف العنيف في منطقة الساحل الغربي. 

تحليل الوضع المتطور يشير إلى أزمة قيادة محتملة في الحرب ضد الإرهاب والتطرف العنيف. ويرجع ذلك إلى عوامل مختلفة، من بينها وفاة الرئيس التشادي السابق، إدريس ديبي إيتنو، الذي كان يعتبر قوة استقرار في المنطقة. قد تؤدي أزمة القيادة هذه إلى إضعاف قدرة الدول والقدرات العسكرية بشكل خاص. 

في الوقت الحالي، أدى هذا إلى إضعاف الزخم والتفاؤل في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف والذي يرجع أيضا إلى فقدان السيطرة في مواجهة التحديات متعددة الأبعاد. خصوصا وأن تطبيق الضغط الدولي والإقليمي على الطغمات العسكرية المختلفة للتنازل عن السلطة لمنع المزيد من المعاناة بين السكان المتضررين لم يتحقق بسبب عدة أسباب منها تدخل بعض التحالفات في المنطقة؛ وهذا زاد من التعاطف مع الجماعات الإرهابية والمتطرفة العنيفة. 

في حين أن العودة إلى الحكم الديمقراطي أمر مهم، من الواضح أن الاستجابة الإفريقية باتت منسقة بحزم وحذر، فهناك حاجة إلى المرونة والبراغماتية والدبلوماسية الماهرة لتجنب تفاقم الوضع الأمني ​​غير المستقر. وسيتطلب ضمان الاستقرار المستقبلي من الاتحاد الإفريقي حشد الدعم المحلي لإجراء تعديل وزاري وتعزيز تنفيذ اتفاقيات السلام الموقعة، وتعزيز المرونة الاجتماعية والاقتصادية لبلدان غرب الساحل.

مسارات العنف ضد المدنيين من قبل الجماعات الجهادية

في جلسة مجلس الأمن، في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، قالت نائب الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، إن تنامي الإرهاب يشكل تهديدا رئيسيا للسلم والأمن الدوليين، ويُشعر به الآن بشدة في إفريقيا، و”الإرهابيون والمتطرفون العنيفون، بما في ذلك داعش والقاعدة والجماعات التابعة لهما، استغلوا عدم الاستقرار والصراع لزيادة أنشطتهم وتكثيف الهجمات في جميع أنحاء القارة”.

بهذا الإعلان دقّت الأمم المتحدة ناقوس الخطر إزاء الأوضاع الأمنية في القارة السمراء مع تنامي الإرهاب والتوتر وتهديدهما للسلم الدولي. إذ ترى المنظمة الأممية أن الإرهابيين والمتطرفين، وعلى رأسهم تنظيما “داعش” و”القاعدة” والجماعات التابعة لهما، استغلوا عدم الاستقرار والصراع، لزيادة أنشطتهم وتكثيف الهجمات في جميع أنحاء القارة.

مع وجود كراهية النساء في صميم أيديولوجية العديد من الجماعات الإرهابية، تتحمل النساء والفتيات على وجه الخصوص وطأة انعدام الأمن وعدم المساواة، حيث بيّنت محمد، أن “عنفهم الأحمق الذي يغذي الإرهاب أدى إلى مقتل وجرح الآلاف وما زال الكثيرون يعانون من التأثير الأوسع للإرهاب على حياتهم وسبل عيشهم”.

مؤشر الإرهاب العالمي، الذي يقيس الحوادث الإرهابية في جميع أنحاء العالم، يُظهر أن الوفيات المرتبطة بالهجمات الإرهابية انخفضت بنسبة 59 بالمئة بين عامي 2014 و2019 إلى ما مجموعه 13826 مع ارتباط معظمها بالدول التي تشهد تمردات جهادية. ومع ذلك، في العديد من الأماكن في جميع أنحاء إفريقيا، ارتفعت الوفيات بشكل كبير.

الجماعات الجهادية الإرهابية تزدهر في إفريقيا وتتوسع في بعض الحالات عبر الحدود. ومع ذلك، لا توجد دول معرّضة لخطر الانهيار الفوري كما حدث في أفغانستان. إذ تمتلك حركات التمرد الإسلامية في إفريقيا ثلاث مناطق جغرافية رئيسية للعمليات.

إحداها هي الصومال، حيث تسبب تمرد قديم منذ سنوات في عدم الاستقرار في المناطق الحدودية في كينيا، وهو الآن مصدر إلهام للجماعات الإرهابية في موزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والثانية في منطقة الساحل بغرب إفريقيا، حيث تأثرت المنطقة الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو بشكل خاص، وكذلك البلدان المجاورة مثل ساحل العاج وتوغو وبنين.

أخيرا المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا، حيث يؤثر الصراع بشكل مباشر على شمال الكاميرون وتشاد والنيجر. كل هذه التمردات تسبب خسائر فادحة في صفوف السكان المحليين، الذين أصبحوا هدفا لمعظم الهجمات الإرهابية.

وفقا لـ “المجلة العسكرية” التي تصدرها القيادة الأميركية في إفريقيا، في عام 2022، تفوقت إفريقيا على منطقة الشرق الأوسط باعتبارها المحور الرئيسي للجماعات الإرهابية في جميع أنحاء العالم التي عقدت العزم على توسيع انتشارها، هذا هو استنتاج الخبراء الذين درسوا الهجمات المتزايدة على القارة والتي تزامنت مع ارتفاع في محتوى الويب والفيديو المتعلق بإفريقيا الذي تنتجه الجماعات الإرهابية.

الجماعات الإرهابية تقوم بتشكيل محاور إقليمية وخلق مناطق من عدم الاستقرار في جميع أنحاء إفريقيا، بحسب مارتن إيوي، الرئيس السابق لبرنامج “مكافحة الإرهاب” بمفوضية الاتحاد الإفريقي، فإن حوالي 20 دولة إفريقية قد شهدت بالفعل مثل هذا النشاط، ويتم استخدام أكثر من 20 دولة أخرى في الخدمات اللوجستية وكذلك لتعبئة الأموال والموارد الأخرى، محذرا من أن إفريقيا ليست مركزا لنشاط “داعش” فحسب، بل قد تكون أيضا خلافة داعش المستقبلية.

تنظيمي “داعش” و”القاعدة” يواصلان استغلال الصراعات الإفريقية المستمرة منذ فترة طويلة لتعزيز أنشطتهم غير المشروعة، مما يوفر لهم معدلات انتشار متزايدة. لذا تستحق “داعش” في غرب إفريقيا تركيزا خاصا حيث أصبحت المجموعة الأكبر والأكثر فتكا بين الجماعات الإرهابية الأخرى.

عودة الانقلابات والتدخلات الخارجية

كانت الانقلابات العسكرية أمرا معتادا في إفريقيا في العقود التي تلت الاستقلال، وهناك مخاوف من أنها بدأت تتكرر أكثر، حيث شهد هذا العام عمليتي انقلاب في بوركينا فاسو بالإضافة إلى محاولة انقلاب فاشلة في غينيا بيساو. وفي عام 2021، شهدت إفريقيا عددا أكبر من الانقلابات مقارنة بالسنوات السابقة.

عودة الانقلابات إلى غرب إفريقيا ووجود بعض الترحيب الجماهيري بها، يعود إلى عوامل عدة، تتعلق بعدم توافر الأمان واهتمام الطبقات السياسية الحاكمة بتنفيذ إصلاحات وعمليات تنمية ملموسة.

في تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” فإن مشهد قراءة ضباط الجيش لبيانات يعلنون من خلالها الاستيلاء على الحكم، ومن ثم خروج الناس للاحتفال والترحيب قد تكرر في عدة دول بغرب القارة السمراء، وذلك كما حدث في مالي 2020، وفي آب/أغسطس من السنة الماضية. ففي مالي وتشاد وبوركينا فاسو وغينيا، استولى الضباط العسكريون الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 38 و 41 عامًا، ومعظمهم من وحدات القوات الخاصة، على السلطة من القادة المسنين المنتخبين ديمقراطيا.

وفي حين أن السياقات تختلف في كل بلد، فهناك العديد من العوامل الأساسية والتحديات الرئيسية التي تواجه بعض البلدان في المنطقة، فعبر منطقة الساحل، تركت الحملات العسكرية ضد الإرهاب، التي بدأ في مالي منذ أكثر من عقد من الزمان، ملايين الأشخاص عرضة لهجمات وحشية، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وفقا لدبلوماسي من غرب إفريقيا، فإن منظمة “إيكواس” تجد صعوبة في مواصلة الضغط على الأنظمة العسكرية للالتزام بالانتقال إلى الديمقراطية، قائلا “إن بعض العقوبات كانت قاسية، لكنها أدت إلى مواقف معقدة، كما هو الحال في مالي، حيث يعانون بالفعل من تلك العقوبات الآن لكن يبدو أن الناس يدعمون المجلس العسكري أكثر”.

شهد السودان أكبر عدد من الانقلابات ومحاولات الاستيلاء على السلطة حوالي 16 محاولة نجح ستة منها، كما اشتهرت نيجيريا بالانقلابات العسكرية في السنوات التي أعقبت الاستقلال بثمانية انقلابات بين كانون الثاني/يناير 1966 واستيلاء الجنرال ساني أباتشا على السلطة في عام 1993.

تاريخ بوروندي تميزت بأحد عشر انقلابا منفصلا، دفعت في الغالب بالتوترات بين مجتمعات “الهوتو” و”التوتسي”. كما شهدت سيراليون ثلاثة انقلابات بين عامي 1967 و1968، وانقلابات أخرى في عام 1971. وبين عامي 1992 و1997، شهدت خمس محاولات انقلاب أخرى.

غانا حصلت أيضا على نصيبها من الانقلابات العسكرية، حيث بلغت ثمانية في عقدين من الزمن. وبشكل عام، شهدت إفريقيا انقلابات أكثر من أي قارة أخرى. فمن بين 14 انقلابا سُجلت على مستوى العالم منذ عام 2017 إلى عام 2021، كانت جميعها باستثناء واحد في إفريقيا.

إفريقيا هي النقطة الساخنة

الاستجابات الدولية لأزمات الساحل الإفريقي، بقيادة فرنسا والولايات المتحدة والأمم المتحدة ركزت إلى حد كبير، في المقام الأول على مكافحة الإرهاب المسلح مثل عملية “برخان” الفرنسية، إلا أن التدخلات الأجنبية الجديدة كانت نهج أدى إلى انتشار العنف ونزوح البشر وزعزعة الاستقرار. 

مع تدخل روسيا في شؤون الغرب الإفريقي ازدادت وانتشرت الجماعات الإرهابية وعملياتها في المنطقة، فسبق أن كشف تقرير لمعهد “الأبحاث الاستراتيجية” التابع لوزارة الدفاع الفرنسية، عن “انتشار محتوى التضليل عبر الإنترنت في مالي، والذي غالبا ما يهدف إلى تشويه سمعة الوجود الفرنسي وتبرير وجود روسيا”.

بالنظر لعودة ظهور التغييرات غير الدستورية للحكومات في غرب إفريقيا؛ فإنه صعّد من استمرار التهديد المتزايد للإرهاب والتطرف العنيف في جميع أنحاء القارة، بما في ذلك تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب والشركات العسكرية الخاصة والمرتزقة، وانتشار الجماعات المسلحة، فضلا عن الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، والتي أثرت سلبا على السلام والأمن والسيادة ووحدة أراضي الدول الإفريقية.

هذا الطريق فتح الباب أمام وصول المرتزقة الأجانب إلى منطقة الساحل وتدفق المنظمات الإرهابية المهزومة في الشرق الأوسط. وانتشر الإرهاب منذ ذلك الحين إلى أجزاء أخرى من القارة، من ليبيا إلى موزمبيق ومالي وخليج غينيا في غرب إفريقيا والصومال والساحل وحوض بحيرة تشاد وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في حين تستمر عدوى الإرهاب بالنمو.

منذ وصول “فاغنر” إلى مالي، ازدادت حوادث العنف ضد المدنيين من حيث العدد والشدة، حسبما أفاد مركز “الدراسات الاستراتيجية والدولية” في أيار/مايو الفائت، مشيرا إلى أنه “في الربع الأول من عام 2022، كانت الوفيات المدنية في النزاع أكبر مما كانت عليه في عام 2021 بالكامل”.

على الرغم من أن الحكومة العسكرية في مالي زعمت أن عدم إحراز القوة للتقدم في هزيمة “داعش” و”القاعدة” هو الذي حدد في النهاية قرار باماكو بالاستعانة بـ”فاغنر”، إلا أن انسحابهم من المنطقة بعد التدخل الروسي أضعف التنسيق عبر الحدود، وأصبحت حدود جيرانها أكثر عرضة للخطر من قبل الجماعات الإرهابية التي تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها.

من وجهة نظر الخبراء الدوليين، فقد أدى رفض مالي لمواصلة علاقتها مع الشركاء الغربيين والإقليميين وكذلك علاقتها بقوات “حفظ السلام” التابعة للأمم المتحدة، إلى خلق فراغ أمني في جميع أنحاء منطقة الساحل يتم استغلاله بسرعة من قبل روسيا، والتي بدورها ساهمت بشكل أو بآخر في توسيع نفوذ الجماعات الإرهابية هناك.

وعليه، فإن الدور الروسي المتنامي في القارة الإفريقية، والذي يهدف إلى توسيع نفوذها وتقويض الحكم الديمقراطي، هو تهديد لجهود مكافحة الإرهاب والديمقراطية بشكل عام. لذا يجب على الشركاء الإقليميين والدوليين لبلدان الساحل النظر في استراتيجية روسيا في مبادراتهم المناهضة للجهاديين وجهود تحقيق الاستقرار.

“حفظ السلام” في إفريقيا.. بنية الأمن المتطورة

مبادرة قادة دول غرب إفريقيا لإنشاء قوة إقليمية، تعتبر جيدة حيث إنها تندرج ضمن رغبة دول إفريقية في إنشاء شراكة أمنية “إفريقية – إفريقية”، دون التوكل على دول أجنبية ودول عظمى في التمويل، وأيضا إدراج أزمة الانقلابات ضمن استراتيجية هذه القوة الإقليمية شيء جيد، لأنه يوجد اعتراف من الدول العظمى، بأن غياب الاستقرار السياسي عن دول إفريقيا يعتبر من العوامل الأساسية لانتشار الجماعات المسلحة، إلى جانب الجريمة المنظمة ككل.

عمر عليو توراي ، رئيس لجنة “إيكواس”، قال للصحفيين في قمة عُقدت في نيجيريا يوم الأحد الفائت، إن زعماء المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا قرروا التحرك “لرعاية أمننا في المنطقة”، وأضاف أنهم “مصممون على تشكيل قوة إقليمية تتدخل عند الحاجة سواء كان ذلك في مجال الأمن والإرهاب واستعادة النظام الدستوري في الدول الأعضاء”.

بالعادة تتعاون الجيوش الوطنية، العاجزة إلى حد كبير ضد القوات الجهادية العاملة عبر الحدود، مع جهات خارجية مثل الأمم المتحدة وفرنسا وروسيا، لكن توراي قال إن هذا القرار “سيعيد هيكلة بنيتنا الأمنية”، مبينا أن طرائق القوة الإقليمية المزمع إنشاؤها سينظر فيها قادة الدفاع في النصف الثاني من عام 2023.

القرار الإفريقي يأتي بعد أن واجهت الأمم المتحدة وبقية المجتمع الدولي عقبات لا يمكن التغلب عليها في محاولة تحقيق الاستقرار للدول الإفريقية التي تمزقها الصراعات. فإن مشكلة التدخل الوقائي تكاد تكون معقدة مثل نوع النزاعات التي تتطلب جهودا للتحسين، خصوصا مع العقبات المفاهيمية والسياقية والسياسية، ولا سيما في غياب الإرادة السياسية والدعم الشعبي، والموارد المالية وغيرها من الموارد. 

كلف تدخل الأمم المتحدة في الصومال لمدة ثلاث سنوات المجتمع الدولي أكثر من 1685 مليون دولار. توفي ما مجموعه 150 من حفظة السلام، 114 نتيجة لأعمال عدائية. كان لمقتل ثمانية عشر جنديا أميركيا في 3 تشرين الثاني/أكتوبر 1993 تأثير لا يمحى على سياسة الولايات المتحدة بشأن عمليات السلام المتعددة الأطراف. في أيار/مايو 1994، أقر الرئيس الأميركي آنذاك، بيل كلينتون، مرسوما ينص على أن الولايات المتحدة لن تتدخل في الأزمات المستقبلية ما لم تكن المصالح الوطنية الأميركية على المحك بشكل واضح، وكان للبعثة أهداف واضحة ومحدودة، بما في ذلك استراتيجية خروج محددة جيدا. 

توالت انسحابات القوة الدولية من إفريقيا تباعا حتى كان آخرها إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، انتهاء عمليات قوات “بارخان” الفرنسية في الساحل الغربي لإفريقيا، مبيّنا عن الخطوط العريضة للاستراتيجية العسكرية الجديدة لبلاده، حيث تشير الدلائل إلى “تحول استراتيجي” للقوات العسكرية المنتشرة في منطقة الساحل الغربي لإفريقيا لمكافحة الإرهاب.

بهذا الإعلان  الأخير، سرعان ما أصبحت منظمة “إيكواس” الإفريقية نقطة محورية لعدد من المبادرات لنقل مسؤولية الاستجابة للأزمات الإفريقية إلى اللاعبين الأفارقة أنفسهم. وكل ذلك بهدف دعم جهود المنظمة في مجال حفظ السلام. وبهدف دراسة مختلف السبل لتعزيز قدرات المنظمة على إعداد ونشر قوات حفظ السلام الإفريقية.

انبثاق الاقتراح الأخير بإنشاء قوة تدخل إفريقية في جوهره يهدف إلى إنشاء قوة دائمة متواضعة، مع مساهمات محتملة من البلدان الإفريقية، والتي يمكن استخدامها في أوقات الأزمات، وتدريب الوحدات على حفظ السلام، وتدريب هيئة أركان القيادة العليا.

حاليا التوجه الرئيسي للمبادرة يتعلق بإنشاء “قوة سلام” إفريقية وإعادة هيكلة البنية الأمنية في القارة السمراء، ووضع المعدات مسبقا في قواعد لوجستية في نقاط استراتيجية في إفريقيا، حيث توفر الدول ذاتها الخدمات اللوجستية وأيضا الأفراد من المنطقة ذاتها لمواجهة الإرهاب والانقلابات والتدخلات الدولية التي برزت مؤخرا مثل روسيا والصين وعقدت الصورة في المنطقة.

خلاصة واستنتاجات

نموذج المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” لتشكيل قوة حفظ سلام للتدخل ضد الجهادية في دولها الأعضاء وفي حالة حدوث انقلابات، يؤكد على تعزيز أدوار وقدرات الهيئات الإقليمية مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وسيكون تأثير الأقران بين أي مجموعة من الدول المجاورة أمرا حيويا دائما.

كما يركز هذا النموذج على المزيد من الدعم على تقوية المجتمع المدني والديمقراطية في كل بلد بين الانتخابات، بدلا من التركيز بشكل ضيق للغاية، كما فعل في الماضي، فقط على الانتخابات نفسها، من خلال تقديم حوافز الشراكة للحكومات والمجتمعات المدنية في تعزيز الحكم الديمقراطي بعيدا عن الإدانات اللفظية للانقلابات أو الاستبداد بل بأفعال ملموسة لمعالجة انعدام الأمن الذي يخلق أرضا خصبة للانقلابات. 

إن إعادة ضبط السياسة في منطقة الساحل الإفريقي أمر حيوي للمضي قدما في إستراتيجية “إيكواس” الجديدة في إفريقيا التي أعلن عنها مؤخرا. ويجب أن تشمل إعادة التركيز هذه الجهود الإفريقية على مستوى المنطقة، ولا سيما في مراجعة شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء لتلائم احتياجات المنطقة. وفي الدول التي تكافح من أجل التعافي من الانقلابات مثل السودان ومالي وغينيا وتشاد وبوركينا فاسو يتطلب تحول الحكم من الانقلاب العسكري إلى مشاركة مسؤولة “للمجتمع بأسره” شكلا من أشكال الحوار الوطني.

يدرك العديد من صانعي السياسات الدوليين الآن أن الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي يعني تسليم القيادة والمساءلة إلى مؤسسات ذات مصداقية في المنطقة، وقبل كل شيء المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” التي تضم 15 دولة، وإشراك الدول المجاورة.

لا يمكن للدول التي شاركت سابقا في عمليات حفظ السلام ولا للعالم أن يقللوا من شأن المخاطر بما في ذلك المجاعة والهجرات الجماعية والأعمال الإرهابية الناجمة عن العنف في إفريقيا. بينما يجب أن يعتمد السلام على مؤسسات أمنية قوية، حيث أثبتت التدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق ومنطقة الساحل أنها غير كافية. وبالفعل، فإن دول الغرب الإفريقي التي يحكمها جيشها بشكل أساسي، تُظهر أن المؤسسات “الأمنية القاسية” لا تستطيع فرض السلام أو الاستقرار في غياب حكم يتجاوب مع شعبه ويخضع للمساءلة.

والبديل، بطبيعة الحال، هو أن تقبل إفريقيا ضرورة تشكيل تحالفات إقليمية للراغبين في رعاية عملياتها لدعم السلام. ولكن هذا يتطلب تحالفا عسكريا قويا مثل “حلف شمال الأطلسي” (الناتو)، أو دولة رائدة على استعداد للعب دور مماثل لدور نيجيريا في غرب أفريقيا. وبعيدا عن المشاركة الرمزية في بعثات الأمم المتحدة “الآمنة”، لن يتمكن الأفارقة  من تحويل قدرات حفظ السلام إلى نتائج ذات مغزى إلا عندما يتم الاعتراف علنا بانتشار المصالح الوطنية، وعندما تكون بلدان القارة السمراء على استعداد لاستخدام القوة ضد الانقلابات والإرهاب والتدخل غير المشروع التي تستخدمه روسيا والصين في المنطقة ومستعدة للاعتراف بهذه الحقيقة، فإن “قوة حفظ” السلام الإفريقية ستؤتي ثمارها في القارة في المستقبل القريب.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة