بعد انخفاض إيرادات النفط.. إلى أين يتجه الاقتصاد الروسي؟

بعد انخفاض إيرادات النفط.. إلى أين يتجه الاقتصاد الروسي؟
أستمع للمادة

الاقتصاد الروسي يواجه منذ بدء الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، هزات متتالية، بعد أن أقرت معظم دول العالم عزل روسيا وفرض عقوبات نتيجة اعتدائها على أوكرانيا، ما جعل اقتصاد روسيا في مهب العاصفة.

حرب الطاقة وحظر النفط الروسي إضافة للعديد من العقوبات الغربية، جعلت الحكومة في روسيا تدق ناقوس الخطر، وتتدخل في أسواق النقد لسد عجز الموازنة، فضلا عن المؤشرات السلبية في الاقتصاد، وليس أبرزها توقعات انخفاض الناتج المحلي الإجمالي، فإلى أين يتجه الاقتصاد الروسي.

ضربات اقتصادية لموسكو

الاقتصاد الروسي ربما استطاع أن يتجاوز بعض العقبات الاقتصادية خلال عام 2022 بأقل الخسائر، وذلك يعود في جزء كبير منه إلى ارتفاع أسعار النفط، لكنه لم ينجو من تبعات سلبية كبيرة ستستمر خلال العام الجاري.

الحكومة الروسية أعلنت مطلع العام الجاري، أن لديها عجز يبلغ 147 مليار دولار، ومع بدء حدوث التوقعات المتعلقة بانخفاض أسعار النفط ستنخفض خلال العام الجاري، وبدء كذلك فرض العقوبات التقنية بشكل خاص ممّا سيمنع روسيا من الحصول على القطع التكنولوجية الضرورية لأسلحتها، سيكون الاقتصاد الروسي أمام تحديات غير مسبوقة.

الباحث في العلوم السياسية والاقتصادية الدكتور محمد سليمان حسنين، رأى أن العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا منذ بدء الحرب على أوكرانيا وحرب الطاقة مع الغرب، جعلت الاقتصاد الروسي في مهب العاصفة، متوقعا مزيدا من الخسائر في حال استمرار عمليات الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية.

قد يهمك: سيول وواشنطن تناقشان إجراء مناورات نووية.. ما مستقبل التوتر بين الكوريتين؟

حسنين قال في حديث خاص مع “الحل نت”، “تعرض الاقتصاد الروسي في الفترة الأخيرة إلى كم هائل من العقوبات، كذلك حرب الطاقة، فأصبح الاقتصاد الروسي في مهب العاصفة، وذلك مما يجعله غير قادر على تحمل المزيد من الصدمات الاقتصادية العالمية”.

طبقا لتحليل كل من “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي”، فإن هناك انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة ثلاثة إلى أربعة من عشرة بالمئة، نهاية عام 2020، وأيضا من المتوقع انخفاض الناتج المحلي بنسبة ثلاثة من عشرة بالمئة خلال العام 2023.

كذلك وصل معدل التضخم في روسيا نهاية العام الفائت إلى 14 بالمئة، فيما تشير التوقعات إلى تسجيل خمسة بالمئة خلال العام الجاري.

نتائج حرب الطاقة

حول نتائج حرب الطاقة على الاقتصاد الروسي أضاف حسنين، “من نتائج حرب الطاقة على الاقتصاد الروسي، انخفاض صادرات النفط الروسي إلى ما يقارب 95 ألف برميل نهاية العام الماضي، ولا أظن أن هناك نمو في الصادرات النفطية للوجهات الأوروبية لكن موسكو ستبحث عن صادرات إلى وجهات أخرى كآسيا مثلا”.

وفق تحليل أجرته شركة “إنيرجي إنتل يجانس” للطاقة، فإن واردات النفط الروسي بلغت 14.7 مليار دولار على الرغم من الارتفاعات السعرية في أيلول/سبتمبر من العام الفائت، وقالت الشركة في تقرير إن “روسيا مهيأة لخسارة 62 مليار دولار من عائدات النفط خلال العام الجاري من صادرات النفط الخام والمنتجات البترولية، بسبب الحظر المفروض عليها وانخفاض الإنتاج”.

حسنين توقع مزيدا من الخسائر للاقتصاد الروسي، لا سيما فيما يتعلق بقطاع الطاقة، وذلك إذا استمرت معطيات الحرب الروسية في أوكرانيا على ما هي عليه الآن.

حول خيارات موسكو في حال استمرار الخسائر الاقتصادية، أوضح حسنين أن موسكو لديها عدة خيارات لمواجهة خسائر الاقتصاد، كزيادة صادراتها من النفط لدول مختلفة مثل الهند والصين، لأن الاقتصاد الروسي يعتمد بشكل كبير على الصادرات النفطية.

حول ذلك أردف قائلا، “الخيار الثاني يتعلق بوقف روسيا تدفق النفط، مما سيرفع الأسعار في العالم، ستخدم هذه الخطوة مصلحة منظمة أوبك، والخيار الثالث من المتوقع أن ترسل روسيا نفطها عن طريقة استراتيجية الظل ويعني إرسال النفط الروسي إلى وجهات مستفيديه، دون الكشف عن السفن وهذا الإجراء غير مضمون عبر البحار، أما الخيار الرابع فيكمُن بالبحث عن حلول ميدانية لأمور الحرب ما سيعزز تغير أداء السياسات الدولية تجاه موسكو”.

الحكومة الروسية تسعى مؤخرا لسد عجز الموازنة، عبر بيع احتياطي النقد الأجنبي الخاص بالبلاد، هذا ما قد يؤدي بحسب خبراء نقل عنهم موقع “سي إن إن”، إلى ارتفاع سعر العملة المحلية، ما سيسهم في انخفاض إيرادات الصادرات.

بيع النقد الأجنبي

روسيا تستخدم صندوق الطوارئ، الذي تبلغ قيمته 186.5 مليار دولار منذ الأول من كانون الأول/ديسمبر، لسد العجز المتزايد في الموازنة العامة للدولة وتحقيق الاستقرار في مواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية على مبيعاتها من الطاقة.

الحكومة الروسية أعلنت العام الماضي عن عجز بالموازنة العامة للدولة بقيمة 3.3 مليار روبل، ما يعادل 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يُعد أحد أسوأ أداء للاقتصاد الروسي منذ ما يقارب العقدَين.

بنك “سبربنك” الحكومي، توقّع أن تضطر الدولة لبيع نحو 1.5 مليار دولار شهريا لتغطية عجز الموازنة حال استمرار متوسط سعر برميل النفط الروسي الخام عند 55 دولارا للبرميل واستقرار سعر الصرف عند 67 روبلا للدولار.

شركة “غازبروم” الروسية، أعلنت مطلع العام الجاري، أن صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي وسويسرا تراجعت بنسبة 55 بالمئة في عام 2022. 

الشركة الروسية سلّمت 62 مليار متر مكعب إلى أوروبا في عام 2022 مقارنة مع 138 مليارا في عام 2021.

في إطار حرب الطاقة بين أوروبا وروسيا، اتفقت حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل أسابيع، على حد أقصى لأسعار النفط الروسي المنقول بحرا قدره 60 دولارا للبرميل، مع آلية تعديل لإبقاء سقف السعر أقل بخمسة بالمئة من سعر السوق.

فرض الحد الأقصى لأسعار النفط الروسي، يأتي ضمن محاولة الغرب للضغط على عائدات “الكرملين” النفطية مع الحفاظ على الإمدادات العالمية ثابتة وتجنب زيادة الأسعار، وصُمم هذا الحد على أنه طريقة للسماح لروسيا، أكبر مصدر للنفط العالمي، بتزويد الأسواق، من دون أن تحصل موسكو على الفائدة الكاملة من بيعها النفط.

في الأسابيع الأخيرة كان هناك تراجعا بأسعار النفط بشكل كبير وهذا يضر بمدخولات روسيا، أيضا الجانب الآخر المهم في هذا الموضوع، هو الحد من مبيعات النفط الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، لكن حتى الآن يجب الإشارة إلى وجود خلافات كبيرة بين عدد من الدول التي تريد وضع سقف لسعر البرميل بـ 30 دولارا مثل بولندا ودول البلطيق، ودول أخرى تريد تحديد سقف سعر البرميل بـ 60 دولارا أي بأقل من السعر العالمي بـ 5 دولارات.

من شأن تحديد سقف سعر النفط عند هذا المستوى أن يضع أسعار الخام الروسي أقل بكثير من المعيار الدولي المسمى “برنت“، والذي تم تداوله عند نحو 87 دولارا للبرميل الخميس الفائت، وأشار المسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، الذين قادوا دفع الحد الأقصى للسعر، إلى أنهم يؤيدون تحديد الحد الأقصى عند 60 دولارا للبرميل.

هذا التحديد له آثار اقتصادية كبيرة تبدأ من تراجع واردات الخزينة الروسية، وعجز في الموازنة الروسية للسنوات الثلاث القادمة، وقد يصل هذا العجز إلى 5 أو 6 بالمئة، وسيؤدي إلى تراجع إنتاج النفط بشكل كبير، إضافة إلى تأثير سلبي على الأسعار بالنسبة للنفط الروسي وللأسواق العالمية.

يبدو أن روسيا على موعد مع ضربات اقتصادية جديدة، تزامنا مع الضربات العسكرية التي تتلقاها قواتها في الميدان الأوكراني، ما قد يجبرها على التنازل في موضوع التفاوض على إنهاء الحرب.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة