سيناريوهات غير واضحة المعالم ما تزال حتى الآن تدور حول الشكل النهائي الذي يمكن أن يتمخض عنه مشهد الحراك الشعبي المستمر في السويداء ضد السلطات السورية منذ قرابة الأربعة أسابيع.
لا يعني التطور الأخير الذي طرأ على مجريات الحراك هناك في المحافظة الجنوبية بأن إجماعا شعبيا يؤيد تشكيل الهيئة السياسية التي أعلن عنها يوم الثلاثاء الماضي (5 سبتمبر/أيلول)، حيث أكدت مصادر محلية لـ”الحل نت” بأن ما يشاع عن تشكيل هيئة سياسية مدنية، لا يلقى إجماعا شعبيا، وما هو إلا محاولة لتغيير مسار الحراك الشعبي، مشيرة إلى أنه لا تمثيل للمحتجين خارج ساحة الكرامة.
شائعات من يقف وراءها؟!
صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، ذكرت بأن محتجين في السويداء بدأوا بأعمال تشكيل هيئة سياسية مدنية في المحافظة ستنبثق عن مؤتمر سياسي سيعقد في السويداء خلال الأيام المقبلة، وهو الأمر الذي نفاه عدة مصادر محلية داخل ساحات الحراك في محافظة السويداء.
الهيئة السياسية المزعومة وفق تلك الصفحات ستعمل على طرح رؤيتها السياسية لمستقبل البلاد إلى المجتمع الدولي، حيث تنطلق الرؤية من التأكيد على وحدة الأراضي السورية، ورفض أي مشروع انفصالي، وتعزيز مفهوم الإدارة اللامركزية، وطرح مفهوم الإدارة الذاتية ضمن إطار الخدمات وتأمين احتياجات المجتمع.
ولليوم الثامن عشر على التوالي تتواصل احتجاجات السويداء المنادية بانتقال سياسي في البلاد، حيث نفذ المحتجون خلال الأيام الماضية عصيانا في المدينة وقاموا بإغلاق مقرات حزب البعث في المحافظة. في حين أظهرت صور ومقاطع فيديو خروج احتجاجات نسائية وأخرى نقابية في ساحة الكرامة في مدينة السويداء، حيث كرر المحتجون مطالبهم بضرورة رحيل السلطة الحاكمة في سوريا بكافة رموزها.
الناشط السياسي من السويداء، سليمان الكفيري، وهو رئيس فرع السويداء للمنظمة العربية لحقوق الإنسان تحدث لـ”الحل نت” بأن ما نُشر حول تشكيل هيئة سياسية مدنية فيه الكثير من المغالطات “حتى الآن لم تُشكّل هيئة سياسية مدنية في السويداء، أو حتى أن يكون هناك الدعوة لإدارة ذاتية أو تشكيل حكومة انتقالية، وما الأصوات التي دعت لذلك إلا أصوات نشاز عما يريده السوريون في جبل العرب. قد يكون هناك دعم من دول مثل إيران لمشاريع مثل الهيئة السياسية أو الإدارة الذاتية من أجل حرف الحراك في السويداء عن هدفه الوطني الكبير”.
طروحات قديمة جديدة عادت لتطفو على السطح من جديد في السويداء، فمسألة تشكيل إدارة ذاتية في المحافظة الجنوبية سبق وأن سجلت حضورها في عدة مناسبات سابقة خلال السنوات الماضية، وإن كان هذا الطرح المتكرر يدفع أكثر للبحث عن إمكانات تشكيله وديمومته من عدمها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الحديث عن احتمالات إقامة إدارة ذاتية في السويداء، بأنها محاولة من قبل المحتجين وأهالي المحافظة لطلب الانفصال، فضلا عن أن هناك رفض شعبي واسع في محافظة السويداء لأي مطلب يتعلق بإدارة ذاتية أو حكم انفصالي للمحافظة. مع الإشارة إلى أن الحديث عن احتمالية تفعيل هذا الطرح تبقى بعيدة الحدوث دون وجود حيز اقتصادي للإدارة، إلى جانب دعم سياسي خارجي من دول فاعلة في الملف السوري أو دول الجوار.
ما سبق أكدت عليه مصادر محلية معتبرة بأن الدعوات لإدارة ذاتية في السويداء تهدف إلى خلق البلبلة وتشويه مسار الحراك الشعبي في المحافظة. فعلياً فإن كان هناك من يدعو لهذه الإدارة حالياً فهو يطرح مشروع غير قابل للحياة، سواء بسبب انعدام الموارد الاقتصادية لا سيما وأن المعبر الاقتصادي الذي يمكن أن يُفتح سيكون مع الأردن التي لن تزيد من أعبائها في ضبط الحدود، فضلا عن غياب أي دعم لهذا المشروع سواء إقليمي أو دولي، وبغياب هذه الإرادات يبقى مشروع الإدارة الذاتية محصورا بوسائل التواصل الاجتماعي، أو بقنوات بث الدعاية السوداء التي تريد التشويش على الحراك؛ وقد يبدو أبرز المستفيدين من هذه الدعوات هي السلطات السورية.
معبر مع الأردن؟
الناشط السياسي من قلب ساحة الحراك في مدينة السويداء، مروان حمزة، أكد خلال حديثه لـ”الحل نت” بأنه لا يمكن تشكيل أي إدارة ذاتية في السويداء، معتبرا بأن الحديث عن هذه الإدارة ما هو إلا شائعة من صنيعة النظام السوري من أجل النيل من حراك السويداء، وفق حديثه.
وتابع “نحن من سوريا الأم، السويداء جزء غال من سوريا، ولن نرضى بفرط العقد السوري. نرفض أي انعزال عن سوريا وعاصمتنا هي دمشق بعد زوال هذا النظام ورحيله. لن نقبل أن نكون دولة فئوية مقسومة تتنازعها الأهواء التي تطرح حاليا حول إقامة حكم ذاتي ولا مركزية بالتوافق مع نداءات خارجية تطرحها بعض الأبواق”.
بدوره أوضح الكفيري، بأن تشكيل الإدارة الذاتية في هذه الظروف ليس ممكنا إلا إن كان هناك مشروع إقليمي ودولي يدعم ذلك، منوها إلى أن الوضع الجغرافي للسويداء لا يسمح بإدارة ذاتية، فالمحافظة شريانها الوحيد هو طريق دمشق السويداء، واستطرد “من يفكر بالإدارة الذاتية سيقع في فخ الانقسام بين السوريين”.
بينما اعتبر بأن فتح المعبر مع الأردن له طابع سياسي وهذا مرفوض قطعا؛ على حد تعبيره. “هذا المشروع مكتوب له الفشل وغير قابل للإنجاز في هذه الفترة على الإطلاق، كذلك فإن فتح المعبر يحتاج لمسائل ديبلوماسية، وإلا سنقع في مطلب الولاء والاحتكام لإملاءات دولية أو عربية، ونحن نريد أن نمتلك زمام قرارنا”.
فيما وصف حمزة بأن الدعوة لفتح معبر مع الأردن عبارة عن “وهم” يجب إزالته، متابعا “شباب الحراك مستمرين على نفس المطالب، ولن يقبل بالعودة عن الحراك إلا برحيل النظام”.
وخلال ثلاثة أسابيع، استمر خروج العديد من المظاهرات في مدن وقرى محافظة السويداء جنوبي سوريا، بعدما انطلقت المظاهرات احتجاجا على سوء الأوضاع المعيشية، لتصل المطالب لاحقا إلى أعلى الاحتجاجات السياسية والتي طالبت بتنحي رئيس النظام السوري بشار الأسد عن منصبه.
مظاهرات السويداء، انطلقت منتصف شهر أغسطس/آب الماضي بسبب رفع حكومة النظام الدعم عن الوقود، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار وكذلك زيادة في المعاناة الاقتصادية والمعيشية.

