على غرار انتصارات العام الماضي، استهلت القوات الأوكرانية العام الجديد بتحقيق ضربات نوعية تسببت بخسائر جسيمة في صفوف الجيش الروسي، في وقت لا يخفى فيه أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يعسى جاهدا للأخذ بزمام المبادرة والتغطية على انكسارات قواته خلال العام الماضي، لاسيما في الربع الأخير منه، وذلك من خلال استخدام فصل الشتاء كسلاح ردع لطموحات كييف التي يصر رئيسها فلاديمير زيلينسكي على عدم وقف القتال قبل استعادة كامل أراضيه التي يسيطر عليها الجيش الروسي.

فبينما تواصل القوات الروسية توجيه ضرباتها إلى مصادر الطاقة الأوكرانية وإخراجها عن الخدمة، ضمن خطة “العقاب الجماعي” التي يحاول بوتين من خلالها إخضاع كييف أمام برد الشتاء وتدمير محطات الكهرباء ومصادر التدفئة دون مراعاة لحقوق الإنسان أو وضع أي اعتبارات لمصير المواطنين العُزّل. نجح الجيش الأوكراني مع الساعات الأولى من العام الجديد في توجيه ضربة نوعية مباشرة من خلال صواريخ “هيمارس” التي زودتها واشنطن لكييف لمواقع تمركز القوات الروسية، مكبّدا إيّاها خسائر كبيرة بالأروح.

هيئة الأركان الأوكرانية أعلنت اليوم الثلاثاء، توجيه ضربة صاروخية لمواقع القوات الروسية جنوبي مقاطعة خيرسون ليلة رأس السنة الجديدة، أسفرت عن مقتل وجرح نحو 500 جندي روسي، في الوقت الذي تشن فيه روسيا هجماتها التي بلغت خلال الساعات الماضية 52 ضربة جوية و77 هجوما من منظومات صاروخية مستهدفة بشكل أساسي البنى التحتية المدنية داخل الأراضي الأوكرانية، وذلك بعد إعلان موسكو إن طائراتها الحاملة للصواريخ الاستراتيجية ستشارك العام الجاري في الحرب الدائرة منذ فبراير/شباط 2022.

مجريات الغزو الروسي لأوكرانيا

الضربة الأوكرانية استهدفت الأنظمة الصاروخية ومراكز ومعدات القوات الروسية بمنطقتي تشولاكيفكا وفيدرويفكا في مقاطعة خيرسون جنوب أوكرانيا، وذلك أثناء محاولات الروس السيطرة الكاملة على محاور فقدوها في أكثر من جبهة خلال معارك العام الماضي، حيث يشن الجيش الروسي هجماته على أكثر من محور مقابل تصدي القوات الأوكرانية، الأمر الذي فتح باب السؤال عن مستقبل الحرب التي يأمل الكثيرون أن تشهد انفراجة خلال العام الجديد، ووضع حد للضغوط الاقتصادية والأزمات في سلاسل التوريد والغذاء والطاقة التي تسبب بها الغزو الروسي.

حول ذلك، يرى الخبير في العلاقات الدولية علاء مصطفى، أن الغزو الروسي لأوكرانيا يتجه في الفترة الحالية إلى الهدوء، وذلك لتركيز روسيا على استهداف البنى التحتية وخصوصا مصادر الطاقة، مبيّنا أن الروس يراهنون على فصل الشتاء، إذ يسعون إلى وضع الحكومة الأوكرانية وداعميها أمام السخط الشعبي بمحاولة انتزاع شرعية النظام ودفع الشعب الأوكراني بفعل المعاناة إلى فقدان الثقة بالنظام وهو ما سينعكس سلبا على مستوى الثبات أمام الحرب، لذلك وبناء على هذا السيناريو فإن مجريات الحرب على أقل تقدير ستكون ماضية في هذا الاتجاه طيلة فصل الشتاء.

اقرأ/ي أيضا: مشاركة إريتريا في الصومال.. تحالف إقليمي آخر يحتاجه القرن؟

أستاذ العلاقات الدولية بيّن في حديثه لموقع “الحل نت“، أن فصل الشتاء طويل وقاسي في أوروبا، لذلك يراهن النظام الروسي على أنه سيكون له أثر كبير من حيث قناعة المواطنين الأوكرانيين بموقف رئيسهم، وهو سيناريو إذا ما نجحت فيه موسكو ستكون قد عوضت خساراتها العسكرية التي لا ترغب في تكرارها، مشيرا إلى أن ما تعرّض له الجيش الروسي وما تسبب به على مستوى سمعة الدولة ترك أثرا كبيرا في مواقف الحكومة الروسية، وهو أحد أسباب توجهها نحو الخيارات الأخرى بعيدا عن الصدامات المسلحة التي تسببت فيها الأسلحة الغربية التي تم تزويد أوكرانيا بها في قلب المعادلة بشكل كبير.

وفق هذا المشهد، يمكن القول إن الحرب الروسية على أوكرانيا ستأخذ منحى الصراعات النفسية في الوقت الحالي، بحسب مصطفى، منوها إلى أن هذا السيناريو قد لا يستمر إذا ما حاولت أوكرانيا استغلال الموقف وتكثيف ضرباتها ما سيستفز القيادة الروسية التي تبحث عن انتصار معنوي وسياسي واستراتيجي ويدفعها إلى تكثيف هجمتها العسكرية، لافتا في الوقت ذاته إلى أن أوكرانيا والغرب الداعم لها يمكنهم استثمار هذه الفرصة للضغط باتجاه تسوية تنهي الحرب بشكل تام.

خيارات وقف الحرب الروسية، يمكن أن تكون من خلال اتفاق يضمن للجميع مكاسبهم وبالدرجة الأولى روسيا، إذ إنها صاحبة المبادرة في الحرب والمسؤول الأول عنها؛ بمعنى أن أي اتفاق يمكن التفكير به دون حفظ مصالحها لن ينجح، خصوصا بعد التكاليف المادية والعسكرية التي تكبدتها، مؤكدا أن موسكو ستوافق على وقف إطلاق النار في حال كانت هناك صيغة اتفاق تضمن لها مصالحها في شبه جزيرة القرم من دون تهديدات، وعدم المطالبة بالجانب الذي تسيطر عليه روسيا من مقاطعة خيرسون التي تمثل نقطة حيوية واستراتيجية بالنسب للقرم.

خبير العلاقات الدولية مصطفى اختتم، بالقول إن “روسيا أخطأت في تقدير مجريات الحرب وهو ما حمّلها ما لم تتوقعه، وهو ذات الأمر الذي سيجبرها على تقبل النتائج الحالية دون محاولات لإطالة مدى الحرب أكثر“، مبيّنا أن “استدامة الحرب لوقت أطول سيكون له تبعات اقتصادية كبيرة على مستوى العالم، لكن قد تكون مؤثرة أكثر بالنسبة لموسكو لقلة داعميها ومصادر تمويلها، وهو الأمر الذي تحاول القيادة الروسية تجنبه خصوصا في ظل السباق الدولي الذي تخوضه من حيث التسلح والتطور التكنولوجي وغيرها من باقي المجالات التي ستتأثر بشكل كبير مع استمرار الحرب“.

أثناء ذلك، هناك احتمالات انعطافة قد تقود إلى تهدئة مفاجئة، وتوقعات بأن الغزو الروسي لم يصل بعد إلى ذروته، إذ تباينت آراء المراقبين في شأن التوقعات المرتقبة لمسار تلك الحرب.

بحسب تقرير لصحيفة “تايمز” البريطانية، فإن “الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة الآن لأكثر من عشرة أشهر، لا يلوح بشأنها في الأفق أي نهاية مرتقبة، والتنبؤات الثابتة حول ما قد يحدث في الفترة المقبلة محفوفة بالمخاطر كما كانت قبل عام“.

سيناريوهات

مارك غالوتي، الذي ألّف أكثر من 20 كتابا عن روسيا، قال بحسب تقرير “التايمز“، إنه من خلال النظر إلى نقاط الانعطاف المحتملة في المستقبل وآفاق الاتفاق على نوع من السلام، من المرجح أن يكون هناك هجوم ربيعي أو بالأحرى هجمات من كلا الجانبين، بعد أن تباطأت وتيرة العمليات في ساحات القتال في شرق وجنوب أوكرانيا بشكل طفيف في الوقت الحالي.

“قد يستخدم الروس نحو نصف جنود الاحتياط البالغ عددهم 300 ألف، والذين حشدوا على مدار شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر المنصرمين كوقود للحرب“، وفق غالوتي.

غالوتي أردف، أنه “في الوقت الذي قد يبدو فيه من غير المحتمل أن تكون هذه الوحدات جيدة بشكل خاص، إلا أنها ستمكّن موسكو من شن هجمات جديدة، حتى لو لم تكن من النوع الضخم والمنسّق والواسع النطاق، الذي يمكن أن يقلب مجرى الحرب، إذ إنه بالنسبة إلى بوتين، فإن مجرد إثبات أنه لا يزال قادرا على أخذ زمام المبادرة سيكون بمثابة انتصار نوعي له“.

من جانبها، قالت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، إنه من غير المحتمل أن تتحقق شروط وقف إطلاق نار دائم، ناهيك بتسوية سلمية رسمية، وأنه “في عام 2023 من المرجح أن يكون هناك صراع مستمر وطاحن“، مشيرة في الوقت ذاته إلى احتمالات احتدام أزمة الطاقة في القارة الأوروبية مع اشتداد الحرب.

اقرأ/ي أيضا: نتيجة لنقص العمالة.. هل تشجع ألمانيا الهجرة في العالم مجددا؟

يوجين تشوسوفسكي، كبير المحللين في “معهد نيولاينز” للدراسات السياسية والاستراتيجية، استبعد احتمالات الوصول إلى سلام قريب بين موسكو وكييف، موضحا بحسب ما كتبه في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، أن “الأوضاع على الأرض تشير إلى تمسك الطرفين بموقفيهما من استمرار القتال حتى تحقيق النصر في ساحة المعركة، ما يعني أن إمكانية حدوث انفراجة قد تكون بعيدة المنال“.

تشوسوفسكي بيّن، أنه “مع تجاوز الحرب الروسية في أوكرانيا عتبة العشرة أشهر لا يبدو أنها ستنتهي في وقت قريب، إذ لا توجد أية إشارات تمنح أي ضوء على أن الطرفين قد يستمعان لصوت العقل خلال الفترة المقبلة“.

“لم تتحقق بعد الأهداف الأولية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الحرب، حيث لم تسقط العاصمة كييف ولا حكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ما قد يطيل أمد الحرب“.

في المقابل، شهدت الأشهر الأخيرة العديد من الاختراقات التي حققتها القوات الأوكرانية في ساحات المعركة، واستعادة بعض الأراضي مثل خاركيف وخيرسون، بفضل الدعم المستمر من الغرب أمام تحول روسيا إلى استهداف البنية التحتية الأوكرانية، من خلال ضربات الصواريخ والطائرات من دون طيار، مع محاولة لإلحاق أقصى قدر من الألم الاقتصادي بالبلاد مع حلول الشتاء.

الغرب وحسم المعركة

باربارا زانتشيتا، المتخصصة في الدراسات الحربية في “كينغز كوليدج” بلندن، رأت أنه “يمكن لتكلفة الحرب المادية والبشرية أن تزعزع التزام النخبة السياسية الروسية، ما يعني أن التغير الذي قد يحدث سيكون داخل روسيا“.

زانتشيتا ذكرت، بحسب ما نقلت عنها هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي“، أن “الحروب التي اندلعت بحسابات خاطئة، مثل حرب فيتنام للولايات المتحدة وحرب أفغانستان للاتحاد السوفياتي السابق انتهت كلها بهذه الطريقة، فقد تغيرت الظروف الداخلية في الدولة التي أخطأت في حساباتها، وهو ما جعل إنهاء الحرب هو المخرج الوحيد منها“.

وتابعت، “هذا سيحدث فقط إذا ثبت الغرب في مساندته لأوكرانيا على رغم تزايد الضغط الداخلي بسبب ارتفاع تكاليف الحرب“، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنه “لسوء الحظ فإن المعركة السياسية والاقتصادية والعسكرية ستكون طويلة، ويتوقع أن تستمر إلى ما بعد نهاية 2023”.

زانتشيتا قالت، “كان فلاديمير بوتين يتوقع أن تتقبل أوكرانيا دون رد أفعال جارتها القوية ودون تدخل من الدول الأخرى، وأدت هذه الحسابات الخاطئة إلى نزاع طويل لا نهاية له في الأفق، وعلى رغم أن احتمالات التفاوض تبقى ضئيلة، لأن التوصل إلى اتفاق سلام يتطلب تغييراً في مطالب جانب واحد على الأقل، وأنه لا دليل حتى الآن على حدوث هذا التغيير، أو أنه سيحدث في وقت قريب“.

في السياق، ووفق رؤية مجلة “فورين بوليسي“، فإن “التحدي الحاسم خلال العام الجديد، سيكون مستوى الدعم الدولي للأطراف المتحاربة“، موضحة أنه وفي الوقت الذي أبقت كل من الولايات المتحدة و“حلف الناتو” والغرب كذلك على دعم كييف وتكثيف حملة عزل موسكو، لا تزال دول كثيرة فاعلة لم تشارك في هذه الجهود.

المجلة أشارت، إلى دول مثل الصين والهند وتركيا، رفضت الانضمام إلى جهود معاقبة روسيا، كما أن هذه الدول والعديد من الدول غير الغربية، زادت علاقاتها الاقتصادية بموسكو منذ بدء الصراع.

بحسب “فورين بوليسي“، فإن هذه العلاقات مكّنت موسكو من تجاوز حملة الضغط الغربية وتجنب الانهيار الاقتصادي، ما سمح لها بالإبقاء على تمويلها لآلتها العسكرية على الرغم من الانتكاسات التي تعرضت لها قواتها في الأراضي الأوكرانية.

المجلة خلُصت، إلى أن “الحرب الأوكرانية في طريقها لتمر بعام صعب آخر، في ظل تقلبات وانعطافات غير متوقعة، سواء أكانت في شكل مزيد من التصعيد العسكري، أو تحولات سياسية، أو تقدم دبلوماسي بوساطة دولية، وأن جميع الحروب تنتهي حتما في نهاية المطاف، إما بنصر عسكري حاسم أو حل دبلوماسي بين طرفيها المنهكين، لكن استمرار إصرار بوتين، ودعم الغرب لمقاومة أوكرانيا حكومة وشعبا، يعني أن عام 2023 قد لا يشهد إنهاكا ولا نصرا“.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.