الإرهاب الإشعاعي والنووي.. لماذا تراجعت روسيا عن تهديداتها المتنامية؟

<strong>الإرهاب الإشعاعي والنووي.. لماذا تراجعت روسيا عن تهديداتها المتنامية؟</strong>
أستمع للمادة

التهديدات باستخدام الأسلحة النووية كانت الورقة التي تلجأ إليها القيادة الروسية، في كل مرة تتراجع فيه قواتها أمام ضربات الجيش الأوكراني المدعوم من الغرب، لا سيما بعد استعادة القوات الأوكرانية لزمام المبادرة العسكرية واستعادة مدينة خيرسون والعديد من المناطق من قبضة الجيش الروسي.

مؤخرا تراجعت حدة التهديدات النووية من قِبل روسيا، لا سيما بعد الاجتماع الاستخباراتي الذي جمع كل من واشنطن وموسكو في أنقرة، وترتيب الغرب لأوراقه في سياسة مواجهة روسيا في أوكرانيا، فما هي أسباب وتفاصيل هذا التراجع.

خط أحمر؟

المستشار الألماني أولاف شولتز، اعتبر أن خطر لجوء موسكو إلى السلاح النووي في اجتياحها لأوكرانيا تضاءل لأنّ المجتمع الدولي “رسم خطا أحمر” لروسيا على هذا الصعيد.

شولتز قال في تصريحات نقلها موقع “سكاي نيوز عربية” الخميس، إن “أمرا واحدا تغيّر في الوقت الراهن، لقد توقفت روسيا عن التهديد باستخدام السلاح النووي“، معتبرا أن مخاطر حدوث تصعيد نووي في الحرب الأوكرانية توقف في المرحلة الراهنة.

الباحث في العلاقات الدولية محمد علوش، استبعد تراجع فكرة التلويح بالورقة النووية، لا سيما على المدى المتوسط، مشيرا إلى أن روسيا تسعى لتجنب الهزيمة من خلال هذه الورقة، لكنها بالتأكيد لا ترغب بتنفيذ هذه التهديدات والدخول في مواجهة نووية مع الغرب.

علوش قال في حديث خاص مع “الحل نت“، “هناك دافع أساسي لتلويح روسيا باستخدام السلاح النووي، وهو أن روسيا غير مستعدة لقبول هزيمة في أوكرانيا، وبالتالي طالما أن روسيا لم تنجح في ردع الدول الغربية عن دعم أوكرانيا، فأعتقد أن ورقة السلاح النووي قائمة، رغم أن روسيا لا تريد حرب نووية ولا تريد الدخول في مواجهة نووية مع الغرب، لكنها دائما تلجأ للتصعيد والتحذير من مغبة مخاطر الصدام من أجل ردع الغرب عن مواصلة دعم أوكرانيا“.

عدم حصول تحول كبير في مسار الموقف الغربي من الغزو الروسي لأوكرانيا، يعني ربما أن مخاطر التهديد باستخدام الأسلحة النووية ما تزال قائمة، لكن وفق علوش فإن اللقاء الاستخباراتي بين روسيا وأميركا، كان له دورا مهما في تراجع حدة التهديدات النووية.

علوش رأى أيضا أن التهديدات النووية القادمة من روسيا، لم تحقق جميع أهدافها، لا سيما وأن الدول الغربية مستمرة في دعم أوكرانيا على مختلف الأصعدة، وكان لهذا الدعم دورا مهما في استعادة أوكرانيا زمام المبادرة العسكرية، واستعادتها مساحات واسعة من قبضة الجيش الروسي.

قد يهمك: زخم غير مسبوق على الطاقة النظيفة.. الأزمة العالمية حافز للتوجه نحو البدائل؟

علوش ختم حديثه قائلا، “لن يتردد بوتين باستخدام خياراته المتعلقة بالطاقة والغذاء وحتى التلويح بالورقة النووية لتحقيق هذه الأهداف، روسيا دخلت في مأزق كبير وأولوية بوتين حاليا الخروج من هذا المأزق. التلويح بالورقة النووية حقق بعض النتائج، كانفتاح الغرب على الحوار مع روسيا، لكنه لم يحقق نتائج كبيرة كهدف دفع الغرب التراجع عن دعم أوكرانيا لاستعادة أراضيها“.

سياسة الغرب

السياسة الغربية من جانبها تتعامل في صد العدوان الروسي في أوكرانيا، بما يجنّب روسيا اللجوء للخيار النووي، فحتى الآن يمكن القول، إن التهديدات باستخدام الأسلحة النووية من جانب روسيا، تجاوزت مرحلة اللفظ، لا سيما بعد أن وضع بوتين قوة الردع النووية في حالة تأهب، مشيرا إلى أن سياسة الولايات المتحدة وحلفائها تمثّل “تهديدا لوجود الدولة الروسية وسيادتها” وفق تصريحه، بعد أن كان قد وقّع مرسوما في حزيران/يونيو 2020، يحدد أن موسكو أذنت لنفسها باستخدام الأسلحة النووية في حالة “الاعتداء على الاتحاد الروسي باستخدام الأسلحة التقليدية، عندما يكون وجود الدولة ذاته مهددا“.

السياسة الغربية المذكورة تكمن في تحقيق التوازن العسكري في أوكرانيا، فإمداد أوكرانيا بأسلحة فتاكة بما يسمح لها بشن ضربات قوية ضد روسيا، أو في العمق الروسي، سيُزيد من احتمالية تنفيذ موسكو لتهديدها بشن هجمات نووية، وهو أمر بالطبع لا يرغب به أحد، ولو على حساب استمرار الحرب بالشكل الذي نراه حاليا.

صحيح أن هذا الدعم لا يؤمّن هزيمة روسيا في ساحة المعركة، لكنه على الأقل منع سقوط أوكرانيا كصيد سهل في يد الروس كما كان يطمح بوتين، والنتيجة هي أن حرب استنزاف طويلة الأمد قد بدأت، ولا أحد يعلم موعد نهايتها.

من خلال ذلك يمكن قراءة أسباب عدم توجيه ضربات قوية للقوات الروسية في أوكرانيا، فالغرب لا يبدو أنه يسعى لهزيمة روسيا بشكل مباشر وسريع، بالتأكيد خوفا من التهور الروسي وإشعال حرب؛ تكون بالضبط كما وصفها بايدن، في تصريح سابق “حرب نهاية الكون“.

الصحفية جوستين برابان، تشرح أن تصعيد “الكرملين” اللفظي يدخل في لعبة الردع العادية، لأن استخدام السلاح النووي يعني أن استراتيجية الردع التي تؤطره قد فشلت، أما بالنسبة للخبراء والأكاديميين والجنود والمتخصصين الذين شاركوا في برامج نزع السلاح النووي، فهم منقسمون حول هذه المسألة، إلا أنهم يعتقدون أن إخفاقات بوتين العسكرية الأخيرة جعلت ظهره إلى الجدار، وبالتالي فإن استخدام الأسلحة النووية يمكن أن يشكّل الملاذ الأخير بالنسبة له.

عقيدة الجيش الروسي تقوم على اللجوء للخيار النووي في حال تعرض ترسانته العسكرية لخسائر كبيرة، وتستند هذه الفكرة على امتلاك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم، وحيازتها 2000 رأس حربي من الأسلحة النووية الصغيرة (التكتيكية).

الولايات المتحدة الأميركية تملك في المقابل، عددا أقل من الرؤوس النووية (6550 لأميركا مقابل 6850 لروسيا)، لكن ترسانتها من الأسلحة النووية الصغيرة في أوروبا لا تزيد عن 100 رأس حربي، وذلك بسبب التعقيدات السياسية والاحتجاجات الشعبية على نصب هذه الأسلحة في دول حلف “الناتو“، بحسب ما يشير تقرير لـ“القدس العربي“.

استبعاد الخيار النووي

الباحث في العلاقات الدولية حسن النيفي يرى من جانبه، أن التهديدات النووية التي أطلقتها روسيا، بعيدة التنفيذ لأسباب عديدة، أبرزها أن العالم لن يقف مكتوف الأيدي وبالتالي من المؤكد أنه سيكون هنالك رد أميركي، ما يجعل خيار السلاح النووي خيارا انتحاريا.

حول ذلك قال النيفي في حديث سابق مع “الحل نت“، “على الرغم من التهديدات الروسية باستخدام السلاح النووي، إلّا أن ذلك مستبعد، لسببين، يتمثل الأول في إدراك بوتين جيدا، أن سلاح الردع النووي الأميركي ربما يكون أسبق من صواريخ بوتين النووية الهجومية، ولا أعتقد أن الروس سوف يقدمون على ذلك إلّا إذا أرادوا الانتحار فعلا“.

النيفي، دعم وجهة نظر الاستنزاف البطيء لمنع روسيا من اللجوء إلى الأسلحة النووية، وأضاف، “ما يهدف إليه الأميركان ومن خلفهم أوروبا، هو إبقاء بوتين في المستنقع الأوكراني، ومن ثم جعله ينزف عسكريا واقتصاديا إلى أن يصل إلى مرحلة الإغماء، وربما راهنت واشنطن أيضا على أن وصول بوتين، إلى مرحلة الترهل بعد استنزاف طويل سيخلق عوامل سقوطه من داخل روسيا قبل خارجها، وربما اعتقدَ الغرب أن هذه الطريقة من المواجهة ربما لا تعطي بوتين الفرصة للمبادرة باستخدام السلاح النووي، لعدم وجود خطر داهم أو مباغت عليه“.

الاحتمالات تبقى مفتوحة على جميع الأصعدة طالما أن الحرب مستمرة، في حين أن سبب تراجع حدة التهديدات النووية، قد تكون لسبب اعتياد المجتمع الدولي على هذا النوع من التصريحات والتهديدات، فأصبحت قيمتها وتأثيراتها منخفضة إلى حد كبير، خاصة وأن اللجوء إلى هذا السلاح سيعني خسارة للجميع.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة