شتائم مباركة – جائزة الحل للإبداع الصحفي

  • تُنشر هذه المادة على موقع “الحل نت”، بعد فوزها بجائزة الحل للإبداع الصحفي – فئة المقال الساخر (المركز الثاني) للصحفي العراقي، علاء كولي. (المادة خاصة بمؤسسة الحل ويحظر نشر أو اقتباس أي جزء منها قبل مراسلة المؤسسة وأخذ الإذن بذلك).

    يجلس الأصدقاء في المقهى يتحدثون عن إنجازاتهم الماضية ويضحكون، ثم يشتمون كل من أضاع تلك الأيام الجميلة التي مرت بهم، بعدها يتبادلون الشتائم فيما بينهم ويشتمون صاحب المقهى بلا سبب ثم يغادرون.

يمشي الأب مع ابنه الصغير وهو يتحدث إلى نفسه ويشتم أصدقائه القدامى الذين نسوا أن يأخذوه معهم في آخر سفرة سياحية، ثم ينظر إلى ابنه ويعود فيشتم الجميع حتى يشتم نفسه.

يمضي الابن الصغير شاتما أخوته حينما فعلوا به مقلبا مخيفا قبل أسابيع، فهو لا يزال يرتعد كلما ينظر إلى المرأة أو إلى أخوته، لقد أخبروه كيف يمكن للشتائم أن تجعل منه شخصا آخر يحمل حقدا وكراهية.

يجلس رجل مجنون قرب امرأة بلهاء عند التقاطعات الرئيسية للشوارع ثم يبدأ كل منهما الآخر بشتم المارة وأصحاب السيارات والعابرين إلى أعمالهم كل يوم.

يقلب ذلك العجوز المتسول عند الإشارة المرورية وجوه الناس وأصحاب السيارات الفارهة، ثم يشتمهم بكل أوتي من عزيمة لكنه سرعان ما يهدأ حينما تمر بجانبه تلك السيدة الثلاثينية الجميلة وهي تبتسم له، يبادلها الابتسامة لثوان ثم يعود لشتم كل من يمر به.

يجلس رجل الدين على المنبر متحدثا عن الأخلاق والتسامح ونبذ الكراهية، وحينما تنتهي محاضرته الأخلاقية، يبدأ بشتم الناس الذين لم يأتوا إلى مجلسه، أو الذين غادروا المجلس باكرا، لأنه لم يتمكن من تقديم محاضرة لائقة، تتحدث فيها عن مشاكلهم ومشاكل أخلاق الناس الذين تغيروا بعد تسلمهم المناصب العليا.

يتحدث صحفي متملق إلى المسؤول بكل لباقة وكياسة، وأحيانا يخرج من كلامه عطرا رخيصا، وبعد أن ينتهي حديثه يبدأ بالشتم حتى يشعر بالملل، ثم يخبر سيده كيف له أن يتوقف عن ذلك، يجيبه السيد، أن عليه أن يكثر بالشتائم، لأن هناك مؤامرة عالمية ضد مشروعه في تعزيز الكراهية بين الناس حتى يبقى هو دائم الخضرة، جالسا على كرسي الشفط والسرقة.

في الحافلة، يبدو رجل تظهر عليه ملامح الوقار وهو يجلس بجانب رجل آخر هادئ بملامحه، يبدأ الرجل الأول بشتم أحدهم وقد مضى عليه أكثر من ألف عام، ثم ينتبه له الرجل الهادئ وينفجر بشتم شخص آخر كان قد مضى عليه أكثر من ألف عام أيضا، بعد ذلك يتبادلان الشتائم، ولم يتدخل أي أحد في الصراع التاريخي بين الرجلين.

أعرف رجلا مخمورا يجلس كل يوم أمام داره، لا يؤذي أحدا، لكن أطفال الحي يتحرشون به ويرمون عليه بعض الحجارة، لكنه يواجههم بأقصى درجات الشتائم، مثلما يشتم مسؤولا صغير في الحكومة كل المسؤولين الذين صاروا أكبر منه في المناصب.

كنت دائما أجلس قرب بيتنا فأسمع جاري يشتم جارنا الآخر بسبب بعض الخلافات البسيطة، حتى أنني سمعت بالصدفة جاري الآخر يشتمني بلا توقف، يشتمني أمام جيران الحي بالكامل، ثم جلست في اليوم الثاني اشتم الجميع.

في الجانب الآخر من العالم، يجلس عاشقان مولعان ببعضهما البعض، منذ الوهلة الأولى حسبت أنهما يتغازلان، لكنني سمعتهما كيف يشتمان الجميع بلا توقف، كانا يبتكران شتائم جديدة، حتى أنهما يشتمان بعضهما البعض، حسبت أنني أحلم، ذهبت لأغسل وجهي ورأسي لكي أكتشف أن مايحصل مجرد حلم باهت، لكن الحقيقة صادمة.

بعد أيام، وجدت موظفة متخمة بالضرائب والصكوك وهي تقرأ أسماء الزبائن ثم تشتمهم، يقترح عليها زميلها أن تشتم على الحروف الأبجدية، فإذا كان اسم الزبون غير مناسب، تقدم قائمة طويلة من الشتائم في مكبر الصوت، أما إذا كان اسما لامعا، فهي تكتفي بشتائم بسيطة لا تضر الحالة النفسية لهذا الزبون الجميل. 

في السوق يتبادل الناس الشتائم فيما بينهم، في المقهى بدأ الجميع يشتم بعضهم البعض، ثم يضحكون، ذهبت إلى الطبيب لأنظف أذني لأنني شعرت بأن هناك خللا ما برأسي أو أذني، ضحك الطبيب وبدأ في الشتم أيضا، جلست جانبا طلبت منه أن يخبرني لماذا يشتم الجميع ويبتسم. 

لم يجبني، أخبرته هل ثمة خطأ فادحا في رأسي كي أعالج المشكلة، أو أن أقلع رأسي أو أقلع أذني أو أحاول أن أضع ضمادة طبية عليها وأغلقها تماما مثلما يغلق أي مشروع تجاري خسرت عليه الدولة المليارات، واعتبره مجرد مشروع خاسر لا قيمة له. 

قبل أن أذهب أخبرني بشتيمة جديدة، وقال عليك أن تذهب الى الصيدلية يا أبن الـ، أذهب وأجلب لي العلاج، أضطررت أن أنتظر طويلا، حتى أن صاحب الصيدلية كنت أسمعه وهو يشتم الزبائن التي تقف بالقرب من باب الصيدلية. 

قبل أن أدخل كان يوزع الشتائم بشكل فج لدرجة أنني شعرت بأن ثمة شيئا خاطئ يحصل لكن لا أحد ينتبه له، حتى الأطفال الصغار والفتيات المراهقات الجميلات التي كانت تمر عبر السوق، كن يضحكن ويشتمن شتائم فادحة.

عدت إلى الطبيب وأخبرته أنه يجب أن أخرج من عيادته وأنا قادر على فهم ما يجري، لماذا يشتم الجميع بدون أي ردود أفعال تحصل، قال لي إن السلطة قررت استبدال التحايا بالشتائم، لأننا لا نستحق أن نقدم التحايا ونحن نغرق بالرذيلة والفساد، على اعتبار أن التحية الجميلة في زمن الخراب فساد أيضا. 

اقترح مجلس خبراء الشتائم، وهو مجلس جديد يضم خيرة الشاتمين على أن يكون الشتم بهذا الشكل لتعزيز قيم الكراهية والخطاب العشوائي، لأن الجميع فقد السيطرة على مواجهة الفساد، فقررت السلطة أن يشارك الجميع بهذا الفساد وكانت البداية بمشروع الشتائم. 

ضحكت كثيرا ثم غادرت العيادة وأنا أضحك، ثم أضحك كلما أسمع شتيمة تمر عبر أذني.. أضحك بلا معنى. عدت إلى بيتي ممتلئا بالأتربة والشتائم والضحك أيضا.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم